عرض/ زياد منى
 
ليس لدي فكرة عن عدد الكتب التي صدرت عن معاناة السجناء الفلسطينيين في فلسطين المحتلة، ولكن يمكن النظر إلى هذا المؤلف، الموجه للقارئ الأوروبي على نحو خاص، بصفته بحثا مطولا عن مختلف جوانب المسألة، القانونية والنفسية والسياسية.

محررتا الكتاب عبير بيكر وأنات مطر قسمتاه إلى ثلاثة أجزاء، كل منها يحوي عدة فصول. ونظرًا إلى أن عدد صفحات الكتاب محدودة، آخذين في الاعتبار تخصيص صفحات كثيرة للهوامش والفهارس، فيبدو أن مشاركة أكثر من 20 مساهمة ومساهما قلصت -إلى حد ما- من المقدرة على إعطاء بعض الموضوعات ما تستحقه من مساحة، دون أن يعني هذا الانتقاص من قيمة المؤلف وأهميته.
- الكتاب: تهديد، السجناء السياسيون الفلسطينيون في إسرائيل
- تحرير: عبير بيكر وأنات مطر
- عدد الصفحات: 262
- الناشر: بلوتو برس, لندن، بريطانيا
- الطبعة الأولى 2011
المساهمات والمساهمون في الكتاب ينتمون إلى مختلف مجالات الحياة، من سجناء فلسطينيين إلى محامين وأكاديميين "إسرائيليين" ونشطاء في المنظمات غير الحكومية، وخيرًا فعلت المحررتان بإضافة سيرة مختصرة لكل كاتبة وكاتب.
 
ونظرًا لتعقد موضوعات الكتاب وتشابكها، فسنكتفي بالإشارة إلى النقاط الرئيسة فيه، مع التوسع أحيانا في بعض مكوناته التطبيقية التي تعكس مدى معاناة السجناء الفلسطينيين في سجون العدو.
نقطة أخرى وجب الانتباه إليها عند تقويم الكتاب، وهو حقيقة أن معظم المشاركين فيه يعملون في مؤسسات إسرائيلية، بما في ذلك المحررتان (عبير بيكر تعمل محامية في مؤسسة "عدالة" وفي جامعة حيفا؛ وأنات مطر تعمل محاضرة في جامعة تل أبيب)، مما يحد بالضرورة من مقدرتهم على البوح بكل ما يعتمر قلوبهم وعقولهم، وبالتالي حتمية الانتقاص من الحقيقة المفجعة كما هي.
 
مثال ذلك إقحام اسم الأسير جلعاد شاليط في الكتاب وافتقاره -كما ادعت المحررتان- إلى حقوقه. لقد تم إقحام ذكر هذا الجندي، الذي أسر في أثناء حرب عدوانية، وكل حروب إسرائيل عدوانية، كشاهد زور على "موضوعية" الكتاب والكاتبين. الموضوعية ليست مطلوبة عند المفاضلة بين القاتل والقتيل، بين الجلاد والسجين، بين السياف والدم، بين العين والمخرز.

نحن نعلم أن اليهودي الصهيوني (سابقا) المتحمس، إيلان بابيه، صدّق يومًا ما الادعاء بوجود حرية البحث العلمي في الدولة الصهيونية، فدفع الثمن غاليًا شخصيًا وعلميًا بعدما تحرر من الصهيونية وصار من أهم أكاديميي العالم المدافعين عن الحق الفلسطيني.
 
الكتاب
الجزء الأول (77 صفحة) عنوانه "تحليل"، ومخصص للجانب النظري. الفصل الأول "مركزية مسألة الأسرى الفلسطينيين في النضال الفلسطيني ضد الاحتلال الإسرائيلي من منظور تاريخي"، خصصته الكاتبة مايا روزنفلد المحاضرة في الجامعة العبرية للحديث عن الموقع الذي تحتله مسألة السجناء الفلسطينيين في الوعي الفلسطيني.
 
الفصل الثاني الذي كتبه إسماعيل الناشف المحاضر في جامعة بن غوريون، هو "نحو قراءة مادية للاعتقال السياسي في فلسطين". آرون هارل، رئيس قسم في كلية القانون في الجامعة العبرية أبدى رأيه في المسألة بمداخلة مهمة عن السجناء الأمنيين وتعريفهم بالارتباط مع مسألة شرعية أنظمة السجون الخاصة بالسجناء الأمنيين.
 
يائيل بردا، المحامية المتخصصة بحقوق الإنسان، ومعيدة في جامعة برنستن بالولايات المتحدة، كتبت بحثا مهمًا هو الآخر عن تصنيف أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية للسجناء الأمنيين، وتوابع ذلك.

نهلة عبدو، أستاذة السوسيولوجيا في جامعة كارلتن بكندا والناشطة الفلسطينية، كتبت فصل "السجينات السياسيات الفلسطينيات والدولة الإسرائيلية" من منظور نسوي نقدي.
 
"
المعتقلات السياسيات الفلسطينيات يعانين اضطهادا مزدوجا، طرفه الأول تزوير الحركات النسوية الغربية الاستشراقية لحقائق وضعهن، وطرفه الثاني الدولة الاستعمارية وممارسات سجونها بحقهن كمناضلات
"
فهي أثبتت في مداخلتها أن المعتقلات السياسيات الفلسطينيات يعانين اضطهادا مزدوجا طرفه الأول تزوير الحركات النسوية الغربية الاستشراقية لحقائق وضعهن، وطرفه الثاني الدولة الاستعمارية الاستيطانية وممارسات سجونها بحقهن كمناضلات.
 
وهذا الفصل عميق للغاية، حيث يظهر مدى انغماس الحركات النسوية الغربية في مستنقع المنظور الاستشراقي الظالم، وهو ذاته الذي يستخدمه العدو المحتل لإهانة السجينات الفلسطينيات ومحاولة إخضاعهن.
 
الجزء الثاني (79 صفحة) عنوانه "اعتقال، تحقيق، محاكمة، إطلاق سراح" ينطلق نحو الجانب التطبيقي لما سبق، إذ ينقل صوت الضحايا بكلماتهم.
 
الفصل السابع يحوي مقابلة أجرتاها المحررتان مع الشيخ محمد أبي طير، عضو المجلس التشريعي عن حركة حماس في مدينة القدس المحتلة، (انضم إليها بعد تركه حركة فتح) الذي قضى نصف حياته (30 عامًا) في سجون الاحتلال مقسمة على ستة مراحل، روى فيها ظروف اعتقاله والمعاملة التي تلقاها في سجون إسرائيل، علمًا بأنه خاض الانتخابات استجابة لطلب رئيس السلطة في رام الله محمود عباس.
 
الفصل الثامن "اعتقالاتي المتعددة، التحقيقات المتعددة" كتبه أسامة برهم الذي قضى عشرين عامًا في سجون إسرائيل، ستة منها بصفته "موقوفا إداريا" بتهمة عضوية حركة فتح، ثم بتهمة الانتماء إلى حركة الجهاد الإسلامي. الكاتب تحدث مطولا عن معاملته وصنوف التعذيب الجسدية والنفسية التي مارسها السجان الإسرائيلي في مختلف فترات سجنه، ومنها فترة التوقيف الإداري، وكذلك محاولة الإسرائيليين اغتياله عام 2000.

الفصول اللاحقة تحوي "قصيدة" (الكولونيل والميجور) كتبها أفغدور فلدمن، المحامي الذي تخرج في جامعة تل أبيب للقانون، وكان محاميًا للعديد من المناضلين الفلسطينيين، ومنهم أربعمائة ناشط من حماس طردتهم إسرائيل عام 1991. القصيدة القصيرة (أقل من 50 بيتا) تصف تعذيب الإسرائيليين السجناء الفلسطينيين، وموتهم جرّاءه.
 
الكتاب لا يذكر أن القصيدة ترجمت عن العبرية أو أنها كتبت باللغة الإنجليزية. الكاتب نفسه كتب الفصل العشر "أهلا بك في بلاد الشين بيت" وهي الاستخبارات الإسرائيلية المعروفة الآن باسم "الشاباك"، يصف فيها "مملكة" الاستخبارات الإسرائيلية من نواحيها كافة وكيفية تعاملها مع السجناء.

الفصول المتبقية في هذا الجزء (ستة) تتعامل مع مختلف نواحي موضوع الاعتقال والسجن في إسرائيل، وهي: "بعد عقد من نطق المحكمة العليا حكمها بخصوص التعذيب، ماذا تغير؟"، و"أحجيات التوقيف الإداري"، و"إعادة تركيب قانونية المحاكم العسكرية الإسرائيلية في الضفة الغربية: احتلال عسكري أم فصل عنصري؟"، و"هل ثمة من (أسرى حرب)؟"، و"الفصام المؤسس: إطلاق سراح (السجناء الأمنيين) في إسرائيل"، وأخيرًا: "صفقات تبادل الأسرى: بين الأرقام والمشاعر"، كتبه منير منصور، وهو من مواطني فلسطين المحتلة عام 1948، قضى ما مجموعه 18 عامًا في سجون إسرائيل، وكان اعتقل للمرة الأولى عندما كان عمره 16 عامًا.
 
منير، الذي أطلق سراحه مع أكثر من ألف ومائة مناضل فلسطيني بمقتضى صفقة التبادل "النورس" التي عقدتها إسرائيل عام 1985 مع الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين (القيادة العامة)، وصف مختلف جوانب اعتقاله وما يعتل في نفوس السجناء عند طرح موضوع تبادل الأسرى.
 
"
الفلسطينيون في الأراضي المحتلة عام 1967، الذين تعرضوا للاعتقال لمدد مختلفة بين عامي 1967
و2009 وصل عددهم إلى 650.000 بينما وصل عدد الأسرى الفلسطينيين في سجون إسرائيل الآن إلى ما يقارب السبعة آلاف
"
الجزء الثالث والأخير عنوانه: "داخل السجن"، ويضم بمعظمه شهادات عن مختلف أصناف التعذيب الجسدي والنفسي التي يتعرض لها الأسرى، ويهتم على نحو خاص بمعانات الأسيرات اللاتي تحدثن عما تعرضن له من مذلة وتحقير وتهديد جسدي ونفسي.
 
الفصل السابع عشر (الأول في هذا الجزء)هو "السجينات والنضال: شهادة شخصية" كتبته عطاف عليان التي اعتقلت عشر سنوات عام 1978 بتهمة الانتماء إلى حركة الجهاد الإسلامي، وثانية عام 1997 بصفة "معتقل/ موقوف إداري"، وثالثة عام 2003 استمرت حتى عام 2006.
 
الأسيرة السابقة التي تعيش في رام الله روت في مداخلتها مختلف ضروب التعذيب التي مارسها السجان الإسرائيلي بحقها.
ميخائيل سفارد محام إسرائيلي متخصص في قوانين حقوق الإنسان الدولية، ومطلق حملة قانونية ضد "الجدار"، وضد نقل السجناء الفلسطينيين إلى داخل الأراضي المحتلة عام 1948، وضد شركة كندية كانت تقوم ببناء على أراض فلسطينية مصادرة، وغيرها، كتب الفصل الثامن عشر "جزيرة الشيطان: نقل السجناء الفلسطينيين إلى معتقلات داخل إسرائيل"، عقد فيها مقارنة بين ممارسات نظام جنوب أفريقيا العنصري والدولة الصهيونية، حيث تبين له تفوق الأخيرة في هذا المجال.
 
الفصول المتبقية هي: "الزيارات العائلية لأسر الأسرى في سجون تقع داخل إسرائيل"، و"العزل والحبس الانفرادي للسجناء والمعتقلين الفلسطينيين في المعتقلات الإسرائيلية"، و" تأثير العزل في الوضع النفسي"، وأخيرًا: "تزيين الوعي أو إعادة تعريف التعذيب".
 
الكتاب يحوي معلومات إضافية مهمة عن عدد الفلسطينيين في الأراضي المحتلة عام 1967 الذين تعرضوا للاعتقال لمدد مختلفة بين عامي 1967 و2009، حيث تبين أنه يصل إلى 650.000 فرد.

عدد الأسرى الفلسطينيين في سجون إسرائيل الآن يقارب السبعة آلاف، بينما قارب عددهم عام 2008 العشرة آلاف فرد، بين رجل وامرأة وحدثٍ (أقل من 18 عامًا).

ماذا بعد!
مع أن الكتاب يتعامل مع قضايا كثيرة، إلا أنه أفلح في تقديم صورة عامة لظروف حياة الفلسطينيين تحت الاحتلال، والظروف المأساوية التي يعانونها على يد "الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط". هذه الحقائق وغيرها معروفة لحكومات الدول الغربية ولمؤسسات حقوق الإنسان في الغرب، التي لا يندلع منها أي صراخ وعويل وبكاء إلا عندما يتعلق الأمر بجلعاد شاليط أو بأذى يلحق بإسرائيليين صهاينة.
 
"
 المشكلة الفلسطينية ليست تحسين ظروف اضطهاد الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال، والحديث عن بعض جوانب معاناة الشعب الفلسطيني على يد الصهيونية يجب أن يتم عبر نظرة شاملة للقضية
"
في الوقت الذي نرى أن الكتاب تعامل مع الموضوع بمعناه القانوني المحدود -وليس ضمن الإطار العام للقضية الفلسطينية التي هي قضية شعب سلب وطنه منه بقوة السلاح وطرد منها بالعنف- إلا أنه يبقى مهمًا لأن إسرائيليين معروفين شاركوا فيه وفضحوا طبيعة السلطة الصهيونية وجوهرها، وبالتالي سكوت الغرب الاستعماري عن كل ممارساتها، مقابل عويلها على حقوق شعوب الدول التي لا تسير في ركابها.
 
علينا دومًا تذكر أن المشكلة الفلسطينية ليست تحسين ظروف اضطهاد الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال، وأن الحديث عن بعض جوانب معاناة الشعب الفلسطيني على يد الصهيونية يجب أن يتم عبر نظرة شاملة للقضية. ومن المهم أيضًا تعريف "السجناء" الفلسطينيين في معتقلات العدو بأنهم أسرى حرب، ويجب معاملتهم على هذا الأساس.
 
والكتاب مهم أيضًا لأنه صدر باللغة الإنجليزية عن دار نشر إنجليزية مرموقة، ويتوجه إلى القارئ الغربي بلغته.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك