عرض/ دينا العشري

في أعقاب ثورات الربيع العربي، وصعود الإسلاميين إلى الحكم، برزت قضية مدى صلاحية تحويل الشريعة الإسلامية إلى دساتير وقوانين في أشكالها المختلفة، تنظم الحياة السياسية والاجتماعية، والحياة العامة للمجتمعات العربية والإسلامية.

-الكتاب: أصول التشريع الدستوري في الإسلام
-المؤلف: إبراهيم النعمة
-عدد الصفحات: 442
-الناشر: دار الفرقان للنشر والتوزيع–عمَّان
الطبعة: الأولى 2012

ولقد واجهت هذه القضية كثيرًا من الأحزاب والحركات الإسلامية من قبل الربيع العربي، وكانت واحدة من أبرز الأسئلة التي تُعرض على الحركات والجماعات التي تدعو إلى تطبيق الشريعة الإسلامية في إطار نظام حكم إسلامي شامل.

وبين أيدينا كتاب يقدم صورة متكاملة عن كيفية تحويل الشريعة الإسلامية كأحكام ونصوص، قرآن كريم وحديث نبوي شريف، إلى قوانين ودساتير منظمة لمختلف أركان الحياة والتعاملات بين البشر.

ويتكون الكتاب من فصل تمهيدي وثلاثة أبواب، جاءت في تسعة فصول، تناول أولها مصادر التشريع الدستوري في الإسلام، وعلى رأسها القرآن الكريم والسُّنَّة النبويَّة والإجماع، أما الباب الثاني فتناول الحريات والحقوق في التشريع الدستوري في الإسلام، فيما تناول الباب الثالث السلطات الدستورية الثلاث وقضية الفصل بينها.

ويرد الكتاب على الكثير من الشبهات التي يثيرها أعداء المشروع الإسلامي، حول صلاحية الشريعة الإسلامية للتطبيق وتغطية كل متطلبات تنظيم حياة الناس في المجتمعات المختلفة.

الشريعة والدستور
ويسير الكتاب في موضوعه في اتجاهَيْن رئيسيين، الأول قانوني والثاني شرعي، فهو يقدم مجموعة من التعريفات والرؤى المرتبطة بقضية الدستور والتشريع في المجتمعات الإنسانية بشكل عام، كما يتناول الرؤى والأطر التي جاءت بها الشريعة الإسلامية في هذا الاتجاه، أي قواعد التشريع القانوني والدستوري في الشريعة الإسلامية بشكل خاص.

وتعني الشريعة في الاصطلاح، ما شرع الله تعالى لعباده من الأحكام التي جاء بها الأنبياء صلى الله عليهم وعلى نبينا وسلَّم، أما الدستور فيعني القواعد الأساسية التي تبين شكل الدولة ونظام الحكم فيها، ومدى سلطتها على الأفراد، وحقوق الطرفين على الآخر.

كما يميز بين أنواع الدساتير المختلفة، من حيث تدوينها، فيميز الكاتب بين الدستور المكتوب والعرف الدستوري، والذي هو العادات التي درجت عليها الحكومات، بالتوافق فيما بين هيئاتها المختلفة، كما يميز بين أنواع الدساتير المختلفة من حيث إمكانية تعديلها، فيشير إلى وجود دساتير مرنة في عملية تعديلها، وأخرى جامدة تتضمن بنودًا تجعل من الصعب تعديلها في الظروف العادية.

تملك الدساتير سطوة كبيرة على المجتمعات الإنسانية، فهي التي تحدد بدقة شكل الدولة ووظائفها وحقوقها وواجباتها، وكذلك شكل علاقاتها مع الأفراد

وتملك الدساتير سطوة كبيرة على المجتمعات الإنسانية، فهي التي تحدد بدقة شكل الدولة ووظائفها وحقوقها وواجباتها، وكذلك شكل علاقاتها مع الأفراد، وترتيب وتنظيم علاقات الأفراد مع بعضهم بعضا، وبعبارة أخرى. الدستور هو الإطار الذي تسير بمقتضاه الشؤون الداخليَّة والخارجيَّة الخاصة بالدولة.

وهناك عدد من الطرق لوضع الدستور، من بينها أن يتم ذلك من خلال لجنة تأسيسية منتخبة، وفيها ينتخب الشعب ممثلين عنه من أجل القيام بكتابة الدستور، وهناك أيضًا الاستفتاء الدستوري؛ حيث تقوم جهة ما بين جمعية نيابية يقوم الشعب بانتخابها أو لجنة حكومية أو حتى الرئيس أو الحاكم نفسه بوضع مدونة أو مسودة للدستور، ثم يتم طرحها على الاستفتاء الشعبي.

ولكن، مهما اختلفت طرق كتابة الدستور؛ فإنه لا يتم العمل بالدستور إلا بعد موافقة الشعب عليه.

أما القانون، فهو أقل مرتبة من الدستور في الهرم التشريعي، والقانون، وفقًا لعلم التشريع، هو مجموعة القواعد التي تجيز وتحدد حدود العلاقات التبادلية بين الناس والمؤسسات الرسمية، وكذلك العلاقة التبادلية بين الفرد والدولة، كذلك العقوبات التي تفرض على من لا يلتزم بهذه القواعد. وبشكل عام، فلا بد ألا يتعارض القانون مع الدستور وقواعده، وإلا أصبح غير شرعي.

تقنين الشريعة
ثم ينتقل الكاتب لمناقشة القضية الرئيسية لكتابه، وهي كيفية "تقنين" و"دسترة" الشريعة الإسلامية، أي كتابة الدساتير والقوانين المختلفة من النصوص المقدسة التي نزلت بها الشريعة الإسلامية.

وينطلق الكتاب من حقيقة مفادها أن الشريعة الإسلامية بأحكامها ونصوصها تتناسب مع كل الأزمنة، وهي ليست -كما يدعي البعض- قاصرة على دولة النبوة والخلافة الراشدة من بعد الرسول الكريم صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، بل إن الشريعة الإسلاميَّة هي الدستور الأشمل.

ويؤكد الكاتب من خلال أبواب كتابه المختلفة على فكرة أن الشريعة الإسلامية صالحة لإنتاج قوانين تتناسب مع كل المجالات، وتتلاءم مع العصر الحالي، على عكس ما يدعيه الكثيرون في هذه المرحلة، خصوصًا في أعقاب صعود التيار الإسلامي بعد ربيع الثورات العربية.

وينطلق مبدئيًّا من العديد من الآيات القرآنية الكريمة والنصوص قطعية الثبوت التي تؤكد ذلك، والتي يعد الإيمان بها وبما فيها من تمام إيمان الإنسان وصحة عقيدته، ومن بينها قوله تعالى: "إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ"، والتي وردت في القرآن الكريم في أكثر من موضع، من بينها الآية "114" من سورة الأنعام؛ إذ يقول تعالى: "أَفَغَيْرَ اللّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرينَ".

الشريعة الإسلامية صالحة لإنتاج قوانين تتناسب مع كل المجالات، وتتلاءم مع العصر الحالي، على عكس ما يدعيه الكثيرون ، خصوصًا في أعقاب صعود التيار الإسلامي

بل إن تطبيق الشريعة وتحكيمها واستلهام أحكامها في التقنين والدسترة، يصل إلى مستوى الفريضة الشرعية، من خلال بعض الآيات القرآنية. يقول عز وجل في سُورة الكهف، في الآية "26"، "وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً"، وغير ذلك من الآيات.

وعلى مستوى التجربة العملية، فقد شهدت بعض بلدان العالم العربي والإسلامي في الكثير من فتراتها عددًا من الحالات الناجحة التي إما تم فيها وضع دساتير وقوانين من خلال الشريعة الإسلامية، كما في باكستان والسعودية، أو حاولت ذلك، كما في مصر في نهاية عقد السبعينيات الماضي.

وفي تجربة مصر، عندما طرح بعض رموز التيار الإسلامي الوسطي والأزهر الشريف في عام 1978، مشروعًا لإعادة كتابة الدستور المصري وفق أحكام الشريعة الإسلاميَّة، وشرعنة منظومة القوانين المدنيَّة المصرية، لم يجد هؤلاء الكثير من العنت في ذلك.

ويعود ذلك إلى أن الشريعة الإسلامية بطبيعتها تحتوي على كل ما يمكن أن يضبط واقع حركة المجتمعات من قوانين بالتعريف المدني السابق للقانون.

ولقد أثبت المؤلف ذلك، فهو في مختلف أبواب الكتاب يقدم مشروعات قوانين وتشريعات دستورية وقانونية في مختلف المجالات مستمدة من الشريعة الإسلامية، فلم يجد ثغرة احتاج إلى سدها بالقوانين المادية العادية، بما في ذلك الأمور المهمة، مثل حقوق الإنسان الأساسيَّة، كحرية الرأي والتنقل والتعليم وما إلى ذلك.

ومن ذلك أيضًا حريَّة العقيدة لغير المسلمين من أهل الكتاب، إعمالاً لمبدأ لا إكراه في الدين، وكفالة المساواة بين مختلف أطياف المجتمع، بما في ذلك غير المسلمين، ومساواتهم بالمسلمين في الحقوق والواجبات إعمالاً لمبدأ "لهم ما لنا وعليهم ما علينا"، أو مبدأ المواطنة الذي يتنادى به الجميع في هذه الفترة.

كما أوضح الكاتب أن الشريعة الإسلامية تحتوي بين جنباتها على تنظيم كامل للدولة وشكلها، فأتى بالنصوص الشرعية من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، التي توضح تنظيم الشريعة للسلطات الثلاث: القضائية والنيابية والتنفيذية، وأشكال التعاون فيها بينها، في إطار مبدأ الفصل بين السلطات، والذي يُعتبر من أهم أشكال ممارسة الديمقراطية في المجتمعات الإنسانية المتقدمة.

السلطة القضائية
وفي إطار تناوله للسلطة القضائية، فإنه يركز على مجموعة من المفاهيم التي توضح مستوى الممارسة السياسية المتطورة في دولة الشريعة الإسلامية، فهو قبل أن يتكلم عن تنظيم السلطة القضائية في دولة الإسلام، يؤكد معاني المساواة الموجودة في الشريعة، وكيف أن شريعة الله تعالى تضمن مساواةً وعدالة أكثر من غيرها من الشرائع.

ثمة قيمة بالغة لتقنين أحكام الشريعة الإسلاميَّة، حيث لم يعرف العالم شريعة أكثر عدالة وأكثر قدرة على ضبط حركة المجتمعات من الشريعة الإسلاميَّة

والمساواة هنا -كما يؤكد الكاتب- تعد شاملة، بدءًا من المساواة في القيمة الإنسانية، بما في ذلك المساواة بين المسلم وغير المسلم، ثم المساواة في الوظيفة العامة، وفي التعامل أمام أجهزة الدولة، وغير ذلك من أشكال المساواة.

كما تناول في هذا الإطار، الشورى في الإسلام، وكيف يتم انتخاب الحاكم، وما هي حقوقه وواجباته. ومن خلال النصوص التي أوردها الكاتب في هذا الإطار، فإننا نرى أن دولة الشريعة بريئة من الكثير من الممارسات التي تقوم بها بعض الأنظمة الديكتاتورية في الوقت الراهن، والتي قد تحكم باسم الدين، وتجعل من دولة الشريعة، دولة دينية ثيوقراطية، وهو ما لا أصل له في الإسلام.

وختامًا، فإن هناك أهمية بالغة لتقنين أحكام الشريعة الإسلاميَّة، حيث لم يعرف العالم شريعة أكثر عدالة وأكثر قدرة على ضبط حركة المجتمعات وقيادتها نحو التطور الحضاري؛ من الشريعة الإسلاميَّة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك