عرض/ أحمد حسن علي
 
تعد العولمة وسائر ما يتفرع منها من مصطلحات أحد أيقونات الحضارة الغربية الغالبة، التي تريد من خلالها تأبيد سيطرتها على العالم مرة أخرى.
 
ولذا انصب جهد هذا الكتاب الرئيسي في تتبع مظاهر العولمة وتداعياتها الخطيرة على الأمة الإسلامية في أخطر المواقع وأكثرها انكشافًا للأسف، وهو مجال التربية!
وذلك لأن الذي يتحكم في البعد التربوي يستطيع من خلاله الهيمنة على وسائل التشكيل الثقافي وامتلاك مفاتيح المستقبل.
 
مفهوما العولمة وعولمة التربية العربية
ليس من مهمة هذه الدراسة الدخول في دوامة جدل التناقضات حول تعريف العولمة، بقدر ما يحتاج الأمر إلى تقديم صورة تقريبية تحيط بمعناها، وتوضح دلالاتها العملية، وآليات عملها، ونتائجها في الواقع، بما يكشف عن فهم أبعاد "عولمة التربية" في البلاد العربية.
 
-الكتاب: العولمة والتربية.. آفاق مستقبلية
-المؤلف: أ. د. أحمد علي الحاج محمد
-عدد الصفحات: 188
-الناشر: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية, الدوحة، سلسلة كتاب الأمة (145)
-الطبعة: الأولى 2011م
ويُعنى بلفظ "عولمة" في اللغة الإنجليزية (Glabe) كوكب الأرض؛ لأن لفظها حديث، ومصدره (Glabalization)، أي كوكبة، أو عولمة.
ويستدل بالمعنى اللغوي –الوارد في اللغة الإنجليزية– على المضمون الحقيقي لفحوى عمليات العولمة  وما تقصد إحداثه في العالم كله.
 
وتستمد العولمة أسسها الفكرية أو الفلسفية من الحداثة، وفحوى رؤيتها للحياة الدنيوية هو: "أن العالم الموضوعي هو الحقيقة الماثلة التي يتعامل معها الإنسان بعقله، أي أن ذاته تتكون من تفاعله مع العالم الموضوعي، ولا شيء سابق على الخبرة التي يمر بها، والتي تمكنه من السيطرة على الطبيعة، وتحسين طرائق عيشه ومستوى حياته كغاية نهائية من وجوده".

وفي ضوء ما تقدم فإن لحدوث العولمة –في أي مجتمع– مدخلاً طبيعيًّا هو المدخل الثقافي التربوي، بمعنى الوعي الفردي والمجتمعي الذي يتشكل وينمو بفعل النظام الثقافي بوصفه سببًا ونتيجة، ذلك لأنه "لا وجود للبنية الموضوعية العولمية خارج وعي الإنسان بها، وتأويله لمعانيها، واختياره للإمكانات التي يمكن أن يطورها فيها".

ومن ثم فالعولمة ببعديها الموضوعي والذاتي تفرض نفسها على المجتمعات التقليدية بقصد استلاب إرادة فعلها، ومقاومتها لها...
ويصدق هذا التفسير على البلاد العربية، حيث يشير برهان غليون إلى أنها: "... غير مندمجة في المنظومة العلمية والتقنية للرأسمالية العالمية، كما أن استبعادها من دورة الإنتاج والاستهلاك العالمية يجعلها بعيدة عن صيرورة التطور الحضاري الراهن".
 
واستنادًا إلى ما سبق، يعني مصطلح العولمة هنا: "تعميم أنماط الحضارة الغربية، التي تمثلها الدول الرأسمالية الكبرى عمومًا، والولايات المتحدة خصوصًا، في المجالات الاقتصادية والثقافية والسياسية، في البلاد العربية، متخذة من التربية مدخلاً أو إستراتيجية لعولمة هذه الاتجاهات، لكون التربية أداة للثقافة لإعادة إنتاجها، من خلال السيطرة على الإدراك والوعي الفردي والمجتمعي لفهم العالم والتعامل معه، وتشكيل الشخصية العربية العالمية المنتمية لمجتمع عالمي واحد"!
 
العولمة والأمركة
ترجع هيمنة أميركا على عولمة العالم إلى تفوقها المطلق اقتصاديًّا وتقنيًّا وماليًّا وعسكريًّا، حيث مثلت الولايات المتحدة النموذج المثالي لتطبيق النظام الرأسمالي العالمي، وتأتي الدول العربية أو الدول الشرق أوسطية في مقدمة اهتمامات الولايات المتحدة المعلنة، لفرض هيمنتها عليها، وسعيها الحثيث لنشر العولمة فيها، لأسباب وعوامل عدة، أهمها:
 
- ضمان هيمنتها على النفط واحتياطياته للسيطرة على المنطقة أولاً، والدول المتطورة ثانيًّا.
- ترتيب الأوضاع المواتية لفرض التسوية بين العرب وإسرائيل.
- التحكم في سياسات هذه الدول لتغيير مؤسساتها وأجهزتها، واحتواء الحركات الإسلامية المقاومة.
 
ومن ثم فالبلاد العربية وإسلامها يمثل –كما يذهب منظرو العولمة وقادة الدول الغربية– الخطر الأكبر والتحدي الإستراتيجي الذي يجب التغلب عليه لعولمة النظام الرأسمالي العالمي الجديد على البلاد العربية وعلى كل العالم!
 
فحوى عولمة التربية والثقافة وآليات فعلها لأغراض الدراسة تُعرف الثقافة بأنها: "نظام من التصورات الموروثة، التي يعبر عنها بأشكال رمزية، والتي بواسطتها يتواصل البشر، ويطورون معرفتهم عن الحياة، ومواقعهم من الحياة، ودور الثقافة هو إسقاط المعنى على العالم وجعله مفهومًا، وبذلك فالثقافة تتألف من الرموز الناقلة للمعنى".
 
"
العولمة تستهدف النشء والشباب في المرتبة الأولى، لكون الحصانة الداخلية لم تتكون بعد، لذا فإن تقنية الاتصالات والإعلام والمعلومات تحاصرهم وتوجههم وفق أفكارهم فيبدؤون المحاكاة والتقليد، انتهاء بتمثل الشخصية من الخارج
"
فكيف تحدث عولمة التربية، حتى تؤسس العولمة قواعدها في البلاد العربية والعالم الثالث؟ وكيف تمارس آليات عولمة التربية فعلها في البلاد العربية، حتى تغدو عولمة التربية منطلقًا أو سبيلاً لعولمة الثقافة والمجالات الأخرى؟
 
يجيب المؤلف بأن مدخلها هو النظام الثقافي للفكر الجمعي للجماعة أو المجتمع، فهي تستهدف السيطرة على الإدراك لتشكيل الوعي الفردي ثم الجماعي واستلابه، عندها تأخذ العولمة طريقها لاختراق الثقافة وتفكيكها تمهيدًا لطمسها والحلول محلها.
 
وحيث إن العولمة تستهدف النشء والشباب في المرتبة الأولى، لكون الحصانة الداخلية لم تتكون بعد، فإن تقنية الاتصالات والإعلام والمعلومات تحاصرهم وتوجههم وفق أفكارهم فيبدؤون المحاكاة والتقليد، انتهاء بتمثل الشخصية من الخارج.
 
ولكون تقنية الاتصالات والإعلام والمعلومات يقف خلفها النظام الرأسمالي العالمي لنشر الثقافة الاستهلاكية، فإن هذه التقنيات تؤدي وظائف تجارية وترفيهية وثقافية واتصالية، دعمها وجسَّدها حدوث نقلة نوعية للبنى الاتصالية الاقتصادية، نتيجة اندماج ثورة الاتصالات بثورة الاقتصاد، وتمثل ذلك في:
 
- تعميم تقنيات الاتصال المكتوبة والسمعية والبصرية.
- تحول البحث في مضمون المنتج ومادته إلى الشكل أو المظهر المرئي!
- ونظرًا لهذا التطور المذهل لتقنيات الاتصالات، فإنها صارت تقوم بالعديد من وظائف التربية المدرسية، وتتغلب عليها في بعض الأحيان، ويمكن القول: إن نظم التربية العربية خاضعة للعولمة، تمارس فعلها فيها بصور مختلفة، بغرض فرض نظام تربوي عربي مماثل لما هو قائم في الدول الرأسمالية، وذلك باستنساخ أجيال مقطوعة الصلة بعقيدتها وخصوصيتها الذاتية، وبتكوين الإنسان العربي غير المنتمي الفاقد لمقوماته الحضارية، والذي ينتهي في النهاية إلى الذوبان التام في الحضارة الغربية والتوحد معها في نهاية المطاف.

مظاهر العولمة في البلاد العربية
1 – العولمة الاقتصادية ومتطلباتها التربوية: تعني العولمة الاقتصادية "تشكُّل عالم بلا حدود اقتصادية، تصبح فيه المنظم الاقتصادية في مختلف العالم أكثر تداخلاً وتكاملاً..."، وفي خضم عولمة اقتصاديات البلاد العربية وتحجيم دورها، وخصخصة المشروعات العامة، وإلغاء الدعم، وتصدر القطاع الخاص مهام التنمية، يؤدي ذلك إلى نتائج خطيرة منها:
 
- انتشار ظواهر الفقر والبطالة والأمية والتهميش في البلاد العربية، وتجذر الصراع الطبقي بين الأغنياء والفقراء.
- انتشار ظاهرة الفساد بكل صوره وأشكاله (عمولات ضخمة للحصول على عقود مشاريع وسلاح).
 
2 – العولمة الثقافية ومتطلباتها التربوية: وتعني "بروز عالم بلا حدود ثقافية، تنتقل الأفكار والمعلومات والقيم والأنماط الثقافية بحرية كاملة في اتجاه تكوين ثقافة إنسانية واحدة..."، والعولمة الثقافية تمس الهوية الوطنية وبنى المجتمع التقليدية وقيمه وعاداته وأنماط حياته.
 
لذا كانت نتائجها المجتمعية السلبية أكثر خطرًا من غيرها، ويمكن تلخيص أبرز مظاهرها في النقاط الآتية:
 
"
انتشار أساليب الحياة الغربية وتغلغل الثقافة الاستهلاكية وتكون ثقافات فرعية متمايزة بين النخب والجماهير وتباين هويات نظم التعليم ومؤسساته أهم أخطار العولمة الثقافية
"
- انتشار أساليب الحياة الغربية، وتغلغل الثقافة الاستهلاكية بين مكونات المجتمعات العربية وشرائحها، وتكون ثقافات فرعية متمايزة بين كافة النخب والجماهير، وتباين هويات نظم التعليم ومؤسساته.
 
3 – العولمة السياسية ومتطلباتها التربوية: وتعني "تكون عالم بلا حدود سياسية، بوصفها (أي السياسة) نظامًا فرعيًا يعمل أو يستكمل منظومة العولمة الاقتصادية والثقافية والاجتماعية بالضرورة في البلاد العربية والعالم الثالث..."، ويمكن تجميع أبرز مظاهرها وانعكاساتها التربوية في النقاط الآتية:
 
- أن تُستبدل بهوية المنطقة مصطلحات الشرق أوسطية/ العجز عن تكوين تحالفات أو تكتلات عربية سياسية/ تقلص سيادة الدول العربية/ تراجع فكرة المواطنة المحلية، وحلول المواطنة العالمية محلها.
 
4 – العولمة الاجتماعية ومتطلباتها التربوية: وتعني "تعميم البنى الاجتماعية وأنماط السلوك والعلاقات الغربية على جميع بلدان العالم ومنها أو في مقدمتها البلاد العربية...".
ويمكن رصد مظاهرها في:
 
- تفكك البنى الاجتماعية التقليدية للمجتمعات العربية، وإعادة تشكيلها على أساس ارتباطها بالنظام الرأسمالي المعولم.
- انتشار القيم وأنماط العلاقات والسلوكيات الاجتماعية الغربية.
 
- تقويض أسس قيام الطبقة الوسطى نتيجة تغير الأبنية الاجتماعية التقليدية.
 
5 – مظاهر العولمة الإعلامية ومتطلباتها التربوية: وتعني "وجود عوالم بلا حدود إعلامية إعلانية، يهيمن عليها النظام الرأسمالي العالمي الجديد..."، ويمكن تتبع آليات عولمة الاتصالات والإعلام وتأثيراتها في البلدان العربية على النحو الآتي:
 
- تركيز وسائل الإعلام والاتصال على التسلية والترفيه (تكريس ثقافة الاستهلاك –إحلال ثقافة الجسد والغرائز محل ثقافة العقل والروح والقيم والأخلاق).
 
- التركيز على أخبار المال والأعمال والبورصات "لترسيخ قيم التربح والمال وتكوين الحس المالي لدى المشاهد وجعله في بؤرة اهتماماته".
 
- تقديم معلومات منتقاة بعيدًا عن المشكلات الجوهرية التي يعاني منها المجتمع (كإثارة قضية النقاب والشواطئ وغيرها).

عوامل عولمة نظم التربية العربية ومظاهرها ونتائجها
تضافرت جملة من العوامل والقوى القديمة والجديدة، التي أدت وتؤدي إلى عولمة نظم التربية في البلاد العربية، ويمكن إيجازها في محورين: عوامل قديمة نشأت من مسيرة تحديث نظم التعليم أثناء هيمنة الاستعمار التقليدي على المنطقة العربية، وأخرى جديدة نتجت عن عولمة النظام الرأسمالي على مستوى العالم.
 
وقد نجم عن عولمة نظم التربية العربية العديد من النتائج السلبية، لعل أبرزها:
 
- وقوع أنظمة التعليم العربية تحت هيمنة الدول الرأسمالية العالمية؛ مما يسمح لها بالتدخل في إستراتيجيات التربية العربية وإملاء سياستها عليها تحت ذريعة تقديم المساعدات والقروض.
 
"
نجم عن عولمة نظم التربية العربية العديد من النتائج السلبية، لعل أبرزها وقوع أنظمة التعليم العربية تحت هيمنة الدول الرأسمالية العالمية؛ مما يسمح لها بالتدخل في إستراتيجيات التربية العربية وإملاء سياستها
"
- القطيعة المعرفية الكاملة بين نظم التربية الإسلامية والنظم الحديثة؛ مما أحدث صدعًا لمسيرة التاريخ، وفصلاً عن الموروث الثقافي والعلمي العربي.
 
- حدوث فجوة لغوية بين اللغة العربية ولغات العالم، سواء فجوة في التنظير أو المفاهيم، نتيجة لعجز نظم التعليم العربية عن استيعاب لغة التقنية الحديثة.
 
وبعد عرض هذه الحالات المغرقة في التشاؤم، كيف يمكن رسم مشاهد مستقبل نظم التربية في البلاد العربية في ظل العولمة، ومعطيات الواقع العربي القاتمة السواد؟ وكيف يمكن وضع مشاهد تفاؤلية، وقد استلبت نظم التعليم العربية إرادة الفعل، وغاصت في دوامة المشكلات تتلاطمها من أبعادها المختلفة؟!
 
ولعل الثورات العربية بعد إعادة ترتيب البيت العربي من الداخل، وإعادة ترميم ما انكسر منذ عقود بعيدة، تعيد النظر في هذه الشؤون المنسية، وتعالجها، لتستطيع أن تطرق أبواب العالم الحديث.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك