عرض/ حسين عبد العزيز
يهدف الكتاب إلى تشخيص أزمة الدولة في الوطن العربي من جميع جوانبها وأبعادها التاريخية. وقد ركز الباحثون في توصيف هذه الأزمة على ثلاثة مستويات: السياسي حيث جرى الحديث عن تسلط الدولة واستبدادها واستنزاف ثرواتها، والاقتصادي حيث فشلت سياساتها التنموية التي أدت إلى مزيد من الإفقار وغياب العدالة، والاجتماعي حيث هيمنت سيادة الطائفية والإثنية والقبلية على سلوك الدولة.
 
تشريح أزمة الدولة في الوطن العربي
يمكن تحديد ثلاث مجموعات متمايزة من الأزمات التي تواجه الدولة العربية:
تتمحور المجموعة الأولى، الأكثر إلحاحا وخطورة حول احتمالية انهيار الدولة أو فشلها، وبحسب دوائر محللي وصانعي السياسة في الغرب تسير اليمن على درب الفشل في ظل تراجع قدرة السلطة المركزية على السيطرة الأمنية على أراضيها وإدارتها.

-الكتاب: أزمة الدولة في الوطن العربي
-المؤلف: مجموعة باحثين
-عدد الصفحات: 575
-الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية, بيروت
-الطبعة: الأولى/ 2011
ومع تنامي حضور ووزن طيف واسع من القوى اللادولتية القبلية والمذهبية والجهادية التي تصارع السلطة وتتصارع مع بعضها بعضا على نحو متفاقم، يذهب صناع السياسة في الغرب إلى أن بقاء الدولة اليمنية بكيانها الراهن، أي كما تبلور منذ الوحدة لم يعد يبدو محصلة حتمية.

أما السودان فقد انفصل الجنوب عن الشمال في وقت تواصل الخرطوم -بحسب الباحثين- إساءة إدارة أزمة دارفور إلى الحد الذي أضحت معه مؤسسات الدولة غير قادرة على القيام بوظيفتي الأمن وتخصيص الموارد لسكان المنطقة.

ومع أن مؤسسات الدولة العراقية قد تبدو أكثر تماسكا وأقل عرضة لخطر الانهيار الآن عما كان عليه الحال في عامي 2005 و 2006، إلا أنها ما زالت تعاني تصارع قوى سياسية ومجتمعية على النفوذ بداخلها وتهافتها على السيطرة عليها، انطلاقا من رؤية متناقضة للدولة ووظائفها، ففي حين يدفع الأكراد باتجاه إقامة نظام فيدرالي بالغ اللامركزية وأقلمة توزيع الثروة، يخشى السنة وأخيرا بعض الجماعات الشيعية أن فهم الأكراد للفيدرالية يوازي تفكيك الدولة.

ثم إن التحديات التي تواجه الدولة تتصاعد نظرا إلى تضارب أجندات القوى السياسية المؤثرة، وهو ما رتب منذ الانتخابات التشريعية الأخيرة حالة من الشلل لمؤسسات الدولة، ويضيف الباحثون إلى هذه الدول الثلاث، الصومال المهددة بالانهيار.

أما المجموعة الثانية، فترتبط بالحالات التي تنتزع بها القوى اللادولتية بعض الأدوار والوظائف التي عادة ما تضلع بها مؤسسات الدولة، ولا شك أن لبنان يمثل هنا الحالة الأكثر وضوحا، فالدولة تخلت تدريجيا عن دورها في الإدارة الأمنية والخدمات للضاحية الجنوبية من بيروت وللجزء الجنوبي من البلاد، بحيث باتت الضاحية والجنوب تحت حكم حزب الله الذي أصبح مسؤولا عن كل شيء.

ولا ينبغي بحسب المؤلفين حصر صعود القوى اللادولتية ومنازعتها الدولة اللبنانية بمسألة قوة حزب الله، إذ إن الدولة -منذ الحرب الأهلية- نقلت عمليا الإدارة الأمنية والوظائف المتعلقة بالتمثيل السياسي وتقديم الخدمات الاجتماعية والاقتصادية إلى منظمات ومجموعات مذهبية تعتني بفئات محددة من اللبنانيين.

ومع ذلك يرى المؤلفون أن لبنان ليس بالدولة المتداعية، إذ إن ما يميزه هو أن تقاسم السلطة وتوزيع الوظائف قد صار منهجا مقبولا، ومكن لبنان كدولة من الاستمرار.

أخيرا تتلخص المجموعة الثالثة من التحديات التي تواجه الدولة العربية في التفاوت البادي في الكثير من البلدان العربية، بين حداثة التركيب والبنى الاجتماعية والاقتصادية وتقليدية الأنظمة والمؤسسات المتوقع منها أن تدير الدولة وتضطلع بوظائفها.
 
وقد أفرز هذا التفاوت معضلة الحوكمة، ليس فقط بمعنى غياب الحكم الرشيد، بل أيضا تراجع القدرة الأساسية للحكم على صناعة وتطبيق السياسات العامة.

"
في بعض دول الخليج، تغير المجتمع والاقتصاد على نحو أعمق وأسرع في مجالي التعقد المؤسسي والتعددية الوظيفية من أنظمة ومؤسسات الحكم، ما دفعها إلى تأسيس ترتيبات جديدة "
ففي بعض دول الخليج، تغير المجتمع والاقتصاد على نحو أعمق وأسرع في مجالي التعقد المؤسسي والتعددية الوظيفية من أنظمة ومؤسسات الحكم، مما دفع الأخيرة إلى تأسيس ترتيبات جديدة قادرة على إدارة الطبيعة المتغيرة للمجتمعات.
وفي مجموعة أخرى من البلدان كالمغرب والجزائر ومصر، تبلورت في لحظات مؤسسات حكم قوية صنعت السياسات العامة بانفرادية، وتميزت بقدرتها على ممارسة درجة معتبرة من السيطرة على المجتمع، وتمكنت بالتبعية من إقامة أنظمة أوتوقراطية والحفاظ عليها، بيد أن هذه المؤسسات تعاني اليوم تراجعا حادا في دورها، وتواجه ممانعة شعبية متنامية.
 
أزمة الدولة في علاقتها بالمجتمع 
- لبنان:
يعالج هذا الفصل إشكالية تتعدى إطار البحث في الطائفية السياسية كنظام وقوانين، فالإشكالية المركزية في هذا الفصل، كيف توظف الطائفة في العمل السياسي كرافعة للسلطة؟ وكيف أمكن القضاء على التعدد الثقافي والسياسي الذي اشتهرت به الصيغة اللبنانية قديما؟ لتصبح الطائفة مشروع وحدة سياسية مغلقة، بل مشروع حزب سياسي واحد أحادي.

صحيح أن جانبا في الدستور اللبناني يسمح بذلك، وصحيح أيضا أن قانون الانتخاب يشجع، وصحيح أن أنظمة الأحوال الشخصية تهيئ المناخ والمزاج، ولكن ثمة ممارسة سياسية، وعملا سياسيا، بل وثقافة سياسية، أضحت جميعها عوامل تجمع بين الإرادة والبنية معا، إرادات تخطط وترسم وتثقف وتعبئ الطوائف من أجل خوض الانتخابات، أو تشكيل حكومة أو الحصول على الوظائف والمناصب.

أما بنية الطائفة فهي مجال استثمار وحقل عمل سياسي، يوظف عبرها الدين والمذهب في نظام مصالح، وشبكات ولاء، ومنظومة زعامات تلعب فيها الزبائنية والمحسوبية الدور الأساسي في إعادة إنتاج الولاء والانتماء إلى الطائفة/الحزب.
  
- السعودية:
وعلى عكس ما تذهب إليه مقولة إن الطائفة في لبنان وسيط بين المواطنة والدولة، من خلال تحولها إلى حقل اجتماعي وثقافي وسياسي قابل لتوليد نزعة الطائفية السياسية، وكقاعدة لنظام سياسي كأيديولوجيا لحزب أو حركة، يذهب مؤلف هذا الفصل إلى عدم التسليم بالتصور الشائع بفرضية اضطلاع القبيلة بدور الوسيط بين الدولة والمجتمع على الأقل في هذه المرحلة، لكن في الوقت ذاته، تعتبر العلاقة بين الدولة باعتبارها بناء فوقيا ومجتمع الجزيرة علاقة مأزومة، بسبب افتقار العلاقة بين الحكام والمحكومين إلى المؤسسات العصرية.

إن السعودية تقوم على نظام قبلي يعتمد بشكل أساسي طريقة في الحكم تقوم على ذوي القربى الأقارب والأباعد، وهذا يعود إلى مرحلة تأسيس المملكة حيث غاب عنها مفهوم الوطن، فالحروب التي خاضها ابن سعود هي حروب فتح في بيئة قبلية رعوية مفتوحة الآفاق، جمعت بين الجهاد والغنيمة.

"
أزمة الدولة السعودية ستستمر في حال لم يجر إحداث عملية جراحية في بنية النظام، ينتج عنها إحداث تبدلات رئيسة في البنية الفكرية والاجتماعية والاقتصادية
"
وعليه فإن الدولة السعودية حملت مأزمها خلال عملية الانتقال من البداوة إلى "العصرنة"، ولا سيما بعد اكتشاف النفط، فتشكل نظام ريعي هو مزيج من تركيبة ثيوقراطية وأوتوقراطية، لا مؤسسات تشريعية فيها ولا دستور، وفي ظل تشكل الدولة الريعية، اعتمد الناس في قوتهم ومعاشهم على ما تجود به أريحية الحاكم، وإذ تتحكم الأسرة الحاكمة بعملية توزيع الريع، إلا أن تضعضعا حصل في دور القبيلة واختزل حضورها في الجوانب الاعتبارية.

وبناء على ذلك، يمكن الوصول إلى نتيجة أن قبائل السعودية أضحت قبائل مستتبعة لمركز السلطة، تسعى إلى استرضاء صاحب القرار المتحكم في توزيع الريوع، كما أضحت ملجأ انتماء اعتباري للمواطن، في ظل غياب المؤسسات والأحزاب، ومن دون أن يكون لهذا الانتماء تأثير يذكر في ميزان القوة.
 
وبطبيعة الحال، فإن أزمة الدولة ستستمر في حال لم يجر إحداث عملية جراحية في بنية النظام ينتج عنها إحداث تبدلات رئيسة في البنية الفكرية والاجتماعية والاقتصادية السعودية.
 
أزمة غياب العدالة الاجتماعية
يحاول هذا الفصل دراسة درجات انتشار الفقر والتفاوت المعيشي في بعض البلدان العربية، ويحاول التعرف على درجة الترابط بين تزايد الفقر وتفاوت الدخل من جهة، والسياسات التنموية التي اتبعتها هذه الدول من جهة ثانية.

يعتبر النمو الاقتصادي المحرك الأول للتنمية، وهو أهم وسيلة لعلاج الفقر، وبحسب بيانات البنك الدولي، فإن زيادة قدرها 1% في متوسط دخل دولة ما، ينتج عنها انخفاض قدره 2.4 % في مستوى الفقر.

ويرتبط الفقر كذلك بعلاقة طردية مع مستويات التفاوت في الدخل، لأنه كلما كان توزيع الدخل أكثر عدالة، زاد نصيب الفقراء، وانخفضت نسبة الفقر، وكان أثر النمو الاقتصادي في تقليل الفقر أكبر.

إن متوسط دخل الفرد في الأغلبية العظمى من البلدان العربية ذات الكثافة السكانية لا يزيد على 5000 دولار سنويا، وهذا يعني أن غالبية العرب يعيشون على دخل منخفض، وإن كانت آلية الإعلام الغربي تخلط بين هذه الحقيقة ومتوسط الدخل في الدول النفطية، التي لا تمثل شيئا من إجمالي سكان الدول العربية.

ويعطي كاتب هذا الفصل مثالا على ذلك، ففي عام 2008 بلغ متوسط دخل الفرد في موريتانيا 1128 دولارا، في حين بلغ في قطر 70651 دولارا.

إن النمو الاقتصادي المعتمد على مصدر وحيد للدخل، مثل النفط أو تحويلات العمالة المرتبطة به، أو المساعدات الأجنبية أو مداخيل السياحة، هو نمو متذبذب وغير مستقر، فلا بد من وجود هياكل اقتصادية متنوعة، وهذا التنوع ليس ممكنا في ظل غياب التكامل الاقتصادي العربي.

"
الفقر مرتبط بعلاقة طردية مع مستويات الفساد والهدر، والنمو الاقتصادي شرط ضروري ولكنه غير كاف لتحقيق العدالة واستئصال الفقر
"
ويؤكد المؤلف هنا أن الفقر مرتبط بعلاقة طردية مع مستويات الفساد والهدر، وأن النمو الاقتصادي شرط ضروري لكنه غير كاف لتحقيق العدالة واستئصال الفقر.

ولهذا عندما عجزت سياسات النمو الاقتصادي عن تحقيق أهدافها، بدأ الحديث عن ضرورات توفير أساسيات الحياة، مثل الصحة والتعليم والسكن، ثم بدأ الحديث في الثمانينيات والتسعينيات من القرن المنصرم الحديث عن تنمية العنصر البشري، قبل أن يتطور الحديث عن ضرورة وجود حكومات رشيدة.
 
 أثر المحيط الإقليمي والدولي في أزمة الدولة
أدى الاختراق الأجنبي للنظم السياسية العربية إلى التأثير سلبا في أداء المنظومة الجامعة وإلى عملية تقويض المقومات الضامة للنسيج الاجتماعي، كما أدى إلى القضاء على إمكان توليد آليات مناسبة لمعالجة النزاعات العربية المتبادلة.

ومن أوجه هذا التقويض، نمط المعالجة الأميركي للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، الذي لم يخرج عن أسلوب الوسيط غير النزيه، فعزز بذلك الوجود الإسرائيلي، وشجع إسرائيل على الاعتداء على العرب.

كما أن نمط المعالجة الأميركية للأزمة النووية الإيرانية، أدى -في ضوء الخصائص الراهنة للنظام الإيراني- إلى استعار أوار النزاعات الطائفية المذهبية على ساحل الخليج العربي، وإلى تحويل المناخ السياسي العربي العام إلى جو من التشاحن بين من هم مع إيران أو ضدها.

لقد فوتت العوامل الدولية والإقليمية فرص التنمية على دول عربية محورية مشرقا ومغربا، مقارنة بمنطقتي شرق آسيا وأميركا اللاتينية، إذ يذهب جزء كبير من موازنات الدول العربية إلى التسليح، ومن أوجه ذلك التغذية الغربية وخاصة الأميركية للنزاع العربي الإيراني، حيث يصبح ذريعة لبناء نزعة عسكرية وشراء أسلحة لدول الخليج، وكل هذا في ظل غياب جهد خلاق من الجانبين العربي والإيراني لبناء قاعدة للتوافق حول المصالح المشتركة.

"
الاستعصاء الديمقراطي في المنطقة العربية لا يعبر عن سمة أصلية وطبيعية في البنية الاجتماعية العربية، بل هو ظاهرة محدودة ناجمة عن عوامل دولية وإقليمية
"
وفيما يتعلق بما يسمى الاستعصاء الديمقراطي في المنطقة العربية الذي يروج له في الغرب، فإن مؤلف هذا الفصل يرى أن هذا الاستعصاء لا يعبر عن سمة أصلية وطبيعية في البنية الاجتماعية العربية، إنها ظاهرة محدودة ناجمة عن عوامل دولية وإقليمية من شأنها تغذية النزعة الاستئثارية للعصب المسيطرة، وعسكرة الدول واستئساد النظم الحاكمة، وطغيان أجهزتها الأمنية على العملية السياسية.
 
وكل هذا يلقى تشجيعا من الغرب والولايات المتحدة، أو غض طرف عنه ما دامت الأنظمة تؤدي دورها المرسوم في إمدادات الطاقة وتأمين العلاقة مع إسرائيل ومجابهة الإرهاب.                                                  

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك