العنوان: تاريخ الطب الإسلامي
المؤلف: يورغوس سخوريتسانيتيس
الناشر: فيتا ميديكال آرتز
عدد الصفحات: 420 صفحة
الطبعة: الأولى 2012

عرض/ شادي الأيوبي
كثيرا ما قام الطبيب اليوناني يورغوس سخوريتسانيتيس بأسفار إلى مناطق عديدة من العالم، بينها بلاد العالم الإسلامي، حيث كان يزور المتاحف والمعابد والآثار. وبعد طول بحث وتنقيب، تبين له وجود فراغ في الغرب فيما يتعلق بالكتب التي تتحدث عن فترة ازدهار الحضارة الإسلامية، وهو المشروع الذي بدأ به وكلفه سنين طويلة من حياته.

أكثر ما لفت نظر الطبيب اليوناني خلال أبحاثه، هو الاكتشافات الهامة التي قام بها علماء مسلمون خاصة بين القرنين السابع والرابع عشر الميلاديين ثم نُسبت بعد ذلك إلى علماء غربيين. ويستشهد بابن النفيس الذي اكتشف الدورة الدموية في القرن الثالث عشر بمستشفى النوري في دمشق، بينما تنسبها المصادر الغربية إلى العالم الغربي هارفي الذي عاش بين عامي 1578 و1657.

ويأسف سخوريتسانيتيس لأن النظام التعليمي الغربي لا يعطي الطلاب أي فكرة حول إسهامات المسلمين في علم الطب، ويقول إن الأطباء ربما لم يهتموا بهذا التراث لعدم وجود كتب حول هذا الموضوع وغيره، على الأقل في المكتبة اليونانية وفي غيرها كذلك، بينما لا يرى أن في الغرب اليوم موجة جحود لجهود علماء الإسلام، بل موجة جهل وعدم إدراك بها.

وينوه بدور الأطباء غير المسلمين في تطوير الطب الإسلامي، ويؤكد أن أطباء العصر الإسلامي استفادوا من العلوم السابقة لدى اليونانيين والفرس والهنود وطوروا نظريات خاصة بهم في المعارف. كما يلفت النظر إلى أن انفتاح المسلمين على الأديان الأخرى سهّل ترجمة وتدريس عدد كبير من الكتب الطبية إلى اللغة العربية التي تحولت إلى لغة الطب والدبلوماسية.

لكن الطبيب اليوناني يرى في المقابل أن المسلمين أنفسهم لم يسهموا في عرض ونشر معارفهم كما يجب، وتركوا جزءًا من حضارتهم مدفوناً لقرونٍ طويلة، تاركين شعوباً أخرى تنسب لنفسها تقدمهم وحضارتهم.

في مقدمة الكتاب يقول المؤلف إنّ الهدف منه هو تقديم نبذة مختصرة وبسيطة عن حضارةٍ أعطت الكثير في زمانها، وأثّرت كثيراً في النهضة الغربية وما نسمّيه اليوم الحضارة الغربية، حضارة لم يستغلها المسلمون أنفسهم لصالحهم أولاً ثم لصالح الجميع بعد ذلك.

ويضيف أن الإسلام ليس -كما يتصوره البعض في الغرب- ديناً للسيف، فالناس في البلاد المفتوحة اعتنقوا الإسلام في زمن قصير، والدين الجديد لم يجبرهم على ذلك، فالكثيرون منهم بقوا على دينهم، ولا يزال إلى اليوم مجموعات مهمّة من اليهود والمسيحيين في البلاد الإسلامية.

أبرز المؤلف دور المساجد والمدارس التي عنيت بالعلم في القرون الأولى للإسلام، ثم تحدث عن تدريس الطب الإسلامي ضاربا مثالا بمدارس مدينة جندي سابور الفارسية، حيث كانت دروس الطب ذات مستوى رفيع جداً على المستويين النظري والتطبيقي

كان متوقعاً أن يصبح الإسلام ديناً عالمياً وأن يخلق حضارة تمتد من طرف الأرض إلى طرفها الآخر. فالعرب أولاً ثم الفرس وبعدها الأتراك، كلّهم شكلوا الحضارة الإسلامية الكلاسيكية. وفي القرن الثالث عشر أصبحت الهند وأفريقيا مركزين للحضارة الإسلامية، وانتقلت الشعلة بعد ذلك إلى ماليزيا وإندونيسيا والصين.

يفرد المؤلف صفحات كثيرة في بداية كتابه لسرد دور المساجد ومدارس القرآن وتعداد المدارس التي عنيت بالعلم والمعارف في القرون الأولى للإسلام، ثم يتحدث في فصل عن تدريس الطب الإسلامي ضاربا مثالا بمدارس مدينة جندي سابور الفارسية، حيث كانت دروس الطب ذات مستوى رفيع جداً على المستويين النظري والتطبيقي.

وكان علي بن العباس (994م) يشدّد في تدريسه لطلابه على ضرورة متابعة المرضى في المستشفى والمنزل، وتأثير تناولهم الدواء على مسار مرضهم، بينما كان الرازي يقارن خلال زيارته مع طلابه، عوارض المرض بما تذكره الكتب، كما كان يتمّ الاحتفاظ بسجلات للمرضى كان يتم تقديمها أثناء تدريس الطلاب.

بعد استكمال الطالب تعليمه الأساسي كان يتابع تدريبه في العيادة، حيث كان يشارك في زيارة المرضى ويناقش مع الأطباء مشكلاتهم، وكان الأطباء يطلبون منه فحص مريض ما والخروج بتشخيص لحالته، بعد ذلك يبدأ في فحص المرضى في العيادات الخارجية وذكر أعراض مرضهم للأطباء.

وفي عام 931م مات مريض في بغداد بسبب خطأ طبي، فأمر الخليفة المقتدر كبير الأطباء ثابت بن قرة باختبار قدرات جميع من يمارس مهنة الطب، كما أمر بإجراء امتحانات لكل الأطباء لمنحهم شهادة ممارسة المهنة.

في الفصل السابع يعدد المؤلف أنواع المستشفيات التي كانت موجودة في العالم الإسلامي، ويذكر المستشفيات المتنقلة التي كانت تنتقل من منطقة إلى أخرى عند الحاجة في أوقات الحروب والحج والأوبئة، والمستشفيات الثابتة التي كانت توجد بكثرة في المدن، ففي مدينة قرطبة كان هناك أكثر من خمسين مستشفى، منها مستشفيات خاصة بالجيش وأخرى بالمسجونين وأخرى بالبُرص، وأخرى للأمراض النفسية، إضافة إلى مراكز الإسعافات الأولية، وكانت تلك المستشفيات تقدم العلاج للجميع مجانا.

ويعدد الكاتب بعض مستشفيات دمشق والقاهرة والمغرب العربي متطرقاً إلى كيفية إدارتها وتسييرها. ويذكر هذا الفصل اهتمام الطب الإسلامي بالتوازن بين صحة البدن وصحة النفس، وكيف أن العبادات مثل الصلاة والصيام، تؤدي إلى حماية وتقوية الجسد.

يذكر المؤلف خمس مميزات لأبحاث الأطباء المسلمين، هي: النقاش حول الموضوعات المشكوك فيها، والتحليل الدقيق، والأمانة العلمية ونسبة الاكتشافات لأصحابها، وحرية التعبير وعدم الارتباط بالنظريات القديمة، وأخيراً الثقة بالنفس والرأي العلمي

ويذكر المؤلف خمس مميزات لأبحاث الأطباء المسلمين، هي النقاش حول الموضوعات المشكوك فيها وعدم تقبل الأفكار غير الثابتة، والتحليل الدقيق، والأمانة العلمية ونسبة الاكتشافات لأصحابها وعدم استخدام تصريحات لا تدل على الثقة، وحرية التعبير وعدم الارتباط بالنظريات القديمة، وأخيراً الثقة بالنفس والرأي العلمي.

وكان بيت الحكمة نموذجا لقدرة المسلمين على الاستفادة من علوم الهنود والفرس واليونان والسريان للخروج بعلوم ومعارف حديثة، مما جعل بغداد وسط الدنيا لما فيها من تقدم ومعارف، حيث يعدد ابن النديم 57 مترجماً كانوا يعملون على ترجمته.

يعتبر الطبيب اليوناني أن مرحلة القمة للأطباء المسلمين تنقسم إلى ثلاث مراحل: مرحلة النهضة الإسلامية، وتبدأ منذ بداية الإسلام حتى نهاية عصر العباسيين، ومرحلة العصر الإسلامي حيث وصلت تلك العلوم إلى ذروتها، ثم مرحلة عصر الانحطاط حينما ترجم الطب الإسلامي إلى اللغات الأوروبية ممهدة الطريق لتأسيس قاعدة الطب الغربي الحديث.

الرازي هو أشهر أطباء المسلمين في العصر الإسلامي، وقد كان رئيساً لمستشفى بغداد، وقد كانت طريقته في اختيار مكان بناء المستشفى دليلاً على معرفته بطرق انتشار العدوى عبر الهواء، وقد عدّد المؤرخ البيروني للرازي 56 مؤلفاً في الطب أهمها كتاب الحاوي، وقد صَرَف الرازي جزءًا كبيراً من حياته في تدريس الطب للأطباء الشباب.

وكانت صنعة الكيميائي المخوّل بتركيب الأدوية فناً يدرّسه أكثر الأطباء، وكانت صنعة منتشرة بشكل كبير وتتطلب إذناً خاصاً لمزاولتها. والأدوية إما بسيطة أو مركبة، وقد كان تأثيرها ومضاعفاتها على جسم الإنسان تفصيلياً ومثبتاً، وبدأت الكتابات حول الأدوية قبل بدء الترجمات عن اللغات الأجنبية.

ولا ينسى الكتاب التعريج على الآيات القرآنية التي تذكر الفوائد الصحية والطبية لبعض الأطعمة كالعسل والتين والزيتون، كما يذكر اهتمام المسلمين بأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم الخاصة بالطب والتي تحولت مع الزمن إلى ما عرفه المسلمون بالطبّ النبوي.

إن الأطباء المسلمين حينما سمعوا الحديث النبوي القائل "إن الله لم يخلق داءً إلا خلق له دواءً"، انطلقوا بثقة كبيرة بالنفس وهم واثقون بأنهم سيجدون علاجاً لكل مرض من الأمراض التي واجهوها، وحققوا خطوات واسعة في مجال علوم التشريح والحساسية والبكتيريا وعلم الأعشاب وطب الأسنان وعلم الأجنة والتوليد وطب العيون والأمراض الباطنية وطب الأطفال وطب النفس والجراحة وأمراض جهاز البول والأدوية.

ويتابع المؤلف بتفصيل نظريات القرآن حول خلق الإنسان ومراحل تكوينه، كما يلحظ وجود تشابه كبير في النظريات التي وضعها قدماء اليونانيين مع النظريات القرآنية حول الموضوع، ويورد حديث الرجل الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ابنه الذي جاء أسود اللون، فسأله النبي عن لون الجمال التي لديه، ليستدل على أنه كان ثمة معرفة ما بتوارث وانتقال الخصائص الوراثية من جيل إلى آخر.

الأطباء المسلمون حينما سمعوا الحديث النبوي القائل: إن الله لم يخلق داءً إلا خلق له دواءً.. انطلقوا وهم واثقون بأنهم سيجدون علاجاً لكل مرض من الأمراض التي واجهوها، وحققوا إنجازات مهمة في مجال علوم التشريح والحساسية والبكتيريا وعلم الأعشاب وطب الأسنان وعلم الأجنّة والتوليد وغيرها

ولعدم إيمانه بنبوة محمد عليه الصلاة والسلام، يقول المؤلف في كتابه إنه لا بد من وجود علاقة بين القرآن وقدماء اليونان، ويستنتج أن النبي صلى الله عليه كان له صديق طبيب هو الحارث بن كلدة كان يستشيره في أمور الطب.

وكان الرازي أول طبيب يتحدث عن الحساسية والمناعة، وأول من اكتشف أن الحمى هي الطريقة التي يدفع بها الجسد الداء عن نفسه. كما كان أبو القاسم الزهراوي أول من اكتشف مرض الهموفيليا في الدم في كتابه "التصريف"، حين قال إن رجال إحدى الأسر كانوا يموتون من نزيف الدم بعد الإصابة بجروح بسيطة. كما أن الطبيب ابن زهر أثبت أن الجَرب مرض جلديّ يتسبب به أحد الطفليات، وهي نظرية قلبت النظريات التي كان قالها أبقراط وغالينوس وابن سينا.

وفي الطب البيزنطيّ الذي كان متركزاً في القسطنطينية، لم يكن معتاداً إجراء عمليات بمبضع الجراحة، بينما كان الأدب العربي في القرن العاشر يزخر بذكر آلات الجراحة المخصصة لكل مرض من الأمراض.

لكن الطبيب اليوناني يجد صعوبة في الحكم على مدى تطابق الأوصاف التي توردها كتب الطب الإسلامية عن الجراحات المختلفة، ويذكر أن الرازي أصيب في نهاية عمره بالعمى، وعندما جاء أهمّ جرّاح للعيون ليجري عملية جراحية لعينيه وشرح له تفصيلات الجراحة، شكره الرازي واعتذر عن إجراء العملية بسبب الألم الذي ستتسبب به.

البصريات التي كتبها ابن الهيثم شرحت كيف أن الشمس والقمر يبدوان أكبر عندما يكونان قريبين من الأفق، حيث إن مؤثرات تخدع العين وتجعل منهما يظهران أكبر حجماً، بينما يبدوان أصغر حينما يكونان في السماء لانعدام تلك المؤثرات.

الأطباء المسلمون اتفقوا تقريباً على أن الأطعمة الدسمة والأجبان والألبان وسوء عمل الكلى تتسبب في تشكل الحصى فيها، بينما يعدد الكتاب أساليب في معالجة تلك الحصى ذكرها أولئك الأطباء وتقترب في مجملها من العلاج المعاصر.

وبعكس المستشفيات البيزنطية، فقد كان في المستشفيات الإسلامية أماكن خاصة للرجال والنساء الذين كانوا يعانون من اضطرابات عقلية، مفترضاً أن أول مستشفى أنشئ في بغداد في القرن التاسع كان يعالج هذه الحالات.

وفي المصحات العقلية كان هناك اهتمام بالبرنامج العلاجي للمريض النفسي، وكان يتضمن تدريبات رياضية وتوفير جو مريح والكثير من النوم والحمامات والضغط على الرأس بعصابة من قماش وتدليك الجسم بأنواع من الدهون، كما يبدو أنهم استعملوا بعض دود العلق في علاج بعض الأمراض الجلدية.

الكتاب في مجمله يطرح الكثير من النقاط الإيجابية والتفصيلات التي يجهلها حتى دارسو الطب في الغرب عن الطب الإسلامي، وهو يعدّ نقطة تحول هامة في دراسة الغربيين للعلوم الإسلامية والاعتراف بفضلها ونفض الغبار عنها، كما يوضح أن الطب الإسلامي استفاد بشكل كبير من علوم الأمم السابقة وأضاف إليها الكثير وسلمها إلى أمم لاحقة.

ويزخر الكتاب بعشرات الصور والرسوم التي توضح أدق تفصيلات العمليات الجراحية وأدوات الجراحة وتحضير الأدوية والنصوص الطبية ودروس الطب والتشريح وصور المستشفيات التي لا تزال موجودة حتى أيامنا هذه، كدليل على عظيم أثر الطب الإسلامي وضرورة إعادة دراسته من جديد.

المصدر : الجزيرة

التعليقات