اسم الكتاب: فلسفة الدولة
المؤلف: د. منذر الشاوي
الطبعة الأولى، 2012
عدد الصفحات: 861
الناشر:  دار ورد الأردنية للنشر والتوزيع

عرض/وليد الزبيدي

يتناول كتاب (فلسفة الدولة)، أهم مرتكزات بناء الدولة الحديثة ومستلزماتها، وفي صفحاته الـ (860 صفحة من الحجم الكبير)، يتطرق الدكتور منذر الشاوي، وزير العدل والتعليم العالي الأسبق في العراق قبل عام 2003 وأستاذ القانون الدستوري وفلسفة القانون، إلى أهم التجارب العالمية الخاصة ببناء الدولة، ليجمل رؤيته في موضوع فلسفة الدولة، بكل ما ينطوي عليه هذا العنوان الواسع والشائك من طروحات وأفكار.

ويخصص في القسم الأول من الكتاب أكثر من نصف صفحاته لقضية "فكرة الدولة"، أما القسم الثاني فقد تناول فيه مسألة "الدولة الديمقراطية"، وقبل ذلك اختار مدخلا للكتاب بعنوان (مقدمة في فلسفة حكم البشر) مستهلا كلامه بمقولة للمفكر جان جاك روسو، من أن (سبب البؤس الإنساني، هو التناقض بين الإنسان والمواطن، فإما أن نعطيه كله إلى الدولة أو ندعه كله لذاته).

ويرى الباحث أن البداية الأولى لمفهوم الدولة، تعود إلى طبيعة العلاقة بين الفرد والطبيعة، وأن الفرد وُجد ليعيش، ويجد نفسه وجها لوجه أمام الطبيعة، فالصراع حتمي، بين الإنسان والطبيعة، لأنه يريد أن يُسخر الطبيعة لمصلحته، ويخلص إلى أن فلسفة الحكم ما هي إلا فصول من حيرة الإنسان وحكمة الإنسان عبر حكومة الإنسان.

وغالبا ما يتناول المفكرون والباحثون جوانب محددة في قضية الدولة ومفهومها، لكن كتاب (فلسفة الدولة) يتجاوز تلك المحدودية إلى الموسوعية، مستندا إلى دراسة الدستور وتحديدا فلسفة الدستور،  الذي يُعد أساس بناء الدولة.

وسبق للدكتور الشاوي أن أصدر كتابا خاصا بحث فيه مسألة (فلسفة الدستور)، ويتفق الباحثون والمختصون في قضايا بناء الدولة والتنمية، على أن الدولة، التي لا تعتمد دستورا شاملا وواسعا وخاليا من الثغرات، فإنها تظل مهددة في الكثير من مفاصلها الرئيسية، ما يسمح للفساد أن يتسلل إلى هذا المفصل أو ذاك، أو تكون بعض مواد الدستور ذاتُها، بؤرة لتشريع قوانين وأنظمة لا تتلاءم وطبيعة المجتمع وعادته وتقاليده، ما يفضي في مرحلة لاحقة، إلى إحداث ثغرات سلبية تنهش جدار الدولة والمجتمع مؤسسة لأخطار آنية ومستقبلية.

يرى د. الشاوي أن فكرة الشعب من المسائل المهمة في دراسة فلسفة الدولة، ويقول بهذا الصدد إن الجماعة البشرية أو الفئة الإجتماعية عنصر مهم من عناصر الدولة لأنها الوسط الاجتماعي الذي تُمارس فيه سلطة الدولة

فكرة الدولة
يتناول المؤلف مسألة (فكرة الدولة) في أربعة فصول موسعة، هي: نشأة الدولة، وبناء الدولة، وتولي سلطة الدولة، وسيادة الدولة.

في سبيل البحث تفصيليا في جوانب فكرة الدولة بصورة عامة، يناقش الشاوي مسألة التمييز بين الحاكم والمحكوم، ويقول بهذا الصدد: نجد دائما وفي كل الفئات الاجتماعية أفرادا يحكمون وآخرين يطيعون، تمييزا بين حكام ومحكومين، وكان تبرير هذا التمييز الشغل الشاغل للتفكير الإنساني.

وفي بحثه لـ (ظاهرة السلطة) يرى أنها تبدأ من الأسرة، حيث يشعر الطفل بسلطة رب الأسرة، وتتسع دائرتها متدرجة إلى سلطة الدولة، ويطرح سؤالا جوهريا يحاول من خلاله دراسة الحاكم والمحكوم، يقول: ما هي الأسباب أو العوامل التي تساعد البعض في الوصول إلى السلطة ليصبحوا "حكاما".

ويجد في القوة البدنية بداية الإمساك بالسلطة في المجتمعات البدائية، التي تطورت لاحقا لتصبح قوة عسكرية في مراحل لاحقة، ويتوصل إلى قناعة من أن القبض على السلطة اعتمادا على القوة العسكرية،  لن يوفر الأجواء والظروف السليمة للسلطة، حتى يصل الأمر في نهاية المطاف إلى انتهاء هذا الحكم، الذي يقول عنه الباحث إنه يحصل في المجتمعات البدائية ويكون نوع الحكم فيها (ديكتاتوريا)، وفي حال ظهرت الديكتاتوريات العسكرية في مجتمعات متطورة، فإنها تشكل علامة انحطاط أو تدهور في هذا المجتمع، أي رجوعا إلى الوراء.

في تحليله لقضية السلطة والعلاقة بين الحاكم والمحكوم يستند الدكتور الشاوي إلى نظريات لعلماء ومفكرين عالميين، من بينهم رائد مدرسة التحليل النفسي النمساوي سيجموند فرويد (1856-1939) وليؤدكي (1859-1928) وهو من أكبر فقهاء فرنسا وقد وضع نظرية للقانون على اُسس علم الاجتماع، ويقول إن من أوائل الكتاب الذين منهجوا أصل الدولة الفيلسوف العربي ابن خلدون في مقدمته الشهيرة.

ويتوقف عند نظريات نشأة الدولة منتقدا أهم تلك النظريات وهي نظرية العقد الاجتماعي، إذ يرى أن نشأة الدولة مدينة لإرادة الأفراد، فهم الذين يقيمون الدولة بطريقة أو بأخرى، ووفق هذا التصور، فإن الإنسان يقيم الدولة بحيث إن السلطة لا تُفرض عليه، إنما هو الذي يخلقها، وبالنسبة لنظرية الدولة المؤسسة، فيستشهد في نقدها بما طرحه المفكر الفرنسي جورج بردو (1905-1988) من أن وجود التمييز بين الحكام والمحكومين لا يكوّن دولة.

ويرى الدكتور الشاوي أن فكرة الشعب من المسائل المهمة في دراسة فلسفة الدولة، ويقول بهذا الصدد، إن الجماعة البشرية أو الفئة الإجتماعية عنصر مهم من عناصر الدولة، لأنها الوسط الاجتماعي الذي تُمارس فيه سلطة الدولة، ويتوقف عند جوانب عدة في هذه القضية أهمها، بناء فكرة الشعب، وإنكار فكرة الشعب في المجتمع الطبقي، وبناء فكرة الشعب في المجتمع الطبقي، وفكرة الشعب في منظور الجمعية التأسيسية الفرنسية، ومفهوم الشعب الأمة، وبناء فكرة الشعب في المجتمع القومي.

يخلص الكاتب في دراسته للتجربة الفدرالية بالعراق، التي تم إدخالها في قانون إدارة الدولة الذي تمت صياغته بعد الاحتلال الأميركي إلى أنها فدرالية (مصطنعة) وأن هناك إصرارا على هذا النظام الذي يعني إضعاف سلطة الدولة بفدرلتها

كيف تنشأ الدولة؟
اختار المؤلف هذا السؤال ليكون المدخل لقضية بناء الدولة التي تناولها بصورة موسعة، ويرى في إجابته عن ذلك السؤال أن الدولة بناء متكامل أساسه السلطة ومحوره وحدة هذه السلطة وتوليها، وعليه فإن دراسة "بناء الدولة" تحكمها طبيعة الوقائع ومعطياتها، وما يفرضه المنطق التحليلي لها، فهذا البناء ليس، كما يتصوره البعض، حلما يراد تحقيقه أو غاية ذاتية يُراد بلوغها، بل هو واقع له أهميته البالغة في مجال إقامة، أو إصلاح إعادة بناء الدولة.

يتناول المؤلف في بحثه لموضوع بناء الدولة الكثير من العناوين، التي تلتقي في مجموعها لتجيب عن السؤال المحوري الذي يبحث في كيفية نشوء الدولة، مؤكدا على مسألة وحدة سلطة الدولة، وتركيز وتوزيع السلطة. وتطرق إلى الملكية المقيدة والنظام الرئاسي والنظام البرلماني. ويدرس في هذا الجانب قضية انحراف النظام البرلماني في العراق الملكي، قبل ثورة عام 1958. ويتوقف عند مذهب كل من جون لوك ومونتسكيو، قبل تناول تقسيم وظائف الدولة ومعنى تلك الوظائف.

وفي معرض دراسته للفدرالية، يؤكد الشاوي على مسألة في غاية الأهمية، هي قضية الفدراليات، التي أخذ الحديث يتزايد حولها، خاصة في ليبيا بعد التغيير الذي أطاح بحكم العقيد معمر القذافي ضمن موجة (الربيع العربي)، وعلى نطاق أوسع في العراق بعد الغزو الأميركي لهذا البلد عام 2003.

وازداد الحديث عن مشاريع الفدراليات في العراق خلال السنتين الأخيرتين، وسط تدهور الأوضاع الأمنية وفشل العملية السياسية، مشيرا إلى أن نظام الحكم الفدرالي لا بد من مروره بنظام الحكم الكونفدرالي، ويضرب على ذلك ثلاثة أمثلة تعتمد نظام الحكم الفدرالي.

ففي التجربة الأميركية، بعد استقلال الولايات البريطانية في أميركا الشمالية (التي كان عددها 13 ولاية) أقامت هذه "الدول "الجديدة اتحادا كونفدراليا فيما بينها عام 1781م، إلإ أن هذه التجربة الكونفدرالية قد فشلت، مما دعا هذه الدول وتحت تأثير جورج واشنطن (1732-1799) لعقد مؤتمر سنة 1787، في فيلادلفيا، وكان نتيجة هذا المؤتمر التصويت على دستور عام 1787، الذي تمت بموجبه إقامة دولة فدرالية عرفت باسم (الولايات المتحدة الأميركية)، وهي أقدم دولة فدرالية في العالم، وقد تحققت فيها الفدرالية بعد مرورها بالكونفدرالية.

ويعرج الدكتور الشاوي على التجربة السويسرية، التي انتقلت من الكونفدرالية إلى الفدرالية بمقتضى دستور عام 1848، كما أن ألمانيا قد عرفت تجربتين في الحكم الكونفدرالي قبل وصولها الى نظام الحكم الفدرالي، الأول من (1815-1866) وعرفت بالكونفدرالية الجرمانية، ومن (1867-1871) وهي كونفدرالية ألمانيا الشمالية، ثم عرفت ألمانيا الدولة الفدرالية تحت الإمبراطورية منذ عام 1871 حتى نهاية الحرب العالمية الثانية (فلسفة الدولة ص 152).

يسلط الكتاب الضوء على فكرة الدستور في الأزمنة القديمة، ويتناولها عند الإغريق والرومان، ويقول إن الفيلسوف أرسطو قد بحث في قضية الدستور بكتابه (دستور أثينا) ويتوقف عند فكرة الدستور في العصور الوسطى وبعد ذلك فكرة الدستور في الأزمنة الحديثة

ويخلص في دراسته للتجربة الفدرالية في العراق، التي تم إدخالها في قانون إدارة الدولة الذي تمت صياغته بعد الاحتلال الأميركي للعراق ربيع عام 2003، وتم إقراره في مارس/ آذار عام 2004، والدستور الحالي الذي استند إلى قانون إدارة الدولة آنف الذكر، وتم الاستفتاء عليه في 15 أكتوبر/ تشرين الأول عام 2005، إلى أن الفدرالية في العراق (مصطنعة) وأن هناك إصرارا على هذا النظام الذي يعني إضعاف سلطة الدولة بفدرلتها.

فكرة الدستور
يخصص المؤلف فصلا موسعا في كتابه (فلسفة الدولة) لدراسة الدستور، ويقول إننا لو رجعنا إلى معنى الدستور في اللغة الفرنسية لوجدنا أن له ثمانية معان، ويورد تعريف الدستور كما جاء في كتب وبحوث العالم الفرنسي باستيد، الذي يقول إن هذه التسمية تنطبق على فعل، في الأغلب إرادي حر يغير وضعا موجودا.

وعن معنى الدستور في اللغة العربية، يقول المؤلف إنه قد راجع المعجم المستدرك للعلامة مصطفى جواد، فوجده يقول إن الدستور، بضم الدال، فارسي معرب، ومعناه الوزير الكبير، الذي يُرجع إليه في الأمور، وأصله الدفتر الذي يجمع فيه قوانين الملك وضوابطه.

ويسلط الكتاب الضوء على فكرة الدستور في الأزمنة القديمة، ويتناولها عند الإغريق والرومان، ويقول إن الفيلسوف أرسطو قد بحث في قضية الدستور بكتابه (دستور أثينا) ويتوقف عند فكرة الدستور في العصور الوسطى، وبعد ذلك فكرة الدستور في الأزمنة الحديثة، والدساتير الإنجليزية المكتوبة، وفكرة الدستور عند فلاسفة القرن الثامن عشر، ويجيب عن سؤال: من يُقيم الدستور وما هي إجراءات إقامة الدستور؟

يقول الدكتور الشاوي: الدستور لا يوجد بطريقة تلقائية، من ذاته، وإنما هناك من يُوجد الدستور أي يقيم الدستور. وبدون شك فإن وجود دستور رصين في أي دولة يعني بناء دولة مؤسسات حقيقية، قادرة على إنتاج تنمية فعلية على أرض الواقع وتحافظ على حقوق الإنسان.

ويذهب المؤلف إلى أنه ما من فكرة كانت، وربما ستكون، محل اهتمام في الأدب السياسي والقانوني على الصعيد الوطني والدولي، مثل فكرة السيادة، ويذكر في (صفحة 539) أن الكل يسمع ويتكلم عن "سيادة الدولة" بيد أننا لم نقف عندها، وفي الفصل الرابع يجيب الدكتور الشاوي عن تساؤل يقول: أين السيادة وما هو موقعها بالنسبة للدولة؟ وهل يمكن تصور وجود دولة بدون سيادة؟

وللإجابة عن ذلك يبحث المؤلف في جذور فكرة السيادة، وتطور فكرة السيادة، وقيمة فكرة السيادة، ويعيد الفكرة الأولى للسيادة إلى الحكم الروماني، وبعد سقوط الإمبراطورية الرومانية، يقول: دخلت أوروبا في مرحلة الإقطاع، وأهم ما يميز هذه المرحلة، هو أن المجتمع الأوروبي حاول أن ينظم نفسه على أساس تعاقدي، فلم يعد "السيد الإقطاعي" أميرا يحكم بمقتضى "أمر" يملكه حق، وإنما هو تعاقد يُطلب من "التابع لهُ".

يناقش الكتاب موضوع الدولة الديمقراطية مؤكدا بالفصل التمهيدي أن التمييز بين الحكام والمحكومين ظاهرة دائمة، ففي كل الفئات يوجد من يقبض على "سلطة" ويستطيع فرض إرادته على الآخرين عن طريق أوامر ونواه 

ويفرد المؤلف عدة عناوين بقصد الإجابة عن السؤال المركزي الذي طرحه عن "سيادة الدولة" من بينها، تطور فكرة السيادة، وقيمة فكرة السيادة، وأيديولوجية السيادة، وأخيرا التباسات السيادة.

الدولة الديمقراطية
يناقش كتاب (فلسفة الدولة) بالقسم الثاني موضوع الدولة الديمقراطية، مؤكدا بالفصل التمهيدي على أن التمييز بين الحكام والمحكومين، ظاهرة دائمة، ففي كل الفئات الاجتماعية يوجد من يقبض على "سلطة" ويستطيع فرض إرادته على الآخرين، عن طريق توجيه أوامر ونواه إلى باقي أعضاء الفئة الاجتماعية وتنفيذها بالقوة، أي بالإرغام، إذا اقتضى الأمر (ص573).

وللبحث في فلسفة الدولة من زاوية الديمقراطية، يستغرق المؤلف بعمق في موضوعات عدة، فيتوقف طويلا عند المرجعية الديمقراطية، وعناصر الدولة الديمقراطية، مشيرا إلى أن المفكر جان جاك روسو قد وضع الكثير من أسس الديمقراطية، وأن "دولته" أي روسو، ذات سيادة تحترم "استقلال الفرد" وتقوم على سلطة الشعب وعلى الحرية والمساواة، ثم يقسم بحثه إلى أربعة أبواب رئيسية هي: تاريخ الفكرة الديمقراطية، والسلطة الديمقراطية -وبعد ذلك- الحرية الديمقراطية، والمساواة الديمقراطية.

ويبحث عميقا في مسألة نشأة الفكرة الديمقراطية إبتداء من الفلسفة المسيحية ومدرسة العقد الاجتماعي، كما يفرد فصلا كاملا عن فكرة الديمقراطية عند روسو، وفصلا آخر عن فكرة الديمقراطية عند ماركس، وفي ممارسة السلطة الديمقراطية يتوقف عند قضية التمثيل السياسي وفلسفة الانتخابات، وفي المساواة الديمقراطية يناقش العدالة الديمقراطية والديمقراطية الاجتماعية، وبعد ذلك يقدم تصوره لبناء مجتمع العدالة والحرية.

وبدون شك، فإن كتاب (فلسفة الدولة) للمفكر والعالم د. منذر الشاوي يُعد مرجعا مهما لكل من يبحث في بناء دولة حديثة بعيدا عن السلطة الفردية، ويسد هذا المؤلف العديد من الثغرات التي يبحث عنها الساعون لبناء الدولة في الوقت الحالي وتحديدا بعد حقبة "الربيع العربي".

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك