عرض/ زياد منى
يتناول الكتاب التطورات التي اندلعت في لبنان عقب خروج مقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت، استجابة لضغوط قيادات شعرت بأن قيادة المؤسسة الفلسطينية والنظام السوري عملا على تهميش دورهم في الحياة السياسية اللبنانية، وهو ما يشرح موافقتهم الضمنية على الاجتياح، والتعاون مع من كانوا يسموْن "الانعزاليين" الذين تشكلوا أساسًا من حزب الكتائب اللبنانية والقوات اللبنانية حيث لم يطالبوا رئيس الوزراء شفيق الوزان بالاستقالة احتجاجًا على تعاون الرئاسة اللبنانية مع اجتياح العدو الصهيوني لبنان، وهو ما فعلوه مع غيره في الماضي عندما أحسوا بأن مواقعهم في الحياة السياسية ومن ثم الاقتصادية، تتعرض للخطر.

- الكتاب: أسرار حرب لبنان.. من مذابح صبرا وشاتيلا حتى رحلة أمين الجميل إلى دمشق.
- المؤلف: ألان مينارغ
- عدد الصفحات: 568
- الناشر: المكتبة الدولية، بيروت، لبنان
- الطبعة: الأولى 2012

لكن هذا لا يسري إطلاقًا على أهل بيروت (البيارتة) الذين خرجوا بمئات الآلاف لتوديع القوات الفلسطينية المنسحبة، في مشهد تاريخي مؤثر، رغم ما تعرض له كثير منهم من ظلم واضطهاد وتعسف على يد مؤسسات منظمة التحرير، وفتح على نحو خاص. هذا كله لم يذكره الكاتب، فوجدنا من الضرورة ذكره الآن لأنه سيشرح كثيرا من التطورات التي شهدها لبنان في تلك المرحلة.

الكاتب لا يذكر مصادر معلوماته التفصيلية إلى درجة تدعو للملل أحيانًا، وإن كان يشير بين الفينة والأخرى إلى حديث مع هذا أو ذاك من الناس بخصوص حوادث محددة. وعندما صدر الجزء الأول من الكتاب رأى بعض المراقبين اللبنانيين أنه ربما استند أساسًا إلى محفوظات "القوات اللبنانية".

محتوى الكتاب
ملخص الكتاب الذي ينتهي بزيارة أيمن الجميل إلى دمشق وإلغاء اتفاق 17 مايو/أيار مع العدو الصهيوني يوم 5 مارس/آذار 1984، ويبدأ باغتيال بشير الجميل وبمذابح صبرا وشاتيلا على يد قوات الغزو الصهيوني وأتباعها من قوات اليمين اللبناني، مرورًا بالصدامات الداخلية اللبنانية ليس فقط بين قوى المعسكرين، المعادي للاجتياح والمتعاون معه إلى أقصى الدرجات، وإنما أيضًا إلى الصراعات داخل المعسكر الواحد وفي مقدمة ذلك الصراع بين الرئيس اللبناني أمين الجميل و"القوات اللبنانية"، وبالمذابح وأعمال التهجير والنهب والسرقات التي ارتكبتها أطراف مختلفة بحق مدنيي المعسكر المضاد، وإن بتفاصيل متباينة تعكس عواطف المؤلف المفترض أنه سجل كتاب تاريخ وتأريخ، وأن عليه -بحكم قوانين المهنة- الالتزام بالمعايير العلمية المحددة لهذا النمط من الكتابات.

على أي حال، هذا سيكتشفه القارئ، لكن كان علينا التنبيه إلى هذا الأمر (مثلا يشير إلى المقاتلين الفلسطينيين الذين لم يكونوا بإمرة ياسر عرفات بصفة "إرهابيين")، وهذا غيض من فيض حيث إن عنوان الكتاب يقع في المقلب نفسه. في الوقت نفسه، يستعمل المؤلف المفردة "إعدام" -وهو مصطلح قانوني مستحدث في اللغة العربية لشرعنة قتل الغير باسم القانون وما إلى ذلك- للإشارة إلى أعمال التصفيات التي كانت تجري في مختلف المناطق.

الرسالة الأساسية للمؤلف أن الرابح من حرب لبنان أو من الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، كان سوريا (برأينا ليس ثمة رابح وخاسر في الحروب، لأن الكل يخسر.. نعم ثمة منتصر ومهزوم، والفرق بين الاثنين كبير).

الكتاب صدر قبل كشف وثائق ويكيليكس عن معرفة الإدارة الأميركية بل وموافقتها على دخول قوات الغزو وأتباعها مخيمي صبرا وشاتيلا، بما يجعلها مشاركًا كاملاً في الجريمة

الكتاب يلقي مسؤولية الهزيمة على الرئيس أمين الجميل، الذي كان على العكس من شقيقه المتعاون مع الصهاينة إلى أقصى الدرجات، وهذا وفق أقوال شارون وبقية قادة الكيان الصهيوني مما ينفي محاولات البعض الإيحاء بأن إسرائيل هي من اغتالته بسبب وقوفه ضد أطماعها. بل إنه يستشهد بآراء أطباء نفسيين يهود وصهاينة تحط من شخصية الرجل وتنال من شخصيته (حرفيًا: محدود فكريًا - ص102-103)، وفي الوقت نفسه تكيل المديح لشقيقه بشير، لكنه يصف سمير جعجع (درس الطب البشري في الجامعة الأميركية ببيروت، لكنه لم ينهه) بأنه قاسٍ وعديم الرحمة.

زد على ذلك -يقول المؤلف- إن أمين الجميل كان "يبغض" -لا نعرف المصطلح الفرنسي الأصلي، ولم نتمكن من سؤال المترجم أو المترجمين، لأن الناشر يُهمل هذا، أو لربما أن المؤلف كتبه بالعربية!- بشير بسبب حسن صفات الأخير.

الكتاب الفرنسي صدر قبل كشف وثائق ويكيليكس عن معرفة الإدارة الأميركية، بل وموافقتها على دخول قوات الغزو وأتباعها مخيمي صبرا وشاتيلا بما يجعلها مشاركًا كاملاً في الجريمة، تضاف إلى سجلها الحافل في العالم. هذه وغيرها من الملاحظات مهمة، لكنها لا تنقص كثيرًا من أهمية الكتاب لتأريخ تلك المرحلة من الصراعات في لبنان.

نقاط أساسية
نود الآن ذكر النقاط الأساسية التي نرى أنها تلخص محتوى الكتاب، دون أن يعني ذلك بالضرورة النظر إلى مواقف بعض الأطراف والشخصيات في ذلك الوقت على أنها ثابتة وليست نتاج ظروف سياسية محددة، وأنها غير قابلة للتغير، وهذا ما حصل فعلاً في بعض القوى والشخصيات:

- المؤلف أشار في كتابه إلى حرب تقاسم فلسطين عام 1948 بأنها "حرب الاستقلال" (ص 195).
- يشير إلى القوى والشخصيات الفلسطينية واللبنانية المتحالفة مع سوريا بأنها "موالية لسوريا" وليست متحالفة معها!
- إسرائيل دعمت انتخاب أمين الجميل بعد اغتيال شقيقه، ورفضت الاستجابة لرغبة كميل شمعون أن يتولى هو الرئاسة (ص 49).
- ينقل عن أمين الجميل وصفه الوجود الفلسطيني بأنه "الخرّاج الفلسطيني" (ص 58)، مع علمه التام بأن تحالف حزبه -بل وقطاع من موارنة لبنان- مع الحركة الصهيونية بدأ مطلع القرن الماضي، وهذا ما ذكرهم به قادة إسرائيل، وأن مؤسس حزب الكتائب بيار الجميل شارك في مباراة كرة قدم مع الصهاينة، وأن لبنان استفاد كثيرًا من الفلسطينيين الذين طردوا من بلادهم عام 1948. من الذي موضع مخيمي تل الزعتر وضبية في وسط المنطقة ذات الأغلبية المسيحية؟ لقد استجلبهم النظام في لبنان وقتها كأيد عاملة رخيصة.

إضافة إلى ذلك يتحدث الكتاب عن علاقات تجارية أقامها الرئيس اللبناني السابق مع الراحل ياسر عرفات ومنظمة التحرير الفلسطينية.

الرئيس أمين الجميل رفض اللقاء مع الإسرائيليين بعدما فضحوا لقاءه السري الأول معهم في فلسطين المحتلة في السبعينيات، ثم قبل بعد ذلك بعقد لقاءات جديدة على أن تبقى سرية أيضا

- ينقل في معرض الإشارة إلى دروز لبنان قول وليد جنبلاط إنهم يرفضون أن يصبحوا كدروز فلسطين، أي رجال درك في الجيش الإسرائيلي (ص 74).
- وليد جنبلاط طلب لقاء مع آرييل شارون لكن الأخير رفض ذلك (ص 133).
- حركة أمل كانت تعتقل الأصوليين من الحركة (حيث ولد في رحمها حركة أمل الإسلامية، ثم انشق قسم منها بقيادة حسين الموسوي ومنها ولد حزب الله) وتسلمهم لقوات الغزو الإسرائيلي، ونبيه بري صرح بأن تدهور الأوضاع في لبنان يقع على عاتق الفلسطينيين واليسار اللبناني (ص 145)، علمًا بأن بري خدم في الجيش الأميركي (يبدو أن المقصود هنا الخدمة العسكرية الإلزامية).
- الرئيس أمين الجميل رفض اللقاء مع الإسرائيليين بعدما فضحوا لقاءه السري الأول معهم في فلسطين المحتلة في السبعينيات، مع أنه أبلغ الإسرائيليين، دومًا وفق المؤلف: نحن إستراتيجيًا مع إسرائيل، ثم قبل بعقد لقاءات جديدة على أن تبقى سرية, التقى مع مناحيم نافوت، (ص 171- 172).

- معظم الأنظمة العربية كانت على علم بالتحالف الكتائبي الإسرائيلي والعلاقات القائمة بين الطرفين، ودليل ذلك استشهاد المؤلف برسالة شفوية من الحكومة الكويتية إلى قيادة حزب الكتائب جاء فيها: أنتم تخدعوننا، فها قد انقضت ثماني سنوات وحزب الكتائب وبيار الجميل يخدعنا.. لقد اعتقدنا أن علاقاتكم بإسرائيل نتيجة ظروف عابرة.. ومثلما قلبنا سوريا ضدكم سوف نقلب إسرائيل ضدكم، ولسوف يدرك الإسرائيلي أن (الجسر) هو السني وليس المسيحي!! (ص 191)، مما يعني بالضرورة أن الأنظمة العربية -في معظمها- لم تكن تمانع في استعانة القوى المعادية للحركة الوطنية الفلسطينية والقوى اللبنانية اليسارية بإسرائيل.

- لا يمكن لشخص في كيان العدو تسلم منصب وزير دون موافقة الاستخبارات، حيث خضع وزير الدفاع موشي آرنز الذي كان سفيرًا له في واشنطن لتفحص أجهزتها، خاصة أن شقيقه وابنه كانا معاديين لسياسات إسرائيل وللصهيونية (ص 194-195). وكان إيلان بابيه ذكر في مؤلفه "خارج الإطار" الذي عرضناه سابقًا في هذا الموقع، أنه حتى تعيين أستاذ في أي جامعة في كيان العدو يحتاج إلى موافقة الاستخبارات.

- القيادة الإسرائيلية نصحت قيادة الكتائب والقوات اللبنانية بالاتصال بالعراق والاستفادة من عداوته لسوريا (عضو القيادة القومية لحزب البعث العراقي عبد المجيد الرافعي، نائب في مدينة طرابلس، امتنع عن التصويت على معاهدة 17 مايو/أيار بين نظام أمين الجميل والعدو- نائبان فقط صوتا ضدها هما نجاح واكيم وهو مسيحي أرثوذكسي من بيروت، وزاهر الخطيب وهو سني من الشوف).

- عملت القوات اللبنانية (إيلي حبيقة) على الاتصال بقيادة الراحل ياسر عرفات للاستعانة بهم ضد القوات السورية والمنشقين قبل حرب الجبل، وإسرائيل عرضت على الطرف الأول مساعدتها على إحضارهم إلى الجبل من طرابلس حيث كانوا محاصرين فيها.

- الضباط الأميركيون كانوا حاضرين في غرفة عمليات القوات اللبنانية إبان حرب الجبل (19/5/1983-19/9/1983) (ص 388).

الكتاب سريالي المحتوى حقًا في كثير من تفاصيله، حيث يرى المرء تغير المواقف بين ليلة وضحاها، وأن في العمل السياسي ليس ثمة مبدأ سوى الوصول إلى السلطة والتمسك بها ما أمكن

- ثمة نقاط أخرى منها الادعاء الخاطئ بأن بيروت أول عاصمة عربية تسقط بيد الاحتلال الصهيوني، متجاهلين حقيقة أن القدس عاصمة فلسطين وقعت بيد الاحتلال من قبل. كما يلاحظ المرء بعض المشاكل في ترقيم الصفحات ومنها مثلاً ورود ص 384 في غير محلها.

كما أن القول بأن الكتائب والقوات اللبنانية تمثلان مسيحيي لبنان غير صحيح إطلاقًا. صحيح أن كثيرا من موارنة لبنان -وربما حتى أغلبيتهم- وقفوا إلى جانب القوتين، لكن الموارنة ليسو مسيحيي لبنان وإنما هم جزء منهم.

أخيرًا، لا بد من الإشارة إلى أن هذا الكتاب سريالي المحتوى حقًا في كثير من تفاصيله، حيث يرى المرء تغير المواقف بين ليلة وضحاها، وأن في العمل السياسي ليس ثمة مبدأ سوى الوصول إلى السلطة والتمسك بها ما أمكن. وعند مقارنة كثير مما ورد فيه من تفاصيل عن تعاون قديم بين اليمين اللبناني -وكنا كتبنا عن ذلك من قبل في هذا الموقع- بما كان يقال قبل اندلاع الحرب وفي مراحلها الأولى، يكتشف مدى الكذب الذي كان يمارس وحجمه، وأن على المرء المهتم بالحقيقة الحذر الشديد، وما ستكشفه الوثائق الغربية ذات العلاقة عند حلول موعد ذلك، لابد أنه سيصدم كثيرين.

في الوقت نفسه ينقل هذا الكتاب الصورة من منظور واحد، ولمعرفة كافة الحقائق لا بد من قراءة روايات الأطراف الأخرى.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك