عرض/ الحسن سرات


ظهر هذا الكتاب في موعدين سياسيين هامين: موعد فرنسي وموعد عربي عالمي. وما الموعد العربي إلا هذه الثورات المفاجئة المتتابعة والمتنوعة بين العنف والرد على العنف بمثله أو بأقوى منه سلما وحربا، ثورات أطاحت برؤوس كبيرة للملوك والرؤساء ورفعت رؤوس الأمم والشعوب والجماعات، وسارت رياحها إلى المشارق والمغارب. أما الموعد الفرنسي فسيذكر في الخاتمة.
 
-الكتاب: الرجل الذي ظن نفسه نابليون.. من أجل تاريخ سياسي للجنون
-المؤلف: لور مورا
-عدد الصفحات: 384
-الناشر: دار النشر غاليمار
-الطبعة: الأولى/ نوفمبر 2011
موضوع الكتاب هو الثورة الفرنسية وما أحدثته من زلزال سياسي ونفسي كبير. أما الزلزال السياسي فقد قتل درسا وتحليلا وتأريخا، لكن الزلزال النفسي بقي غامضا، مع أنه أصاب المجتمع الفرنسي بحالة اكتئاب تصاعدت حتى وصلت درجة الذهان والهذيان تمثلت في كثرة الذين سقطوا صرعى الحمق والجنون.
 
ويتناول الكتاب قضية بالغة الأهمية، إذ إن كثيرا من الباحثين في العلوم الإنسانية نشروا نتائج أبحاثهم حول الآثار النفسية للحروب على الكبار والصغار، ولكن دراسة آثار الثورات وسقوط الأنظمة وظهور أخرى على الحالة النفسية والعقلية للمجتمع قليلة ونادرة. فهل يعكس تاريخ الجنون ترتيب الكلمات ليصبح الأمر هو "جنون التاريخ والأحداث"؟
 
وكما ظهر في تاريخنا العربي الإسلامي أدعياء المهدوية والنبوة، فقد تناسل في فرنسا الذين ادعوا أنهم نابليون أو أبناء نابليون بونابارت السياسي العسكري الفرنسي الأسطوري.
 
وانبجست فكرة الكتاب من تساؤل ذاتي حاولت الكاتبة البحث عن جوابه، ألا وهو "كيف يجن التاريخ"؟، وبرز السؤال عندما عثرت الباحثة في الأرشيف الفرنسي على حالة رجل كان يظن نفسه نابليون أو ابن نابليون.
 
يقال كل المجانين يزعمون أنهم نابليون، لكن كيف جرى تسجيل هذيان تقمص الإمبراطور أو الملك في سجلات الأطباء في ذلك الوقت؟ وهل هذا مؤشر على وجود علاقة بين صيرورة التاريخ والجنون أو الاضطراب النفسي؟ وبسرعة تناسلت أسئلة أخرى أمام المؤلفة مثل ما هي العلاقة بين السياسة والجنون؟ هل السياسي مسؤول عن الحالة الصحية العقلية والنفسية للأفراد والمجتمع؟ هل يمكن أن نقيس تأثير الثورات والأحداث السياسية العنيفة وسقوط الأنظمة وتغييرها على التوازن النفسي والعقلي للمواطنين؟ وهل الأحداث الكبرى وراء الاضطرابات النفسية الكبرى وانتشار الهذيان الخيلائي أو جنون العظمة؟
 
للبحث عن الأجوبة كان لا بد من رحلة غوص طويلة في أرشيف الطب النفسي الفرنسي للقرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ودراسة تقييم الأطباء والمعالجين للحالات الواحدة تلو الأخرى، والنظر في الملفات الطبية، ومساءلة المستشفيات العقلية لذلك الوقت. واستغرقت الرحلة التاريخية ثلاثة أعوام، و"الرجل الذي ظن نفسه نابليون" هو نتيجة ذلك البحث الأركيولوجي في الهذيان.
 
ولور مورا مؤرخة فرنسية مختصة في التاريخ الثقافي نشرت عدة كتب تقبلها الجمهور قبولا حسنا واحتفى بها النقاد باحترام وتقدير منها "منزل الدكتور بلانش: تاريخ ملجأ وقاطنيه" الحائز على جائزة غونكور وجائزة النقد من الأكاديمية الفرنسية، وكتاب "قانون الجندر: تاريخ الجنس الثالث". ولور مورا أستاذة بشعبة الدراسات الفرنسية والفرنكوفونية بجامعة كاليفورنيا لوس أنجلوس بالولايات المتحدة الأميركية.
 
المقصلة الرهيبة
كيف تحول الخصم الذي يريد الإطاحة بالإمبراطور بونابارت والقضاء عليه إلى تقمص شخصيته وإعادة إنتاجه؟ وكيف انتقل المتمرد إلى مجنون؟ لقد صار الفرق رقيقا جدا. وكيف تبلور الخطاب السياسي في القرن التاسع عشر بين الأيديولوجي والباتولوجي، والمذهبي والمرضي؟ هل تحول المجنون إلى معارض؟ أم أن المعارض ينعت دائما بالحمق والجنون؟ كما كان يقال لكل رسول جاء بالحق "ساحر أو مجنون".
 
بين الثورة و"لاكومون" عرفت فرنسا أربع ثورات على الأقل. ثورات كانت تتعرض للفشل والالتفاف في كل مرة، وذلك تعبير طويل عن الموت البطيء للإمبراطورية والميلاد الموجع والاكتمال المؤجل للجمهورية عدة مرات.
 
وإذا كان الطب النفسي علما سياسيا بامتياز لأنه يفسر في النهاية كيف يتعامل الحكام من رعاياهم، فماذا سيقول الجنون عن السياسة؟ وصدق من قال "اشرحوا لنا كيف تتعاملون مع مجانينكم نقل لكم من أنتم".
 
حسب الأرقام، نفذت الثورة الفرنسية أحكاما بالإعدام العلني، قطعا للرؤوس بالمقصلة، ما بين 2600 وثلاثة آلاف شخص في باريس وحدها بين مارس/آذار 1793 وأغسطس/آب 1794.
وبلغ عدد الذين فصلت رؤوسهم عن أجسادهم بمجموع التراب الفرنسي حوالي 17 ألف  شخص، بمعدل خمسة رؤوس كل يوم في العاصمة، وهو معدل نسبي لأن بعض الأيام عرفت أرقاما مرعبة، مثل يوم 7 يوليو/تموز 1794 الذي قطعت فيه رؤوس 68 شخصا قبيل سقوط الزعيم السياسي روبسبيير. فصارت المقصلة هي رمز الثورة الفرنسية التي باشرت الإصلاح بالقطع الدموي مع الماضي.
 
"
نفذت الثورة الفرنسية أحكاما بالإعدام العلني، قطعا للرؤوس بالمقصلة، ما بين 2600 وثلاثة آلاف شخص في باريس وحدها خلال 17 شهرا
وبلغ عدد الذين فصلت رؤوسهم عن أجسادهم بمجموع التراب الفرنسي حوالي 17 ألف شخص
"
وتزامنت المقصلة الفرنسية الرهيبة وهي تقطع الرؤوس مع ميلاد الطب النفسي الفرنسي الذي بدأ يعالج سقوط العقول في الجنون، وتلك علاقة مثيرة حقا. اقتسمت المقصلة والطب النفسي العلاقة بين الرأس والجسد حين يتصلان وحين ينفصلان، وكلاهما سهر على ولادتهما ورعايتهما فريق طبي، إذ المقصلة اختراع طبي، وكلاهما دعامتان أساسيتان لمشروع سياسي يريد إصلاح الإنسان وتطهير المجتمع.
 
وراقب الطبيب فيليب بينيل -مؤسس الطب النفسي الفرنسي- الحالة العقلية والنفسية للمجتمع أثناء الثورة وقدم تشخيصا مفصلا عنها في كتبه وسجلاته وانشغالاته، فلاحظ تصاعد مظاهر الاضطراب العقلي بعد فترة اندلاع الثورة.
 
وفي تصنيف للمرضى النفسانيين والعقليين لدى بينيل تظهر لأول مرة الأحداث السياسية سببا رئيسا في تلك الأمراض، إلى جانب الدين والمال والحب. لأول مرة تصبح الثورة سببا في المرض والجنون وهي التي جاءت من أجل الصحة والبناء النفسي والاجتماعي والسياسي السليم. لأول مرة تتهم السياسة بأنها سبب الذهان والهذيان.
 
هذيان خيلائي
اجتاحت الثورة الفرنسية المجتمع طولا وعرضا، وأذهل قطع الرؤوس الناس ففقدوا توازنهم وجن جنونهم. تصاعدت حالات الانتحار، وكيف لا تفقد المرأة عقلها وهي ترى جميع أفراد عائلتها يقتلون أمام عينيها؟ وكيف لا يهذي الرجل ولا ينتحر وهو يرى ثروة عمره تذهب هباء منثورا؟ وكيف لا يصاب الناس بالرهاب وهم يرون المحاكمات السريعة لمجرد رأي مخالف أو تهمة باطلة؟
 
وتقدم المؤلفة بعض الأرقام من السجلات التي اطلعت عليها بعدما غصت المستشفيات العقلية بالذهانيين والذهانيات. طيلة ربع قرن حرص بينيل على تسجيل الحالات والأسماء بسجل ضخم من عام 1795 إلى عام 1820. وتصدر العنف الثوري طليعة الأسباب.
 
في هذه الأجواء العاصفة المتقلبة، سجل بينيل تعدد المرضى الذين اعتقدوا أنهم أباطرة أو ملوك أو أنهم أبناء الأباطرة والملوك، فإن لم يكن فمن المقربين. حالة سماها الأطباء "الهذيان الخيلائي" أو "جنون العظمة". ففي عام 1818 وصل إلى العيادات رجل يدعي أنه ابن الملك لويس السادس عشر، وفي الوقت نفسه يدعي أنه النبي عيسى والنبي إيلياء والنبي صامويل. كما استقبل المستشفى خمسة أباطرة من بين 92 مريضا عقليا، أي بنسبة 5.4% من المرضى.
"
نسبة المرضى الذين تقمصوا شخصية نابليون وزعموا أن نابيلون عاد ولم يمت، وأنه هو الإمبراطور الحاكم وصلت إلى 25 %من مجموع مرضى الهذيان الخيلائي أو "جنون العظمة
"
لكن نسبة المرضى الذين تقمصوا شخصية نابليون وزعموا أن نابيلون عاد ولم يمت، وأنه هو الإمبراطور الحاكم وصلت إلى 25% من مجموع المرضى.

وتشابهت المطالب السياسية المشروعة "لأولئك الأباطرة المجانين"، فبعضهم قال إنه ابن نابليون العظيم، وقد سلب منه العرش"، وقال آخر "إنه ابن الإمبراطور وحدسه يحدثه بذلك"، وقال ثالث "إنه ابن نابليون وقد جاء إلى باريس للمطالبة بميراثه".
 
ه
ل الثورة جنون؟

أمام هذه الحالات، تقول المؤلفة إن سؤالا كبيرا ألح على المحللين والأطباء وهو هل الثورة جنون وانحراف مرضي؟ هل هي هيستيريا جماعية لا يمكن التحكم فيها ولا التنبؤ بنتائجها ومساراتها؟
 
الأعوام التي شهدت انتفاضات وثورات -1789، 1830، 1848، 1871- أي قرن كامل من الثورات، قدمت نموذجا حيا للملاحظة والتحليل والاستنتاج حتى قال سيغموند فرويد -النفساني الشهير- "إن الشعب الفرنسي هو شعب الجائحات والأوبئة النفسية والتشنجات الجماعية التاريخية".
 
واستعرض الخبراء فترات تاريخية شبيهة بالحالة الفرنسية أحدثت هزات اجتماعية ونفسية، مثل الحروب الاستعمارية وحرب الاستقلال الأميركية، وكلها أحداث زلزلت النفوس وحولت العواطف والمشاعر، خاصة شعوري الخوف والرجاء، من مجال إلى مجال، فالتقى التاريخ مع الجنون، فتحدث الأطباء عن "الذهان السياسي" و"المرض الديمقراطي". وأجمعوا على أن السياسي هو من زرع السم الزعاف، وأن الثورة هي التي فجرت المرض ونشرته كالجائحة. وبعضهم لم يتردد في اتهام المهيجين والمحرضين السياسيين بتغذية الفوضى والإثارة في العقول.
 
الطبيب والسياسي
لا تتوقف المؤرخة لور مورا عند القرنين الثامن عشر والتاسع عشر لتشريح تأثير السياسي على الهذيان الخيلائي، ولكنها تمضي للقرن الواحد والعشرين لترينا كيف يسعى السياسي إلى الالتفاف على الطب النفسي وإجهاض مشاريع الشفاء والخلاص.
 
ذلك أنها تسجل هجوما شاملا على الطب النفسي والمستشفيات والعيادات العقلية، وهيمنة الخيار الأمني البوليسي واكتظاظ السجون بالمعتقلين العقليين، وتواطؤ لوبي صناعة الأدوية مع تخويف المجتمع من "المرضى الفصاميين".
تقول مورا "هل غادرنا القرن التاسع عشر؟ سؤال أقض مضجعي وطاردني ليل نهار وأنا أقارن بين الماضي والحاضر".
 
وتنحاز الباحثة في التاريخ السياسي للجنون أو الهذيان التاريخي للسياسة، إلى تحليل الطبيب النفسي الفرنسي الشهير جان أوري وهو يشخص حالة عصرنا في قوله "مناهضة الطب النفسي تستولي على زمام السلطة".
 
وتتفق مورا مع أوري في انتقاد التبعية الفرنسية للسياسة الصحية الأميركية بإغلاق المستشفيات والعيادات العقلية والنفسية الواحدة تلو الأخرى، وترك المرضى بالشارع يواجهون سوء المصير.
 
وتذكر مورا أن آلاف الوثائق التي استطاعت الوصول إليها في أرشيف المرض العقلي لفرنسا والفرنسيين بعد جهد جهيد ليست سوى جزء صغير من ملايين الوثائق التي تمثل العقل والذاكرة.
 
وبعد خطاب الرئيس نيكولا ساركوزي يوم 2 ديسمبر/كانون الأول عام 2008 حول الإجراءات الجديدة في مجال الصحة النفسية، قام في وجهه آلاف الموقعين على عريضة تجاوزت ثلاثين ألف موقع ولا تزال، وتزعم الموقعين "تجمع التسعة والثلاثين" الذي كان وراء عريضة "الليل البوليسي".

"
العنف السياسي وتدميره للعقل والنفس يعيد نفسه اليوم، ويريد أن يكمم الأفواه بيد ناعمة من جديد، وهو لا يهدد الأطباء ومرضاهم فقط، ولكنه يهدد المجتمع الفرنسي كله
"
ضمن التجمع يوجد أطباء نفسانيون وأطر عليا في الهيئة الطبية بالقطاعين العام والخاص، يتابعون عمل رواد الطب النفسي الفرنسي وعلى رأسهم فيليب بينيه الذي أثبت فشل السياسة الصحية النفسية للسياسة الفرنسية وهي تلجأ للسجون والمعتقلات الطبية.
 
فشل عبر عنه الطبيب مورو سنة 1845 عندما قال "إذا تكلم المرضى في بعض الأحيان، فإننا لا نلقي بالا لما يخرج من أفواههم ولا نأخذه بعين الاعتبار".
 
فالعنف السياسي وتدميره للعقل والنفس-كما كشف عن ذلك جزء من الأرشيف- يعيد نفسه اليوم، ويريد أن يكمم الأفواه بيد ناعمة من جديد، وهو لا يهدد الأطباء ومرضاهم فقط، ولكنه يهدد المجتمع الفرنسي كله، رغم أنه يدعي له الحماية والرعاية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك