عرض / زياد منى
 
بداية من الضروري تعريف القراء بالمشاركين في كتابة هذا المؤلَّف. يتصدر القائمة طارق علي، القائد الطلابي الباكستاني [الأصل] في بريطانيا والمؤرخ العسكري والمفكر والأديب، والذي تمكن في نهاية ستينيات القرن الماضي من تنظيم مظاهرة ضخمة في لندن ضد التدخل الأميركي في فيتنام ضمت أكثر من نصف مليون مشارك، وكان لي شرف المشاركة فيها. ينتمي إلى عائلة إقطاعية ذات صلة بالحياة السياسية في الهند عندما كانت مستعمرة بريطانية. 
 
-الكتاب: كشمير، قضية حرية
-المؤلف: مجموعة من الباحثين والكتاب والأدباء الباكستانيين والهنود
-عدد الصفحات: 140
-الناشر: فِرزو، لندن، المملكة المتحدة
-الطبعة: الأولى 2011
والمشارِكة الثانية هي الهندية الكبيرة أنغانا تشترجي عالمة الأنثربولوجيا والنشيطة في مجال حقوق الإنسان.
 
المشاركة الثالثة هي الأديبة الهندية الكبيرة أرُندهاتي روي التي حازت على جائزة البوكر في عام 1997 لرواياتها "إله الأشياء الصغيرة".
 
ويضاف إلى قائمة المشاركين الصحفي الكشميري هلال بهات والكاتب الهندي بنكاج مِشرا. كما أثري الكتاب بقصائد لهبة خاتون الشاعرة الكشميرية التي عاشت في القرن السادس عشر وكانت زوج سلطان يوسف شاه حاكم كشمير.
 
هذه المقدمة عن المؤلفين مهمة لتعريف القارئ بأهمية الكاتب والكتاب.
 
مقدمة
من الصعب العثور على بقعة في العالم استعمرتها بريطانيا ولم تترك فيها، إثر خروجها أو طردها منها، مشكلة. في نيجيريا تركت مشكلة بيافرا، وفي "الهند الصينية" تركت مشاكل بين إندونيسيا وماليزيا، وفي المشرق العربي مشكلة فلسطين، وفي الخليج العربي مشاكل الجزر الثلاث، إضافة إلى مشكلة العيديد وواحة البريمي.. وفي شبه القارة الهندية مشكلة كشمير، والقائمة تطول.
 
هذا الكتاب، يعالج مشكلة كشمير من جوانب مختلفة، تاريخية وسياسية وإنسانية تناول كل كاتب مشارك جانبًا منها.
 
المحتوى
لقد أحسن المشرف على وضع الكتاب بتصديره كرنولوجيا الأزمة الكشميرية منذ بداياتها في عام 1947، أي في عام تشظي شبه القارة الهندية إلى ثلاثة أقسام هي الباكستان بشقيها والهند وكشمير. وقد اختصر المشرف الأحداث في ذكر الرئيسة منها بدءًا من 15 أغسطس/آب 1947 بانقسام الهند، مع ترك "الدولة الأميرية" أي التي يحكمها أمير، تقرر مصيرها بنفسها وإلى أي جزء ترغب في الانضمام. الكرنولوجيا تتابع تطور الأمور في كشمير وفي المحافل الدولية إضافة إلى الاضطرابات المختلفة التي شهدها الإقليم حتى عام 2010.
 
يلي ذلك المقدمة التي كتبها بنكاج مِشرا المعروف بمؤلفاته الأدبية والمساهم في مجلة مراجعات الكتاب، المسماة "نيويورك بوك رفيو"، وكذلك في صحيفة الغارديان اللندنية. بنكاج مِشرا يتحدث في مقدمة الكتاب عن الأوضاع في إقليم كشمير الواقع تحت سيطرة حكومة نيودلهي ويشرح -في صفحات قليلة- الأوضاع في الإقليم وأسباب الاضطرابات المستمرة فيه، ويركز -على نحو خاص- على انتفاضة عام 1989 التي اندلعت إثر اتهام الحكومة الهندية بتزوير نتائج الانتخابات هناك. المؤلِّف، كما يشير عنوان الكتاب، لا يخفي انحيازه إلى جانب سكان الإقليم ورغبتهم في الانفصال عن الهند.
 
"
الكاتب طارق علي -الذي أسهم بالجزء الأكبر من الكتاب- لا يخفي تعاطفه مع رغبات سكان كشمير، إلا أنه لا يخفي تخوفه المستمر من سيطرة التيارات الإسلامية المتشددة على الإقليم في حال ترك سكانه لتقرير مستقبلهم بأنفسهم
"
القسم الأكبر من الكتاب (قصة كشمير) يضم إسهام طارق علي الذي تعرض لتاريخ الإقليم في نحو خمسين صفحة منذ العصور القديمة حتى أيامنا هذه. هذا القسم، الممتع، ضم تجارب طارق علي ومعارفه عن الأزمة، سواء الموثق منها أو الذي مرّ عليه شخصيًا بحكم صلاته التاريخية بمجموعة من رجال المنطقة المؤثرين، ومنهم رئيس الوزراء الراحل ذو الفقار علي بوتو ورئيسة وزراء الهند المغدورة أنديرا غاندي ودبلوماسيون باكستانيون وغربيون.
 
مع أن طارق علي لا يخفي تعاطفه مع رغبات سكان كشمير، إلا أنه لا يخفي تخوفه المستمر من سيطرة التيارات الإسلامية المتشددة على الإقليم في حال ترك سكانه لتقرير مستقبلهم بأنفسهم.
 
لكن هذا لم يمنعه إطلاقًا من مقاربة المسألة من على بعد، وعدم إقحام مشاعره وعواطفه في سرده التاريخي المكتوب بلغة سلسلة لا تخلو أحيانًا من المرح، الذي لم يؤثر في جدية المحتوى، بل وفّر استراحة لغوية عن قضية إنسانية مؤلمة.
 
المهم في الأمر أن طارق علي يلقي بمسؤولية تردي الأوضاع في الإقليم على الهند، وعلى رئيس وزرائها الأسطوري البانديت جواهر لال نهرو (والد أنديرا غاندي) لعدم التزامه بعهد قطعه على نفسه لرئيس وزراء كشمير، أيضًا الأسطوري، الشيخ عبد الله بعدم ضم الإقليم للهند.
 
من الأمور المهمة التي يلاحظها طارق علي أن المشكلة الكشميرية شهدت هدوءا ملحوظًا إبان نشاط الزعيم الهندي نهرو ضمن حركة عدم الانحياز، والذي -كما نعرف- كان أحد مؤسسيها وقادتها إضافة إلى كل من جمال عبد الناصر وأحمد سوكارنو الإندونيسي واليوغسلافي جوزيب بروز تيتو، ثم انضم إليها مجموعة من القادة الإفريقيين الأسطوريين ومنهم الزعيم الغاني كوامي نكروما والكونغولي باتريس لومومبا والغيني أحمد سيكو توري.
 
لكنه يوضح أن مسألة كشمير، ورغم انحيازه التام لمسألة حقها في تقرير المصير والانفصال عن الهند، أعقد بكثير من أن تكون قضية سكان مسلمين يودون الانفصال عن الهند "الهندوسية". فهو يربط بين الأحداث الداخلية في الباكستان بتطورات صراعها مع الهند، ويركز -على نحو خاص- على الحرب الأخيرة التي اندلعت في الإقليم عام 1998 وتسببت فيها الباكستان، وعانت في نهاية المطاف هزيمة عسكرية وأخلاقية مؤلمة.
 
فقد وَضَع اندلاع تلك الحرب، وما سبقها من أزمات، ضمن إطار الصراع على السلطة في الباكستان، بين المدنيين من جهة والعسكريين من جهة أخرى. كما يؤكد -وإن بالإيحاء- تورط وكالة الاستخبارات الأميركية (السي آي إي) والاستخبارات السعودية في أحداث الباكستان وبنغلاديش، ومنها اغتيال مجيب الرحمن زعيم بنغلاديش الذي كان معاديًا للولايات المتحدة الأميركية.
 
إضافة إلى قناعته بتورط الوكالة الأميركية في اغتيال العديد من قادة الباكستان. كما ينقل قناعات كثير من ساسة الإقليم بتورط الاستخبارات الأميركية، ومعها الباكستانية، في اغتيال أنديرا غاندي.
 
"
المسألة الكشميرية أعقد من كونها صراعا بين دولتين على إقليم، وأبعد بكثير من كونها صداما بين الإسلام والهندوس، حيث يوجد تجمع كبير للمسلمين الشيعة في الإقليم إضافة إلى نفوذ المتصوفين هناك
"
ويضاف إلى القائمة محاولة اغتيال برويز مشرف وقتل بينظير بوتو ابنة الزعيم ذو الفقار علي بوتو الذي قتله الجنرال ضياء الحق بعد محكمة صورية، والذي قتل يوم 17 أغسطس/آب 1988 في حادث انفجار الطائرة التي كانت تقله، وقد اتُهمت الاستخبارات الإسرائيلية ووكالة الاستخبارات المركزية بقتله بسبب برنامج باكستان النووي.
 
طارق علي يعتمد في مداخلته المطولة والأهم في الكتاب، على معارفه وعلاقاته الشخصية بالعديد من رجالات الباكستان والهند وفي مقدمتهم الراحلين ذو الفقار علي بوتو وأنديرا غاندي.
 
المهم هنا توضيحه أن المسألة الكشميرية أعقد من كونها صراعا بين دولتين على إقليم، وأنها أبعد بكثير من كونها صداما بين الإسلام والهندوس، حيث يوضح وجود تجمع كبير للمسلمين الشيعة في الإقليم إضافة إلى نفوذ المتصوفين هناك.
 
الحرية هي كل ما يريده الكشميريون
المداخلة اللاحقة عنوانها "أزادي، كل ما يريده الكشميريون" كتبته أرُندهاتي روي، علمًا بأن المفردة تعني الحرية. الأديبة الهندية أعلنت في أعقاب تظاهرة الخمسمائة ألف كشميري في عام 2008 انحيازها إلى جانب انفصال كشمير عن الهند. أرُندهاتي روي قصرت مساهمتها في الكتاب للحديث عن الأحداث التي شهدها الإقليم في عام 2008، وما تناقلته وسائل الإعلام عن قمع الشرطة الهندية للمتظاهرين الكشميريين المطالبين بالحرية.
 
الصحفي الكشميري هلال بهات عنون مداخلته "فايازأباد 31223" التي خصصها لسرد تجربته الشخصية في الإقليم والكفاح المسلح ضد السلطات الهندية والاضطرابات والمذابح التي لحقت بالمسلمين إبان حكم تجمع جاناتا الهندوسي المتعصب، وتدمير المتعصبين الهندوس جامع أيوضيا ومعايشته المذابح هناك خلال تنقله في القطار فارًا من الإقليم الذي كان يشهد مذابح بحق المسلمين.
 
أنغانا تشترجي العالمة الهندية من كلكوتا التي تعيش في الولايات المتحدة الأميركية حيث تعمل في جامعة هارفارد، كتبت مقالتها "المنطقة المُعسكَرة" خصصتها للحديث عن الأوضاع في كشمير ومعاناة سكانها وشرح أسباب وقوفها إلى جانب انفصال الإقليم عن الهند، وهي مواقف سببت لها الكثير من المشاكل في وطنها.
 
أرُندهاتي روي تعود في نهاية الكتاب في مقالة "نهرو المحرض على العصيان" لسرد كلمات الزعيم الهندي نهرو عن الإقليم وحق سكانه في اختيار شكل الحكم، أطلقها بين عامي 1947 و1957، وذلك ردًا على قرار محكمة هندية بتوجيه الشرطة الهندية لاتهامها بإعلان الحرب على الدولة الهندية، بسبب موقفها المؤيد لانفصال الإقليم. الهدف تبرئة نفسها من التهمة اعتمادًا على وعود زعماء هنود من قبل.
 
طارق علي ينهي الكتاب بكلمة لاحقة "لم يهزموا، تم تجاهلهم فقط" يتحدث فيها عن ممارسات الحكومة الهندية في كشمير ضد شعب الإقليم وانتفاضته غير المسلحة، مشددًا على أنها متطابقة مع ممارسات إسرائيل ضد الفلسطينيين، وعاقدًا مقارنة بين انتفاضة فلسطين ومظاهرات الكشميريين.
 

"
المؤلَّف ليس كتابًا تاريخيًا وإنما عرض سريع لأوضاع الإقليم، مع خلفية تاريخية مفيدة، لكنها لا تلغي الحاجة إلى توافر دراسات معمقة عن الإقليم وتاريخه
"

وماذا بعد!
الكتاب نقده نقدًا حادًا كشميريون وهنود، خصوصًا مقالة طارق علي التي تشكل نحو ثلثه، حيث اتهمه بعضهم بتزوير تاريخ الإقليم وتحديدًا ما يتعلق بحديثه عن إجبار الفاتحين العرب بعض السكان على اعتناق الإسلام.
 
المؤلَّف ليس كتابًا تاريخيًا وإنما عرض سريع لأوضاع الإقليم، مع خلفية تاريخية مفيدة، لكنها لا تلغي الحاجة إلى توافر دراسات معمقة عن الإقليم وتاريخه ومكوناته الدينية والعرقية، وهو ما تفتقد إليه المكتبة العالمية.
 
مع ذلك، المشكلة في ظننا ليست هنا، وإنما في وضع حلول قابلة للتطبيق، آخذين في الاعتبار أن الهند تخشى من أن يؤدي انفصال كشمير إلى تشظيها إلى دويلات صغيرة، وربما هنا يكمن جوهر المشكلة، وربما الحل أيضًا.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك