عرض/ ياسر باعامر
 
فلسفة "الجدلية الفكرية" حاضرة منذ الوهلة الأولى في كتاب (المحافظون والإصلاحيون في الحالة الإسلامية السعودية)، والتي وضعها المؤلف نواف القديمي بشكل مباشر في إطار "الاختلاف الحيوي الديني" في الرؤية الإصلاحية المدنية بين مدرستي التيار الإسلامي التقليدي المحافظ، والتحديثي الإصلاحي، وما نتج عنها من معارك فكرية ضارية وقوية.

-الكتاب: المحافظون والإصلاحيون في الحالة الإسلامية السعودية
-المؤلف: نواف القديمي
-عدد الصفحات : 263
-الناشر: المركز الثقافي العربي
-الطبعة: الأولى 2011
التضاريس الفكرية والسياسية لكتاب القديمي تسوق شرعنة الرؤى الإصلاحية المدنية التي تهدف إلى الالتزام بالأولويات الشرعية في مشروعاتها، وسيادة القيم والأخلاق، وترسيخ قوانين العدل والحقوق، ويرى فيها أنها واجب شرعي وأخلاقي يجب أن لا يدخل في أوحال المكاسب والخسائر، ومعادلات رضا الجمهور.
 
التفسيرات النصوصية الاستدلالية عن المحافظين والإصلاحيين – وفقاً لما جاء على لسان القديمي- فإن يقصد بالفريق الأول أولئك الذين يمثلون امتداداً للخطاب الشرعي التقليدي والحركي الذي سادت أفكاره ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين، وهم اليوم أصحاب الصوت المرتفع في قضايا الاحتساب ومواجهة الأفكار والمشروعات سواءً صدرت من "الإصلاحيين الإسلاميين" أو حتى من "الليبراليين".
 
أما الاستدلال الثاني على ماهية الإصلاحيين الذين ينتمي إليهم القديمي فهم الذين يملكون خطاباً شرعياً يرتكز على أولوية قيم النهضة والعدل والشورى والتنمية والتيسير الفقهي وبناء منظومات متكاملة للمحافظة على الهوية والأخلاق، بالإضافة إلى امتلاكهم رؤية شرعية واضحة المعالم في الحقول العقدية أو الفقهية أو الاجتماعية أو السياسية.
 
رسائل الكتاب النصية
مخزون الكتاب المعرفي التوثيقي يأتي حصيلة دراسات ومقالات وحوارات مطولة كان الكاتب قد أتمها في وقت سابق، وهي تمثل إسهاماً في الرصد المعرفي لإشكالية النظرة الإصلاحية خاصة من قبل المحافظين، ويتصور القديمي أنهم "بحاجة ماسة لإعادة هندسة الإصلاح" والخروج من بوتقة ردة الفعل في أزمات الأمة السعودية خاصة في مجالي السياسة الاجتماعية والقيم الاجتماعية، وثقافة تغريب المجتمع من قبل الليبراليين، يمكن اعتبار ذلك الرسالة الأولى النصية في الكتاب.
 
الرسالة الثانية للقديمي وضعها في خانة "الأدوار التاريخية والشرعية والأخلاقية" أمام الإسلاميين الإصلاحيين في ضبط إيقاع توازن الحالة الإسلامية والوقوف في وجه الغلو بنفس الحزم الذي يرفضون فيه ترغيب المجتمع وانحلاله وسيولة مبادئه وقيمه.
 
ويستمر القديمي في تمرير رسالته الثانية للإسلاميين الإصلاحيين ليصل لفحواها ويسوق لها مبرراته الفكرية في "ضبط إيقاع التوازن" وعدم الانجراف نحو اليمين أو اليسار تحت صخب المعارك واستشراف مصلحة الأمة وفق معطيات الواقع ووفق الممكن والمتاح، وعدم التيه في مسارب المسائل الصغيرة وإهدار قضايا الأمة الكبرى حول الحقوق والعدل والشورى، ووقف هدر المال العام، وهو ما يقوله عنه القديمي إن "ذلك هو الدور التاريخي الذي يجب أن يحافظ عليه الإسلاميون الإصلاحيَّون".
 
رسالة التوفيق بين المدرستين الإسلاميتين أيضاً حاضرة ولكن في شكلها المثالي والمعنوي -في رؤية الأطراف الأخرى للإسلاميين- وهو ما أشار إليه بدرجة عالية من الوضوح السياسي في عدم إثبات صحة تلك الدعاوى من أن الإسلاميين هم منظومة خارج السياق التاريخي وغير قابلة للتطور إلا بعصا السلطان، وأن هيكلية انفتاحها وتسامحها وتحضرها موصد دائماً، وأن بابها الموصل للغلو والتشدد والعنف مشرع على مصراعيه.
 
ورغم أن التيار الإسلامي الإصلاحي لم يتشكل بصورة واضحة في السعودية، فإن القديمي يعتمد على "الإرث التاريخي والمرجعي" الإصلاحي للإسلاميين العرب منذ عقود –وهو ما يكمن ملاحظته بجلاء- من تقسيم المؤلف ذلك الإرث إلى مستويين الأول مستوى علماء الشريعة، والثاني مستوى الحركات والجماعات الإسلامية المنتشرة على امتداد العالم العربي.
 
"
علماء التيار المحافظ التقليدي لم يقدموا على مواجهة فكر الغلو والتشدد الذي برز مع أصوات عدد من الشرعيين الذين تأثر بهم الكثير من الشباب إلا بعد أن واجهت الدولة السعودية هذا التيار بحزم قبيل تفجيرات مايو / أيار2003 
"
تساؤلات مشروعة
تحت هذا العنوان استجلب المؤلف العديد من الاستشهادات والمواقف الشرعية والسياسية المعاصرة لتوضيح الأرضية التي يقف عليها "التيار المحافظ" التقليدي في نظرته العقدية والسياسية.
 
المنظور التشددي لهذه المدرسة ركز عليه القديمي كثيراً، والذي طرحه على هيئة سؤال استفهامي "هل للغلو مشروعية في مجتمعنا؟"، ليدلف من هذا الباب إلى التساؤل في تحليل ملامح المدرسة المحافظة، خاصة بعد شهور من عام 1998 عندما أسس بن لادن والظواهري الجبهة الإسلامية العالمية لمحاربة اليهود والصليبيين، إيذاناً ببدء التيار التكفيري الجهادي في الوسط الشرعي السعودي بشكل واضح عبر الفتاوى والرسائل والاستقطاب الميداني والمواقع الإلكترونية.
 
ويمضي المؤلف في إستراتيجية طرح الأسئلة النقدية الموجهة للتيار المحافظ المستندة إلى عدد من المواقف الشرعية، أهمها أن علماء هذه المدرسة لم يقدموا على مواجهة فكر الغلو والتشدد الذي برز مع أصوات عدد من الشرعيين الذين تأثر بهم الكثير من الشباب إلا بعد أن واجهت الدولة السعودية هذا التيار بحزم قبيل تفجيرات 12 آيار / مايو 2003 وبعد أن صارت أغلب كوارد هذا التيار الجهادي إما في السجن أو تحت التراب، هنا فقط –كما يقول القديمي- شهدنا خروج عشرات الأصوات التي تتحدث عن خطوة التكفير والغلو.
 
ليصل القديمي في نهاية هذا المفصل إلى إجابة تحمل دلالات فكرية عميقة وجدلية في آن واحد وهي أن "للغلو مشروعية في مجتمعنا (أي السعودي) لذا يتجنب العلماء وطلبة العلم نقد مظاهر الغلو، في ذات الوقت الذي نجد فيه عشرات الردود الشرعية والمواقف الحازمة على من يطرح موقفاً أو فتوى متسامحة والتي يديرها شخصيات دينية محافظة".
مشروعية التشدد في الحالة الفكرية والشرعية في نقطة ارتكازية محورية يراها القديمي في سياق الإجراء النقدي، والذي يعبر عن مساحة تتلاقى فيها بعض التيارات بما فيها التيار الليبرالي، ولكنه في الحالة الإسلامية يستدعي مزيداً من الاهتمام لأمرين الأول: أن هذا التشدد يصدر باسم الدين والشريعة وقد يصب بمعتنقه إلى التكفير والتفجير، والأمر الثاني يرجع إلى الامتداد والحضور الواسع للتيار الإسلامي في المجتمع بخلاف التيارات والمجموعات الأخرى التي تشكل جيوباً صغيرة ومعزولة عن المجتمع.
 
من يواجه علمنة المجتمع؟
يعد هذا الفصل من أكثر فصول الكتاب حيوية لما يطرحه من قضية يموج بها الشارع السعودي منذ السنوات خاصة السنوات الخمس الأخيرة، وهي القضية التي جند لها التيار المحافظ مشاريعه وأجندته لمواجهة مشروع طمس الهوية الإسلامية وتذويب القيم الشرعية، وشكلت قضية مواجهة علمنة المجتمع من الفكر الليبرالي، قضية مفصلية أخرى بين المحافظين والإصلاحيين الذين تتهمهم المدرسة لأولى بأنهم غير مهمومين بعلمنة المجتمع.
 
وفي هذه القضية يطرح القديمي عدة دفوعات فكرية (كأسلوب رد) على ما تطرحه المدرسة المحافظة في هذه الإشكالية ومنها:
 
* إن الخطاب المحافظ لا يميز أحياناً بين التغريب وتطورات الحداثة بحيث يتعامل مع كثير من منتجات الحداثة –وليس غالبها- على أنها منتجات تغريبية، دون أي محاولات للتمييز بين المضامين الفكرية التي يجب رفض ما هو غير ملائم منها والوسائل التي يمكن أن تستخدم في الخير كما في الشر.
 
* الخطاب الإسلامي المحافظ كثيراً ما يفتقد القدرة على تقدير الممكن، ويخوض معارك عنيفة ضد كل منتج تغريبي دون أن يقوم بدراسة هذا المنتج وفق المناخ السياسي والاقتصادي السائد، وذلك بهدف تمييز بين ما يمكن مواجهته وما لا يمكن مواجهته.
 
* الخطاب المحافظ أيضاً يفتقد كثيراً للذهنية السياسية في إدارة المعارك، تلك التي تعتمد على حسابات الممكن والمتاح، وعلى القبول بالحلول الجزئية، وهو ما يستدعي دوماً الدخول في التفاصيل، وقبول أنصاف الحلول وربما أرباعها، فضلاً عن الابتداء بطرح مبادرات تكتفي بالسعي للتقدم بخطوات نحو الأمام، لا قلب الطاولة وتغيير المشهد بالكامل.
 
"
أحياناً لا يتعامل خطاب التيار المحافظ مع قضايا بل مع أشخاص، وينتج عن هذا السلوك الوقوف في وجه أي قرارات أو جهود أو أفكار تصدر من أشخاص محددين ولو كان فيها خير للمجتمع
"
* أحياناً لا يتعامل خطاب التيار المحافظ مع قضايا بل مع أشخاص، وينتج عن هذا السلوك الوقوف في وجه أي قرارات أو جهود أو أفكار تصدر من أشخاص محددين ولو كان فيها خير للمجتمع (كالوقوف في وجه قرارات تأنيث المحال النسائية، توسعة المسعى، إصلاح القضاء، تطوير مناهج التعليم، قرار دمج رئاسة تعليم البنات بوزارة التربية".
 
* غالب الخطاب المحافظ بات يعيش على الخطاب التصعيدي والموجهات الكلامية حتى صار التصعيد بالنسبة لها مبرر وجود تحت الأضواء، فلا تكاد تجد لهم أي مساهمة في مشروع بنائي أو تقديم رؤى لحل معضلات فكرية أو شرعية أو تنموية، ليصبح المشهد لهذا التيار مقسماً بين دوائر غير إسلامية – بعضها تغريبي هي من تنتج وتصنع الحلول، ودوائر إسلامية تقليدية وحركية مهمومة فقط بالرفض والمواجهة.

* تقوم مركزية الخطاب المحافظ لمواجهة النزعات التغريبية (مواجهة القرار) دون أي مجهود يذكر في محاولة إصلاح النظام الذي يتخذ القرار، وتزداد المشكلة تفاقماً حين ندرك أن التيار المحافظ عاجز عن إنتاج تصور نظري لهيكلية الإصلاح المطلوب في النظام السياسي، لذا هو غالباً لا يتجاوز الممارسات التقليدية في إسداء النصح وإنكار المنكر.
    
ولا زلنا في إشكالية مواجهة العلمنة بين التيارين، حيث يؤكد القديمي قبل طرح إستراتيجية مواجهة علمنة المجتمع التي تختلف مع أسلوب مواجهة التيار المحافظ لذلك التيار بـ"محاولة إصلاح النظام الذي يتخذ القرارات" عبر مسارين رئيسيين هما:
 
- المطالبات الإصلاحية والنشاط السياسي العملي.
- التثقيف النظري عبر الكتابة والتأليف في قضايا الإصلاح السياسي ورسم معالم الهيكلة السياسية المطلوب تنفيذها في النظام السياسي.
 
ويشرح القديمي بإيجاز فكرة المسارين بقوله "يصب كلا هذين المسارين في سبيل المشاركة الشعبية في القرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، والحد من هدر المال العام، وإيقاف نزيف الفساد، وفصل السلطات الثلاث (التنفيذية والتشريعية والقضائية) لضمان استقلالها ونزاهتها، وتمكين ممثلي الأمة المنتخبين من المحاسبة والمراقبة لأداء السلطة السياسية والدوائر التنفيذية".
 
ويمضي لتوضيح الشرح أيضاً "هذه المطالبات تمثل صميم الإصلاح الهيكلي للنظام السياسي ستسهم في إغلاق كثير من منافذ التغريب والعلمنة التي قد تأتي عبر تساهل السلطة السياسية أو ربما بقرار منها، وستسهم أيضاً باعتبار المشاركة في القرار والثروة بدائل محافظة للمؤسسات والمنظمات ووسائل الإعلام التغريبية، وستسهم في استقلال القرار السياسي عن هيمنة الأجنبي، وإصلاح أوضاع الناس المادية، وتطوير الخدمات ورفع الظلم، وسواها من أمور تقع في مراتب متقدمة في سلم الأولويات الشرعية".
 
كتاب القديمي ناقش عددا من الأفكار النقدية الجريئة تجاه معالم الصحوة الإسلامية في العربية السعودية، وربما -بل من المؤكد- سيختلف معه فيها الكثيرون، إلا أنه قدم بما حملة كتابه حالة مهمة تتحدث عن مرحلة حساسة للحالة الإسلامية السعودية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك