عرض/ بدر محمد بدر
شارك أكثر من 25 باحثاً وخبيراً مصرياً في استعراض الجوانب المختلفة لثورة 25 يناير 2011، والبحث في أسبابها وتداعياتها وآفاقها المستقبلية، باعتبارها من أهم وأضخم الأحداث التي مرت بها مصر والمنطقة العربية منذ أكثر من نصف قرن.

ويقدم الباحثون والخبراء في مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية في هذا الكتاب قراءة أولية، مع مرور العام الأول على الثورة. وبالطبع سوف تبقى ثورة يناير، ولمدة طويلة قادمة، مادة مهمة للباحثين والخبراء والسياسيين، وسوف تصدر عنها عشرات الكتب والأبحاث والدراسات.
 

-الكتاب: ثورة 25 يناير
-المؤلف: مجموعة باحثين
-المحرر: د. عمرو هاشم ربيع
-عدد الصفحات: 448
-الناشر: مركز الأهرام للدراسات السياسية، القاهرة
-الطبعة: الأولى 2011

معادلة سياسية
وفي مقدمة الكتاب أشار محمد السعيد إدريس إلى أن مصر ظلت لسنوات طويلة أسيرة معادلة سياسية ثلاثية الأبعاد:
 
- طبقة سياسية حاكمة منذ عقود، وتريد أن تظل حاكمة إلى الأبد، في ظل مؤسسات الدولة التسلطية، وتخضع لقواعد شخصنة السلطة بعد احتكارها.
- أحزاب سياسية معارضة مقيدة الحركة وعاجزة عن الفعل، ويائسة من كل محاولة لكسر الجمود السياسي تسمح لها بأن تكون شريكة في الحكم.
- خضوع المجتمع المدني والأهلي لحصار حكومي محكم، أدى إلى تجميده ومصادرته بسبب تزاوج المال بالسلطة، وضمور اجتماعي وخدمي عام.
 
وعند هذا الحد لم يعد السؤال: مصر إلى أين؟ بل الأهم هو: من يكسر قواعد اللعبة؟ وبدأت تظهر حركات الاحتجاج، كبداية لمرحلة جديدة من العمل من أجل التغيير، التي قادت النضال الوطني بعد ذلك إلى مرحلة التأسيس لثورة 25 يناير2011، باعتبارها محصلة لتراكم حراك سياسي وطني عميق.
 
ويتناول الباب الأول من الكتاب موقف الإخوان المسلمين والقوى السياسية والحزبية من المشاركة في الثورة، حيث يشير الباحث يسري العزباوي إلى أنه على الرغم من أن الإخوان لم يطلقوا ثورة الشباب ضد النظام بمفردهم، إلا أنهم لعبوا فيها دوراً مهما. وقبل انطلاق الثورة حدد الإخوان عشرة مطالب من النظام السابق أهمها: إلغاء حالة الطوارئ، وحل مجلس الشعب المزور، وإجراء تعديلات دستورية لضمان حرية الترشيح وديمقراطية الاختيار في الانتخابات الرئاسية، والعمل على حل مشكلات المواطنين الحرجة، كبداية لمسيرة إصلاح حقيقي يحقق العدالة الاجتماعية، وكذلك الإفراج الفوري عن المعتقلين السياسيين، ومحاكمة الفاسدين، وهو ما لم ينفذه النظام، فشارك الإخوان بقوة في التظاهرات التي بدأت يوم 25 يناير/كانون الثاني، وهو نفس الموقف الذي التزم به حزبا: الوسط والكرامة، باعتبار تلك القوى والأحزاب محجوبة عن الشرعية في تلك الفترة.
 
"
على الرغم من أن الإخوان لم يطلقوا ثورة الشباب ضد النظام بمفردهم، إلا أنهم لعبوا فيها دوراً مهمًا وشاركوا بقوة في التظاهرات التي بدأت يوم 25 يناير/كانون الثاني
"
بينما تراوح موقف الأحزاب الشرعية (24 حزباً) بين فريق دعا للتظاهر والثورة يوم 25 يناير، منها: الجبهة الديمقراطية، وجبهة أيمن نور في حزب الغد، وفريق رفض المشاركة في البداية لكنه نجح في تعديل موقفه سريعا، ومن هذا الفريق: حزب الوفد والتجمع اليساري والناصري. وفريق ثالث التزم الصمت تماماً ومنه: حزب السلام الديمقراطي والحزب الدستوري الاجتماعي. وفريق أخير رفض وندد بالتظاهرات، ووصفها بالخروج على الشرعية، ومنها حزب الجيل الديمقراطي والأحرار ومصر 2000 وشباب مصر، بالإضافة بالطبع إلى الحزب الوطني الحاكم (وقتها).
 

أداء عاجز
وتناول الباب الثاني أداء النظام السياسي أثناء الثورة، وقدم تحليلاً لمضمون خطب الرئيس المخلوع (مبارك) ونائبه (عمر سليمان)، انتهى فيه إلى أن (مبارك وسليمان) لم يدركا أن البلاد تشهد ثورة حقيقية تنادي بالديمقراطية، وأنه ليس بالإمكان إعادة التاريخ إلى الوراء، والالتفاف على المطالب التي ينادي بها الشعب.

 
كما جاء تعاطي البرلمان (مجلسي الشعب والشورى) مع الثورة في مجمله سلبيا ورافضا لها، ومنكراً على الشباب مطالبهم في التغيير الشامل، وتحقيق إصلاح سياسي، بل متهما هؤلاء الثوار بأنهم عملاء، ينفذون أجندات داخلية أو خارجية.
 
"
النظام السياسي بدا عاجزاً عن استيعاب التغيرات الجارية، وبطيئاً تماماً في تجاوبه مع مطالب الثوار، بينما كان المجلس الأعلى للقوات المسلحة أكثر قدرة على قراءة الواقع
"
وناقش بحث آخر الأداء التفاوضي لإنهاء الأزمة، ذكر فيه عماد جاد أن النظام السياسي بدا عاجزاً عن استيعاب التغيرات الجارية، وبطيئاً تماماً في تجاوبه مع مطالب الثوار، بينما كان المجلس الأعلى للقوات المسلحة أكثر قدرة على قراءة الواقع، وما هو المطلوب عمله لإنهاء الأزمة.
 
وناقشت الباحثة هويدا علي موقف النقابات المهنية والعمالية من الثورة، وانتهت إلى أنها نجحت في تحريك المياه الراكدة في ملف النقابات المهنية والعمالية في مصر بشكل عنيف، وأدى افتقاد دورها في السابق إلى ظهور أزمة شرعية شديدة الحدة في هذه النقابات، جعلتها بعيدة كل البعد عن قواعدها العمالية والنقابية، مما أدى إلى نشأة التنظيمات المستقلة والموازية.
 
انهيار الشرطة
وناقش الباب الثالث أداء جهاز الشرطة وأداء القوات المسلحة. وفيما يخص جهاز الشرطة أشار اللواء عاصم جنيدى في بحثه إلى أن استمرار وزير الداخلية (حبيب العادلي) في منصبه لمدة 14عاماً متواصلة، كان سابقة لم تحدث في تاريخ مصر، وساهم ذلك في سوء التقدير، إضافة إلى أن قوات الشرطة نزلت إلى الشارع دون أية إمدادات، ومن أسباب الانهيار حالة الإحباط التي يعاني منها الضباط بسبب فساد زملائهم، ثم استخدام القوة المفرطة في التعامل مع المتظاهرين، بالإضافة إلى حجم الكراهية التي يكنها المواطنون تجاه الشرطة نتيجة للعنف المستخدم؛ كل ذلك أدى إلى انهيار جهاز الشرطة سريعاً يوم 28 يناير/كانون الثاني، وكان سببا بعد ذلك في انهيار النظام السياسي كله.
 
وفي بحث أعده محمد قدري سعيد أشار إلى أن القوات المسلحة اتخذت منذ البداية موقف الحياد الداعم في الوقت نفسه لثورة الشباب، ومنذ تقرر مساء 28 يناير/كانون الثاني نزول وحدات من القوات المسلحة إلى ميدان التحرير، وفرض حظر التجوال، حرصت قيادة القوات في الميدان على أن تكون محايدة ومتفهمة للدوافع المختلفة وراء هذه الانتفاضة، إضافة إلى قيامها خارج الميدان بملء الفراغ الأمني الذي نتج عن انسحاب قوات الشرطة من الشارع، ثم هي تتحمل الآن مسؤولية قيادة سفينة الوطن للوصول إلى نظام سياسي ديمقراطي يسترد فيها الشعب حقوقه وكرامته، ويكون مصدراً حقيقياً لكل السلطات.
 
شعارات الثورة
وتناول الباب الرابع الأبعاد الاجتماعية والثقافية والاقتصادية للثورة، وفي بحث عن الشعارات التي ارتفعت قبل وأثناء وبعد الثورة، أكد الباحث عادل عبد الصادق أن هذا الشعارات هدفت لطرح الرؤى والاتجاهات وتحديد المواقف، وبيان الإصرار على المضي في تنفيذ أهداف الثورة، وهي رؤى ترتبط بمسيرة الشعب وثقافته، وتواصل التجربة مع التاريخ والإنسان، وعلاقة ذلك بالواقع اليومي الذي يعيشه المواطن المصري، وكشف التنوع الهائل في أدوات الخطاب الإعلامي الثوري وتعدد المشاركين فيها وتنوع ثقافاتهم.
 
وفي بحث آخر عن الأقباط، أشار هاني عياد إلى أن الطوائف القبطية الثلاث في مصر: الأرثوذكسية والكاثوليكية والإنجيلية، رفضت دعوات المشاركة في المظاهرات والاحتجاجات يوم 25 يناير، ولكن الصورة بدأت تتغير على المستوى الشعبي، حيث شارك الأقباط في التظاهرات بمضي الوقت، وأقيم قداس الأحد الأول من فبراير/شباط في ميدان التحرير.
 
"
الشعارات التي رفعت أثناء الثورة هدفت لطرح الرؤى والاتجاهات وتحديد المواقف، وبيان الإصرار على المضي في تنفيذ أهداف الثورة، وهي رؤى ترتبط بمسيرة الشعب وثقافته
"
وعن موقف الأزهر الشريف، قال الباحث حسن محمد إنه مرّ بثلاث مراحل؛ الأولى: هي مرحلة ما قبل التظاهرات، وكان عنوانها الصمت والتجاهل، والثانية: مرحلة تفضيل الأمن والاستقرار والبحث عن مخرج للأزمة، وانتهت بتخلي (مبارك) عن الرئاسة، والثالثة: البحث عن مخرج آمن، وكان فيها شيخ الأزهر أكثر توازنا، يؤكد على حقوق الشعوب في مقاومة الظلم والفساد، وفي نفس الوقت يؤكد على أن المصلحة الوطنية، والحفاظ على أمن الوطن وسلامته، مقصد أساسي من مقاصد الشريعة الإسلامية، يقدم على ما سواه.
 
الوضع الإقليمي والدولي
وناقش الباب الخامس الموقف العربي والدولي من الثورة، وأثرها على المنطقة العربية، وفي بحث أعده هانئ رسلان أشار إلى أن ثورة 25 يناير أحدثت قلقاً طاغياً في كل المنطقة العربية، وكان أحد أهم العوامل التي أثرت على المواقف العربية من أحداث الثورة ومساراتها، هو الإحساس العميق بأن ما ستؤول إليه الأوضاع في مصر سوف يخلق نموذجاً جديداً، سوف تمتد آثاره إلى كل الدول العربية، باعتبار أن التغيير في مصر، بما عرف عنها من استقرار واستمرارية في النظام، منذ يوليو/تموز 1952، ومؤسسات وهياكل أمنية قوية، سوف يشجع الكثيرين من الرافضين أو المعارضين لأنظمة الحكم في بلادهم على اقتلاعها أو الإطاحة بها.
 
كما أكد الباحث علاء سالم أن المصريين قدموا وسيلة للتغيير السياسي في الدول العربية اتسمت، ليس فقط بالطابع السلمي والهادئ، ولكن أيضاً بأنها فاعلة وسريعة في بلوغ التغيير. ومن ثم عمّ بركان الغضب عدة دول في المنطقة، لم تكن مدرجة على قائمة التغيير من قبل، فالصوت الذي انطلق من القاهرة، مطالباً بالتغيير وإسقاط النظام، بدأ صداه يتردد بقوة داخل شعوب المنطقة، مستلهما نفس الوسائل التي اعتمدها المصريون في الثورة، كنهج للتغيير داخل بلدانهم، مما أعطى الثورة المصرية خصوصيتها الثقافية داخل المنطقة، قياساً لسابقتها التونسية.
 
ملامح المستقبل


ويتحدث الباب السادس والأخير عن ملامح مستقبل الثورة المصرية، حيث ناقش عدة بحوث منها: الثورة وأطروحة الدستور المستقبلي، والمستقبل الدستوري والقانوني لمصر بعد الثورة، والانتخابات الرئاسية الحاضر والمستقبل، وبرلمان المستقبل.. برلمان ضد القوى المناوئة للثورة، ونحو تطوير جهاز الشرطة بعد الثورة، وكذلك نحو إستراتيجية للحد من الفساد ومكافحته.

 
"
لكي يكتمل نجاح عملية إعادة البناء بأسرع ما يمكن، فإن جهداً إعلامياً وسياسياً كبيراً سيكون مطلوباً بذله من جانب أبناء الثورة في كافة أنحاء مصر
"
وفي بحث عنوانه "مواجهة الثورة المضادة واستكمال الثورة، كيف؟" أكد ضياء رشوان أنه لكي يكتمل نجاح عملية إعادة البناء بأسرع ما يمكن، فإن جهداً إعلامياً وسياسياً كبيراً، سيكون مطلوباً بذله من جانب أبناء الثورة في كافة أنحاء مصر، وبخاصة في القاهرة، من أجل نشر ما يتم التوصل إليه من تصورات تفصيلية على الرأي العام، وفتح حوارات مجتمعية واسعة حولها، لتحقيق هدفين، الأول: اختبار مدى صحتها ودقتها، وتدعيمها بأية أفكار أو اقتراحات جدية، والثاني: هو أن تكتسب هذه التصورات زخماً شعبياً، يعطيها قدرة أكبر على التأثير على صانع القرار.
 
وفي الختام يمكن القول إن التطورات على الساحة المصرية بعد الثورة تتفاعل بشكل يومي إلى حد كبير، وإن سرعة الأحداث تجعل من الصعب مواكبتها وكشف أبعادها من خلال الإصدارات المختلفة، لكنها (أي الإصدارات) تبقى مهمة، لرصد مراحل التطور في أي عمل يتحرك بسرعة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك