عرض/ أحمد التلاوي

يأتي تقرير "حال الأمة" -الذي يصدر سنويا عن مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت- لهذا العام وقد اجتاحت رياح التغيير مختلف أنحاء العالم العربي من أقصاه إلى أقصاه، لتعيد الاعتبار إلى إرادة الشعوب العربية التي ظلت متغيرًا مغيبًا في عملية صنع القرار على المستويين القـُطـْري والعربي منذ عقود طويلة.

ففي الداخل أطاحت الجماهير الثائرة في تونس ومصر وليبيا بأنظمة عتيدة تلازمت طيلة عقود حكمها بأشكال الفساد مع صنوف الاستبداد، وما زالت الجماهير في اليمن وسوريا تخوض صراعًا شرسًا مع نظامي الرئيس اليمني علي عبد الله صالح والرئيس السوري بشار الأسد من أجل نيل حريتها وكرامتها.


-الكتاب: حال الأمة العربية 1010-2011.. رياح التغيير
-المؤلف: مجموعة من الباحثين
-تحرير: د.أحمد يوسف أحمد  د.نيفين مسعد
-عدد الصفحات: 304  
-الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية, بيروت
-الطبعة: الأولى/ مايو2011م

تلكم الروح الثورية التي تبعث الأمل في مستقبل عربي أفضل تخللت تقرير هذا العام، وطبعت عنوانه بحيث يمكن القول إنها -أي هذه الروح- مثلت اختيارًا واعيًا لبديل النهضة الذي وضعه عنوان التقرير العام الماضي في مواجهة بديل السقوط؛ إذ كان عنوانه "حال الأمة العربية 2009-2010: النهضة أو السقوط".

 ويتكون التقرير من 11 قسمًا ناقشت القضايا والتطورات الرئيسة التي مر بها العالم العربي في الفترة التي يغطيها، ما بين عامي 2010 و2011، مثل التطورات الإقليمية والدولية المرتبطة بحال الأمة العربية، وثورة الديمقراطية في العالم العربي ما بين المسارات الآنية والمآلات المستقبلية المتوقعة.

كما اهتم التقرير برصد الأوضاع في عدد من البلدان العربية بشكل خاص ومستقل، مثل لبنان واليمن والسودان والصومال والعراق، مع تركيز بؤرة الاهتمام أيضًا على القضية الفلسطينية وأوضاع الاقتصاديات العربية في ظل التحولات الراهنة في الاقتصاد العالمي.

أشرف على إعداد الكتاب وتحريره الدكتور أحمد يوسف أحمد مدير مركز دراسات الجامعة العربية، والدكتورة نيفين مسعد أستاذة العلوم السياسية بكلية الاقتصاد بجامعة القاهرة؛ وشارك فيه نخبة من الباحثين والمفكرين العرب، من بينهم أحمد إبراهيم محمود، ومحمد سعد أبو عامود، ومحمد محسن الظاهري، وأمجد خليل الجباس، ومحمد نور الدين، وساسين عساف، ومنير الحمش، وعبد الوهاب الأفندي، ومحمد جمعة، ووليد الزبيدي؛ كما شارك كل من الدكتور أحمد يوسف والدكتورة نيفين مسعد بأوراق ضمن الكتاب.

تراجع القوى الغربية 
يبدأ التقرير بالجزء الخاص بالنظام الدولي والوطن العربي، والذي رصد أهم التطورات على الصعيد الدولي خلال 2010-2011م، وناقش تأثيراتها القائمة والمحتملة في المستقبل المنظور على القضايا العربية الرئيسة والأوضاع العربية بصفة عامة، كما عرض هذا الجزء لطبيعة التغيرات القائمة في في هيكل النظام الدولي وسياسات القوى الدولية تجاه الأوضاع والقضايا العربية، وصولا إلى كيفية تعامل العرب مع القوى والمتغيرات الدولية الراهنة
.

المتغير الأهم الذي ركز عليه هذا الجزء من التقرير هو تراجع مستوى تأثير القوى الغربية، سواء الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي على صيرورات السياسة الإقليمية والعالمية، في مقابل تنامي تأثير قوى أخرى صاعدة مثل الصين والهند، مع ما لذلك كله من تأثير على واقع الحال السياسي في العالم العربي.

 ولكن في هذا الإطار ثمة ملاحظتَان جديرتان بالاهتمام، الأولى هي أن فكرة تراجع الدور الأميركي في المنطقة لأسباب معينة، من بينها ما يتعلق بسياسات الرئيس الأميركي باراك أوباما نفسه، ودور المقاومة في العراق، التي تصدت لجانب مهم من المشروع الأميركي الجديد في الشرق الأوسط، وهو الذي سوقت له دوائر المحافظين الجدد في الولايات المتحدة أيام بوش الابن، كانت غالبة في تقييم العوامل السياسية الخارجية التي حكمت حراك العالم العربي في السنة المنصرمة، في هذا الجزء وفي غيره من التقرير.

"
يلحظ التقرير تراجع مستوى تأثير القوى الغربية، سواء الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي على صيرورات السياسة الإقليمية والعالمية، في مقابل تنامي تأثير قوى أخرى صاعدة مثل الصين والهند
"
ولقد ازداد عمق مناقشة التقرير لهذه القضية عند الحديث عن بعض البلدان التي يمكن القول إنها مخترقة في قرارها السياسي بسبب غياب أو ضعف وجود وسلطة الدولة المركزية فيها، إما لأسباب خارجية مثل الاحتلال في حالة العراق، أو لأسباب داخلية، مثل الاصطفاف الطائفي كما في حالة لبنان.

وهذا يقود إلى الملاحظة الثانية المتعلقة بدور القوى الإقليمية والدولية في تحريك وتوجيه مسارات السياسة العربية أثناء الفترة التي يغطيها التقرير، أو بشكل عام؛ حيث إن غالبية التحليلات ووجهات النظر التي أوردها التقرير، والتي لا تختلف في حقيقة الأمر عن الكثير من التقديرات التي تذكرها مراكز الأبحاث ووسائل الإعلام الأخرى، تشير إلى أن العالم العربي في كثير من الأحيان إنما هو طرف "مفعول به"، وليس طرفا فاعلا.

فعندما تناول الكتاب بالتقدير دور صعود الهند والصين كقوى إقليمية ودولية، ذكر مسارات الفعل والتأثير ذاتها التي تلعبها الولايات المتحدة في عالمنا العربي، مثل محاولة الاستحواذ على أكبر قدر ممكن من مكامن الطاقة في العالم العربي، وعلى أكبر شريحة ممكنة من الأسواق العربية، وهذان العاملان -مصادر الطاقة والأسواق- هما الأبرز فيما يدفع القوى الكبرى -أيا كانت- للاهتمام بالعالم العربي.

أي أن صعود قوى غير القوى الغربية لم يختلف معه الحال كثيرًا في عالمنا العربي، وفق ما تذهب إليه غالبية الرؤى التي قدمها معدو الأوراق في هذا التقرير، فمن الاستغلال الأميركي لثروات العالم العربي، تأتي الهند والصين لتلعب الدور نفسه بالمحددات والنظرة نفسها.

تدويل النظام الإقليمي العربي
هذا على المستوى الإستراتيجي العام للعالم العربي ككل، ولم يختلف الأمر على المستوى الإقليمي أو القـُطـْري الأصغر، فهناك العديد من الفاعلين الدوليين والإقليميين الكبار لهم تأثير عميق على تطور الأحداث في الكثير من بلداننا العربية، فهناك تأثير عميق في الوقت الراهن لإيران وتركيا على مجريات الأمور في الشرق العربي، كما في لبنان والعراق، وهو ما أطلق عليه التقرير عبارة "تدويل النظام الإقليمي العربي"
.

يُضاف إلى ذلك أن الحالة في البلدان العربية الكبرى القادرة على قيادة العمل العربي المشترك لا تسمح لها بالتصدي لهذه الرياح العاتية من التأثيرات الوافدة، فمصر وسوريا والعراق في وضع لا يسمح لها بسياسة خارجية قوية وفعالة، يُضاف إلى ذلك عامل شديد الأهمية، وهو أن الكثير من الجيوش العربية الكبرى لم تعد في وضع يسمح لها بأن تكون ركيزة للأمن القومي العربي.

فمن بين جيوش البلدان العربية الأقوى لم يعد باقيا ومتماسكا غير الجيش المصري، بينما في العراق لا يمكن الحديث عن جيش وطني موحد، أما في ليبيا فقد دمرت الحرب التي خاضها نظام العقيد الليبي المخلوع معمر القذافي نواة الجيش الليبي، أما في سوريا، فعلى الرغم من تماسك الجبهة الداخلية للجيش العربي السوري إلا أن استخدامه للقوة المفرطة ضد المحتجين، وتورطه في بعض الجرائم ضد مواطنيه، قد أحدث شرخًا قويًّا في علاقته بالمجتمع السوري.

وتبدو هذه القضية -قضية تأثير الوافد الخارجي غير العربي على الداخل السياسي والعام العربي- في الحالة العراقية كأوضح ما يكون، حيث إن تشكيل الحكومة العراقية تأخر ما يقرب من العامين بعد الانتخابات التي جرت في مارس/آذار من العام 2009، بسبب الدور الإيراني في توجيه الحياة السياسية في العراق.

"
هناك الكثير من عوامل الأزمة الكامنة في العالم العربي ككل، أو على مستوى بعض بلدانه وأطرافه، تعود إلى العرب أنفسهم وإلى ساستهم
"
عوامل الأزمة في العالم العربي
الأمر الآخر الذي تثيره الأوراق البحثية التي تضمنها الكتاب أن هناك الكثير من عوامل الأزمة الكامنة في العالم العربي ككل، أو على مستوى بعض بلدانه وأطرافه، تعود إلى العرب أنفسهم وإلى ساستهم.

ولو أخذنا على ذلك نموذجًا من واقع الحال العربي كما في لبنان، فإن سبب الأزمة السياسية الداخلية حاليًا في لبنان هو الخلافات ما بين فريق الموالاة أو قوى الرابع عشر من آذار، وبين حزب الله ومؤيديه، وخصوصًا فيما يتعلق بمسألة المحكمة الدولية لقتلة رئيس الوزراء الأسبق الراحل رفيق الحريري، كذلك هناك خلافات عميقة على المستوى الطائفي تمنع الدولة اللبنانية من أداء أدوارها في كثير من الأمور.

على المستوى الفلسطيني أيضًا، لعبت الخلافات القائمة ما بين حركتي فتح وحماس على المستوى الداخلي -بعيدًا عن القضايا الرئيسة المطروحة والخاصة بالقضية الفلسطينية والعلاقات مع إسرائيل- دورًا كبيرًا في تجميد الوضعية الحالية على مستوى الأزمة الداخلية الفلسطينية.

وفي هذه النقطة، يتوقع التقرير أو الكتاب ألا يتم إنجاز اتفاق المصالحة الفلسطيني، حيث إن تباين الرؤى والبرامج لا يزال موجودًا بين طرفي الأزمة.

في العراق أيضًا، لعبت الخلافات السياسية والطائفية دورًا كبيرًا في تأخير تشكيل الحكومة، وكان من وطأة ما جرى -حيث تم اتباع مختلف الوسائل من أجل الالتفاف على نتائج الانتخابات، وتولية رئيس الوزراء الحالي نوري المالكي للمنصب على حساب زعيم القائمة العراقية إياد علاوي- أن خرج العراقيون في فبراير الماضي، في جمعة أسموها بـ"جمعة الندم"، معربين فيها عن ندمهم على المشاركة في الانتخابات من الأساس!!

وفي شق متصل بهذه المسألة، يتضح أيضًا أن إهمال النظام الإقليمي العربي لقضايا الأمة كان وراء تفاقم الكثير من المشكلات، بالتشارك مع العوامل السابقة، والحالة الأبرز على ذلك هي الصومال، التي أصاب الجمود العملية السياسية فيها مع سيطرة حركة شباب المجاهدين عليها، وإهمال النظام الإقليمي العربي المنشغل بمشكلاته الذاتية للأوضاع هناك.

وبطبيعة الحال؛ فإن هناك تطورا مهما جرى على الحالة الصومالية لم يذكره التقرير، لأنه جرى بعد صدروه، وهو خروج حركة الشباب من العاصمة الصومالية مقديشو، وبالرغم من ذلك لم تتحرك الأمور في الصومال، بل إن المجاعات تضربه وسط صمت عربي رسمي عميم.

بجانب هذه القضايا والعوامل كان هناك الكثير من العوامل التي ألقت بظلالها على الأوضاع في العالم العربي خلال الفترة التي يغطيها التقرير، على رأسها بطبيعة الحال الثورات الشعبية العربية، التي نقلت مراكز القوة وصناعة القرار، ربما للمرة الأولى في التاريخ السياسي العربي الحديث، من الأنظمة والحكومات إلى الشعوب.

الأوضاع الاقتصادية

"
المشهد السياسي والاجتماعي العربي قد تغير في غضون الأشهر القليلة الماضية، ربما إلى الأبد، ومهما تكن الأوضاع سلبية؛ فإن الشعوب قد بدأت التحرك نحو معالجة الأمراض القائمة
"
كما يناقش الكتاب أيضًا الأوضاع الاقتصادية في العالم العربي، ومن خلال عددٍ من المؤشرات، من بينها مستويات الناتج القومي ونصيب الفرد منه (555 دولارا سنويا، وهو دون خط الفقر)، وكذلك مستويات البطالة (14.8% من قوة العمل في 2010) والديون الخارجية (663.3 مليار دولار في 2009)؛ فإن التقرير خلص في هذه الجزئية إلى وجود تحسن في مستويات النمو وتراجع في معدلات التضخم.

إلا أن هذه الأوضاع لم تكن على مستوى كل البلدان العربية، حيث إن المؤشرات الاقتصادية الإيجابية -مثل تراجع العجز في الموازنات العامة وفي مستويات التضخم- كان فقط على مستوى البلدان النفطية، إلا أن هذه البلدان عانت من مديونية كبيرة، بسبب عدم تنويعها في مصادر دخلها القومي، واعتمادها على الاستيراد للوفاء باحتياجاتها من السلع المصنعة.

وفي الأخير؛ فإنه مهما يكن الأمر، فإن المشهد السياسي والاجتماعي العربي قد تغير في غضون الأشهر القليلة الماضية، ربما إلى الأبد، ومهما تكن الأوضاع سلبية فإن الشعوب قد بدأت التحرك نحو معالجة الأمراض القائمة في عالمنا العربي ومشكلاته.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك