عرض/ زياد منى
 
ثمة كتب مهمة، لكن ليس من السهل معرفة سبب صدورها أو لنقل: كتاباتها. وهذا الكتاب يقع ضمن ذلك التحديد.
المؤلفة سارة روي، الحريصة على توضيح أنها يهودية "معادية لسياسات إسرائيل في الضفة والقطاع"، قضت في كتابة مؤلفها سنين عديدة، جاءت تتويجًا لما يزيد على عشرين عامًا قضتها في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967.
سنلتفت أولا
 إلى محتوى الكتاب، وفي النهاية سنسرد النقاط التي نعدها أساس أي تقويم، من وجهة نظرنا.
 
المحتوى
الكتاب مخصص لدراسة النشاط الاجتماعي الإسلامي الذي تمارسه حماس في قطاع غزة، وتأثير ذلك في الوضع الفلسطيني العام. الدراسة ليست مخصصة لدراسة نشاط حركة حماس أو التنظيمات الإسلامية الأخرى في المجال الاجتماعي، وإنما قراءة المجتمع الفلسطيني في قطاع غزة، وكيفية تفكيره وتشكيله وتوقع تحركه الحالي والمستقبلي من خلال دراسة عمل المؤسسات الإسلامية الخيرية وتأثيرها في المجتمع والسياسة.
 
المؤلفة قسمت عملها إلى مدخل وسبعة فصول وخاتمة عن "تدمير غزة".
الفصل الأول: "مقدمة: البنية، نقاط الجدل، والإطار المفاهيمي" والمهم للغاية في ظني، مخصص لهدف الكتاب.
 
الباحثة ركزت على ما أسمته "سنوات أوسلو" الممتدة من سبتمبر/أيلول 1993 إلى سبتمبر/أيلول 2000 التي شهدت اندلاع "الانتفاضة الثانية"، والتي تعدها أساسا لأنها شهدت مرحلة ولادة المؤسسات السياسية في مناطق الحكم الذاتي، وهي مختلفة عن فترة 1987-1990 التي شهدت ولادة الحركة سياسيًا.
 
-الكتاب: حماس والمجتمع المدني في غزة، شغل قطاع الإسلام السياسي الاجتماعي
-المؤلفة: سارة روي
-عدد الصفحات: 324
-الناشر: مطبعة جامعة برنستن، برنستن, الولايات المتحدة الأميركية- أكسفورد, بريطانيا
-الطبعة: الأولى/ 2011
وهي مهمة من وجهة نظر المؤلفة أيضًا، لأنها شهدت تحولا دراميا في الحركة و"اعتدالها" السياسي المرتبط بالتكيف والتغير. ومع أن المؤلفة تصف ميثاق حماس بالعنصري والمعادي لليهود، إلا أنها ترى تغيرًا أساسًا في خطابها السياسي واستعدادها لقبول قيام دولة فلسطينية في الضفة والقطاع والقدس الشرقية عاصمة، مع حق العودة (إلى أين؟) إلى جانب إسرائيل "اعتمادًا على مقابلة خالد مشعل مع صحيفة النيويورك تايمز بتاريخ 15 مايو/أيار 2009".
 
الفصل الثاني عنوانه: "تاريخ مختصر لحماس والحركة الإسلامية في فلسطين"، تعريف الأخيرة جغرافيًا في (الضفة والقطاع). وعلى هذا فإن الكاتبة تعد فلسطين، كيانًا سياسيًا، ولدت في عام 1967 وليس في عام 1917!

الفصل الثالث: "تصورات الإسلام السياسي (islamist) للمجتمع الأهلي (civil)". المؤلفة، التي لا تعرف العربية -لأنها تقول إنها كانت تتحدث مع المسؤولين عبر مترجم من فتح- بالرغم من أنها أقامت أكثر من عقدين من الزمن في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، تمر باختصار على تصورات وتعريفات مختلفة لبعض مفكري حركات الإسلام السياسي، ومنهم على سبيل المثال محمد سليم العوا وراشد الغنوشي، إضافة إلى بعض الباحثين في تلك الحركات، ومنهم أحمد موصللي الأستاذ في الجامعة الأميركية ببيروت، ووجيه كوثراني، وخالد زيادة، وبرهان غليون وآخرون.
الفصل الرابع: "نشوء مؤسسات الإسلام السياسي الاجتماعية في قطاع غزة: قبل أوسلو وبعدها (تاريخ اجتماعي سياسي)". القسم يبحث في نشوء المؤسسات الاجتماعية السياسية قبيل ظهور حماس كحركة سياسية، وتسمي بعضها التي تأسس على يد حركة الإخوان المسلمين، مثل "المجمع الإسلامي" الذي أسسه الشيخ الشهيد أحمد ياسين عام 1973، وشارك في رئاسته كل من إبراهيم اليازوري وعبد العزيز الرنتيسي ومحمود الزهار.
 
وتلى ذلك تأسيس "الجمعية الإسلامية" في عام 1976، ثم جمعية الصلاح الإسلامية عام 1978، ثم جمعية الشابات المسلمات عام 1981، وغيرها. المؤلفة لم تضع أسماء المؤسسين بالأحرف اللاتينية الرديفة، مما منعنا من ذكرهم حتى لا نخطئ، ويمكن للراغب العودة إلى مواقع المؤسسات في الإنترنت.

الفصل الخامس: "مؤسسات الإسلام السياسي الاجتماعية: نحو تأسيس قرينة وصفية". المؤلفة خصصت هذا الفصل للحديث عن المؤسسات الاجتماعية للإسلام السياسي ونشاطها الاجتماعي البعيد عن العمل العسكري، حسبما تتهمها المؤسسات الرسمية الأميركية وغيرها.

الفصل السادس: "مؤسسات الإسلام السياسي الاجتماعية: استنتاجات مفتاحية تحليلية". هنا ترى أن حماس وبالرغم من نشاطها ونجاحها الكبيرين في المجال الاجتماعي، لم تتمكن من كسب أتباع على الصعيد الفكري العَقدي، هذا بالرغم من فوزها الحاسم في انتخابات عام 2006. وتلاحظ المؤلفة أن عدم تمكن حركة حماس من كسب أتباع سياسيين لها يعود أيضًا إلى عدم تمكنها من تحقيق تقدم على الصعيد السياسي.
في ظني إن المؤلفة لم تصل إلى استنتاجات مصيبة هنا، حيث أهملت جانبا مهما تعرض له باحثون قبلها، وهو أن السبب الرئيس لنجاح حماس في تلك الانتخابات كان إدماجها الجانب الوطني في برنامجها السياسي الديني إلى حد كبير، وهو ما قربها جدًا من جزء كبير من قطاعات الشعب الفلسطيني في الضفة المحتلة والقطاع المحاصر، إلى جانب الفساد غير القابل للإصلاح في الطبقة السياسية الفلسطينية في السلطة ومنظمة التحرير.

الفصل السابع: "أولويات الإسلام السياسي المتغيرة: من تفويض أهلي إلى نكوص أهلي، الانتفاضة الثانية وما بعدها". الكاتبة تصل إلى استنتاجات أهمها أن فترة العقدين منذ اتفاقات أوسلو شهدت انحدارًا واضحًا في مستوى حياة الفلسطينيين، إضافة إلى اختفاء الإمكانات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، الحقيقية منها والمتوهمة.
 
"
ترى الكاتبة أن التحدي الكبير الذي يواجه الفلسطينيين هو المحافظة على أنفسهم كمجتمع متماسك، وهو ما عملت حماس على تحقيقه طوال الوقت, لكنها لا تحمل حركة حماس وحدها مسؤولية ما حصل، وفي الوقت نفسه لا ترى أن الحل بيدها فقط
"
ولذا فإنها ترى أن التحدي الكبير الذي يواجه الفلسطينيين هو المحافظة على أنفسهم كمجتمع متماسك، وهو ما عملت حماس على تحقيقه طوال الوقت. لكنها لا تحمّل حركة حماس وحدها مسؤولية ما حصل، وفي الوقت نفسه لا ترى أن الحل بيدها فقط.

المؤلفة أضافت فصلا قصيرا عن عدوان عام 2008 وتأثير ذلك على الوضع في غزة ونشاط حماس الاجتماعي في القطاع. ومن المثير ذكر المؤلفة مشاركة حكومات عربية وحكومة محمود عباس في حصار حماس، حيث ذكرت أنها قامت في السنتين السابقتين بطرد نحو 300 إمام جامع في الضفة الغربية، كما قامت بإقالة نحو ألف مدرس للشك في انتمائهم إلى حماس أو التعاطف معها وعدم التعاطف مع حركة فتح، كما اعتقلت 6 أعضاء هيئة تدريس بجامعة النجاح للشك في علاقة لهم بمؤسسات اجتماعية مرتبطة بحماس أو قريبة منها.
 
كما عملت على التحكم في التبرعات للمؤسسات الخيرية التي تصل إلى القطاع من الضفة الغربية المحتلة. الكتاب يضم قائمة بـ 27 مؤسسة اجتماعية في القطاع سمحت للمؤلفة بذكرها كمتعاونة في الكتاب، مما يعني أن هناك مؤسسات اجتماعية أخرى ساعدت المؤلفة لكنها فضلت عدم الإفصاح عن هويتها، لماذا؟!
 
تأملات في الكتاب
عندما نقرر عرض كتاب أو نقده، فإن أول ما نبحث عنه فائدة الكتاب للقضية العامة التي يبحثها، لأن أي معرفة مفيدة.
عندما قرأنا هذا الكتاب، لاحظنا عدة أمور سوف نسردها الآن ونترك للقارئ الوصول إلى استنتاجاته الخاصة، بعيدًا عن محاولة التأثير فيه.

مع أن المؤلفة حصلت على تعاون كبير من المؤسسات موضوع البحث وكذلك من حكومة حماس المقالة، نلاحظ ذكرها أن هناك أشخاصًا، أفرادًا وقيادات مؤسسات، ساعدوها في الوصول إلى المعلومات التي كانت تبحث عنها، ولكنهم رفضوا أن تذكر أسماءهم في المؤلف! المؤلفة لم تذكر أسباب ذلك. هل لأنها يهودية؟ أم لأسباب أخرى يمكن أن تكون أحاجي؟!
 
أمر آخر لاحظناه، هو اهتمام المؤلفة بذكر أن هناك أفرادا رفضوا التعاون معها، لكنها لم تذكر أسباب ذلك! هل لأنهم شكوا في هدفها، أم بسبب انتمائها الديني، أم لشكهم في فائدة المؤلف... إلخ.
تساؤلات نضعها أمام القارئ راجين أن يتمعن فيها.
عندما نقيِّم عملا ما ومدى استعدادنا للمساعدة في إنجازه، فإن أول ما ننظر إليه الفائدة التي سنجنيها نحن، بصفتنا الاجتماعية وليست الفردية. وما يخص هذا المؤلف تحديدًا نسأل: ما الفائدة التي تعود على الشعب الفلسطيني من وراء الانخراط في مساعدة المؤلفة؟ لنقل: ما الفائدة التي عادت على حركة حماس أو الإسلام السياسي في قطاع غزة من ورائه؟!

نساعد القارئ في فهم أبعاد سؤالنا. المؤلفة قالت إن عملها اقتضى تغطية عمل المؤسسات الاجتماعية في القطاع: الجمعيات الخيرية، والمدارس، وبرامج الرعاية، ومراكز الأبحاث، ومراكز دعم اليتامى، ومراكز الرعاية، والمراكز النسائية، والمراكز الشبابية، وبيوت المسنين، ومراكز الرعاية المتخصصة، والمراكز الصحية، والمعسكرات الصيفية، ولجان الزكاة، والمراكز الإسلامية لمخيمات اللاجئين في القطاع، والمؤسسات الاقتصادية، والمعامل، والمؤسسات الاقتصادية الخاصة.

والمؤلفة قالت إن هدفها ليس دراسة الحركات الإسلامية، وإنما تعدى ذلك إلى إدخال مفاهيم "الأهلية/ civism" في فكر الإسلام السياسي، وكيفية تطبيق ذلك في المؤسسات الأهلية والحياة الاجتماعية والنظام والاستقرار والقانون... إلخ.

"
الدراسة تهدف إلى تغطية المكونات الاجتماعية لحركات الإسلام السياسي، وطبيعة العمل الاقتصادي الاجتماعي الإسلامي وتأثيره على نحو خاص في تطور المجتمع واستقراره
"
وهدف دراستها تغطية المكونات الاجتماعية لحركات الإسلام السياسي، وطبيعة العمل الاقتصادي الاجتماعي الإسلامي وتأثيره على نحو خاص في تطور المجتمع واستقراره. وهي ركزت على أجندات مؤسسات محددة، وطريقة عملها وإدارتها وزبائنها ومجالات نشاطها، وما المؤسسات التي تعد إسلامية وما الذي يحدد ذلك، ومدى تبعيتها لحماس.

كذلك ما نشاطات تلك المؤسسات وتأثيرها في المجتمع وفي هويته الإسلامية وما أهدافها وأولوياتها، وما مدى تطرف تلك المؤسسات الاجتماعية الاقتصادية ومدى ارتباطها بالعنف.
إضافة إلى ذلك، دراسة طبيعة عمل الإسلام السياسي في المجالين الاجتماعي والاقتصادي، أثناء فترة أوسلو، ومكامن قوتها وضعفها والآفاق التي فتحتها لنفسها ومدى تأثير الخارج فيها. كذلك التأثير المتبادل بين المؤسسات الإسلامية السياسية والاجتماعية وطبيعة العلاقة بينها.
 
هذه نقاط ذكرتها الكاتبة في تقديمها للعمل وأهدافه، تساؤلات نترك للقارئ المحترم الذكي تقدير أهمية الكتاب، والطرف المستفيد منه.

المصدر : الجزيرة

التعليقات