عرض/ بدر محمد بدر
 
يفتح هذا الكتاب ملفات عدد من القضايا السياسية والدبلوماسية، التي حدثت بالمنطقة العربية في الخمسين عاماً الماضية، ومنها حرب 56، وهزيمة 67، وصولاً إلى حرب 73، وما جرى في اتفاقية كامب ديفيد، ثم قضية التحكيم في طابا، وانتهاء بالجدار العازل الذي أقامه الاحتلال في فلسطين.
 
والدكتور نبيل العربي -مؤلف الكتاب- كان مسؤولاً عن أهم الملفات الدبلوماسية المصرية على مدى نصف القرن الأخير، وتبدو رؤيته من الأهمية بمكان، في ضوء توليه في يونيو/ حزيران الماضي أمانة جامعة الدول العربية، ومسؤوليته عن القرار العربي الجماعي حالياً.
 
وعلى الرغم من اللغة الدبلوماسية والموضوعية والدقة العلمية التي تناول بها المؤلف هذه الملفات الشائكة، فإنها في كثير من الأحيان كانت واضحة وحاسمة وجريئة في الوقت ذاته، بما يكشف عن شخصية علمية مهنية صاحبة رؤية وفكر، وليست مجرد شخصية وظيفية.
 
-الكتاب: طابا .. كامب ديفيد .. الجدار العازل
-المؤلف: د. نبيل العربي
-عدد الصفحات: 416
-الناشر: دار الشروق, القاهرة
-الطبعة: الأولى 2011

الثمن السياسي
في البداية يتحدث المؤلف عن الثمن السياسي الذي دفعته مصر مقابل انسحاب "إسرائيل" من سيناء عام 57، بعد العدوان الثلاثي على مصر عام 56، ويلخصه في ثلاث نقاط، الأولى: أن مصر قبلت أن توجد على أراضيها قوات الطوارئ الدولية، التابعة للأمم المتحدة، بينما رفضت "إسرائيل" السماح لها بالوجود على الأرض التي احتلتها.

الثانية: أن مصر سمحت لكتيبة من قوات الطوارئ الدولية أن توجد في شرم الشيخ، لمراقبة حرية الملاحة في خليج العقبة، ويقال إنها قدمت تعهدات غير مباشرة بعدم التعرض للملاحة "الإسرائيلية" في خليج العقبة.
 
النقطة الثالثة: أن مصر قبلت الاختصاص الإلزامي لمحكمة العدل الدولية، فيما يتعلق بإدارة قناة السويس، طبقاً لأحكام اتفاقية القسطنطينية لعام 1888، وبمقتضى هذا القبول، أصبح يمكن للدول أطراف المعاهدة وورثتهم مقاضاة مصر أمام محكمة العدل الدولية، إذا خالفت التزاماتها الواردة في المعاهدة حول إدارة القناة.
 
وعندما طلبت مصر سحب القوات الدولية يوم 19 مايو/ أيار 1967 كان الجو ملبداً بالغيوم والموقف السياسي معبأًً، وكانت هناك استفزازات وتهديدات من "إسرائيل" ضد سوريا، وبالتالي كان طلب مصر في هذا التوقيت بسحب القوات الدولية خطأ واضحاً، ويجب الاعتراف بأن معالجة هذه الأزمة من جانب مصر لم تكن مدروسة بأسلوب جاد، بل كانت انفعالية.
 
ويبدو أن القيادة "الإسرائيلية" اقتنعت تماماً في ذلك الوقت، بعد دراسة واسعة وطويلة، بأن الدولة التي سوف تقوم بالضربة الجوية الأولى سوف تنتصر في الحرب، ويبدو أيضا أن القيادة المصرية لم تع درس الهجوم الإسرائيلي على المطارات عام 56، وبالتى لم تتخذ الاحتياطات التي كان يفرضها الموقف، وهذا بلا شك كان خطأ إستراتيجياً فادحاً، لا زالت مصر والدول العربية كلها، وبالذات فلسطين، تدفع ثمنه بعد هزيمة 67.
 
ويشير المؤلف إلى أنه بعد اجتماع الجمعية العامة الاستثنائية يوم 19 يونيو/ حزيران 67، كان واضحاً أن المجتمع الدولي قد انقسم إلى قسمين، الأول: دول تؤيد موقف الدول العربية بضرورة استصدار قرار من الجمعية العامة، يطالب "إسرائيل" بالانسحاب الفوري إلى الحدود الدولية، وبدون ربط الانسحاب بأية شروط، وكان يؤيد هذا الموقف دول عدم الانحياز والكتلة الاشتراكية.
 
والثاني: دول قررت أن تتحرك في إطار مجموعة الدول اللاتينية وتطالب بالانسحاب الفوري إلى الحدود الدولية، ولكن بشرط أن يكون مقروناً بإنهاء حالة الحرب.
 
نزاع وجود لا حدود
ويقول د. العربي "الآن وبعد أكثر من أربعين عاماً، لا أدري لماذا اتخذت الدول العربية القرار بمحاربة مشروع القرار اللاتيني، الذي كان يؤدي إلى الانسحاب الشامل (إلى حدود الرابع من يونيو67)؟! بل اعتبر البعض أن إسقاط القرار اللاتيني يمثل نجاحاً، بينما فشل قرار دول عدم الانحياز في الحصول على الأغلبية المطلوبة في الجمعية العامة".
 
ويستطرد المؤلف "لقد كانت السمة الغالبة للنزاع العربي الإسرائيلي قبل حرب 67 أنه نزاع على "وجود"، ولكن بعد الحرب، وبعد صدور قرار مجلس الأمن رقم 242، أصبح نزاعاً على "حدود"، وبالتالي قلبت الحرب موازين القوى في الشرق الأوسط، وتغيير جذري في علاقات دول المنطقة".
 
"
كانت السمة الغالبة للنزاع العربي الإسرائيلي قبل حرب 67 أنه نزاع على وجود، ولكن بعد الحرب وصدور قرار مجلس الأمن رقم 242، أصبح نزاعاً على حدود وبالتالي قلبت الحرب موازين القوى في الشرق الأوسط
"
وفي عام 73 كان الوضع مختلفاً عن الفوضى التي حدثت في يونيو/ حزيران 67، لأن عدداً محدوداً جداً من المسؤولين كانوا على علم بأن مصر سوف تبدأ القتال بداية أكتوبر/ تشرين الأول، ولم يكن التاريخ معروفاً بالضبط، بعكس الفوضى العارمة والتخبط اللذين كانا من سمات الموقف المصري عام 67.
 
ويشير الكتاب إلى أن مؤتمر "جنيف" للسلام، الذي انعقد في ديسمبر/ كانون الأول 73 كان أول اجتماع على مستوى وزراء الخارجية يجمع بين وزيري خارجية مصر و"إسرائيل"، إضافة إلى وزير الخارجية الأميركي هنري كيسنجر ووزير الخارجية السوفياتي أندريه جروميكو، ولم تشارك سوريا في هذا الاجتماع، بالرغم من أن مصر نسقت معها تنسيقاً كاملاً قبل المؤتمر بشهر، وكان كيسنجر غير راغب في تسوية شاملة للنزاع العربي الإسرائيلي، ومن ثم فإن غياب سوريا "غير المفهوم" كان ضاراً بالموقف العربى لأنه حقق هدف كيسنجر.
 
ويرى المؤلف أن السياسة التي رسمها هنري كيسنجر لدور الولايات المتحدة في النزاع العربي الإسرائيلي كانت لا تهدف إلى تحقيق تسوية عادلة ودائمة طبقاً لقرارات الأمم المتحدة، بدليل أنه اعترف "في مذكراته" أنه نجح في إفشال جميع مساعي وزير الخارجية الأميركي وليام روجرز لتنفيذ القرار 242، بدعوى أن مصر وسوريا تدوران في الفلك السوفياتي، وأن أي مكسب لهما سوف يحسب لصالح السوفيات، أيضاً بذل كيسنجر قصارى جهده لتوريد سلاح أميركي متطور لإسرائيل في بداية حرب أكتوبر/ تشرين الأول 73، بما في ذلك تسليم السلاح الأميركي في سيناء بدعوى أن الولايات المتحدة لا بد أن تظهر أمام العالم أن السلاح السوفياتي لا يستطيع التغلب على السلاح الأميركي.
 
إجهاض حرب أكتوبر
ويؤكد العربي أن الولايات المتحدة أجهضت انتصار حرب أكتوبر سياسياً على الوجه التالي:
 
• قرار مجلس الأمن رقم 338 في 22/10/73 تمت صياغته دون التشاور مع الدول العربية المعنية، وهو في النهاية لم يأت بجديد.
 
• أخرج كيسنجر -لأول مرة- جهود تحقيق السلام من تحت إشراف الأمم المتحدة بعبارة "تحت الإشراف الدولي المناسب" أي أميركا والاتحاد السوفياتي، مع وجود شكلي للأمم المتحدة.
• ركز كيسنجر في محادثاته مع وزير الخارجية المصري إسماعيل فهمي، أثناء انعقاد مؤتمر جنيف للسلام، على أن قصارى ما يمكن تحقيقه هو بدء محادثات سلام بين مصر وإسرائيل، حول فض اشتباك القوات المتحاربة، وليس حول انسحاب إسرائيلي شامل.
 
• كان كيسنجر يضع نصب عينيه أن تبقى الأراضي الفلسطينية المحتلة تحت السيطرة الإسرائيلية، حتى لا تنشأ دولة فلسطينية مستقلة، وكان يردد أنه بعد أن يعاد انتخاب الرئيس فورد عام 76، فإن الولايات المتحدة تستطيع مباشرة الضغط اللازم على "إسرائيل" للانسحاب من سيناء، ولكن ليس قبل ذلك.
 
"
يؤكد المؤلف قناعته بأن القرار الفلسطيني برفض المشاركة في اجتماع فندق مينا هاوس بالقاهرة في ديسمبر/ كانون الأول 77 كان خاطئا بالنسبة لمصلحة منظمة التحرير كما كان ضاراً بالمصلحة العليا لمصر
"
ويؤكد المؤلف قناعته بأن القرار الفلسطيني برفض المشاركة في اجتماع فندق مينا هاوس بالقاهرة في ديسمبر/ كانون الأول 77، والذي كان مقررا أن تشارك فيه سوريا والأردن ومنظمة التحرير، بالإضافة إلى مصر، كان قرارا خاطئا بالنسبة لمصلحة منظمة التحرير، كما كان ضاراً بالمصلحة العليا لمصر، التي كانت تسعى دائماً لتكون على رأس المدافعين عن القضية الفلسطينية، ويقول "بعد كل هذه السنوات لا زلت أعتقد أن الموقف السلبي، الذي اتخذه ياسر عرفات، وباقي الدول العربية المعنية، من مبادرة الرئيس السادات (للسلام) كان في غير صالح القضية الفلسطينية".
 
لقد كان الهدف الأساسي للرئيس السادات هو انسحاب "إسرائيل" من سيناء، ولكنه يعلم جيداً أنه يحتاج إلى غطاء عربي أو على الأقل غطاء فلسطيني حتى لا يهاجم بشراسة على أساس أنه يسعى لحل منفرد، كما كان يعلم أن الانسحاب الإسرائيلي من سيناء لن يحل النزاع العربي الإسرائيلي، ولم يكن السادات حريصاً على التشاور مع القادة العرب قبل الإقدام على أي خطوة، ربما لتقديره أن الخلافات العربية سوف تؤدي في نهاية المطاف إلى عدم إحراز أي تقدم.
 
اتفاقية كامب ديفيد
ويلخص المؤلف رؤيته لمؤتمر "كامب ديفيد" الذي عقد عام 78، بأنه دخل القاموس العربي من أضيق أبوابه، وأصبح يرمز إلى بدء مسلسل التنازلات عن ثوابت القضية الفلسطينية، وهذا التصور لا يتسم بالدقة، ويحوي الكثير من المبالغات والمغالطات، فالمؤتمر لم يكن بالسوء الذي يصر عليه من يهاجمونه، ولم تكن نتائجه إيجابية على النحو الذي يطلقه المدافعون عنه.
 
ويرى د. العربي أن أهم إيجابيات "كامب ديفيد" أن الانسحاب الإسرائيلي تقرر أن يكون إلى الحدود الدولية، إضافة إلى إقرار مبدأ انتشار قوات تابعة للأمم المتحدة، مع الاعتراف بأن ترتيبات الأمن تكون تبادلية، ولمصلحة جميع الأطراف.
 
أما أهم السلبيات فهي أن توقيع مصر للاتفاقية أدى إلى شرخ ضخم في العالم العربى، وتجميد عضوية مصر في جامعة الدول العربية، وكانت "إسرائيل" هي المستفيد الأول من ذلك.
 
ومن ناحية أخرى فإن وثيقة "كامب ديفيد" تأسست على افتراض حسن نية "إسرائيل" فمثلاً لا يوجد نص على إزالة المستوطنات الإسرائيلية في سيناء، كما أنه لم يتحقق أي مكسب للفلسطينيين، يمكن لمصر التلويح به للقول بأن "كامب ديفيد" ليست حلاً منفرداً.
 
ومن السلبيات كذلك عدم الاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، بما في ذلك حقه المشروع في إقامة دولته، وتعليق موضوع عودة النازحين الفلسطينيين على قرار يوافق عليه بالإجماع ممثلو مصر والأردن وإسرائيل.
 
"
من أهم سلبيات اتفاقية كامب ديفيد أن توقيع مصر للاتفاقية أدى إلى شرخ ضخم في العالم العربى، وتجميد عضوية مصر في جامعة الدول العربية، وكانت "إسرائيل" هي المستفيد الأول من ذلك
"
ويؤكد د. العربي أن استعادة مصر لأرض طابا يمثل أهم إنجاز في حياته المهنية، بعد أن أمضى خمس سنوات مسؤولاً عن هذا الملف، حتى صدر الحكم في 9/88 بأحقية مصر في طابا، إلى أن تحقق الانسحاب الإسرائيلي النهائي من الأراضي المصرية في مارس/ آذار 89.
 
ويستعرض المؤلف تفاصيل كثيرة عن الملف المتعلق بأرض طابا، حتى حكم المحكمة، ثم يتحدث عن تجربته كقاض في محكمة العدل الدولية (2001- 2006) ويستعرض بالتفصيل أيضا تجربته في الرأي الاستشاري للمحكمة، حول الجدار العازل الذي شيدته "إسرائيل" في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وأصدرت رأيها عام 2004 بأغلبية 14 صوتا وامتناع قاض واحد.
 
وفى ختام الكتاب يؤكد د. نبيل العربي أنه على الرغم من التقدم العلمي المذهل، الذى تحقق في سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية في جميع مجالات الحياة، فإن النظام السياسي الدولي لا تزال تشوبه أوجه قصور كبيرة، ولا يعكس حكما رشيداً ينظم المجتمع الدولى.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك