عرض/ بدر محمد بدر
يستعرض هذا الكتاب مشوار حياة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر منذ ولادته وحتى وفاته (1918-1970), ويقدم هذه الرحلة في قسمين: الأول من الولادة حتى قيام الثورة, والثاني منذ عام 1952 حتى وفاته.

 

والكتاب من النوع السردي التاريخي، وفيه مئات الصور والوثائق التي تغطي الفترة التي يتناولها، في الذكرى التاسعة والخمسين لقيام الثورة.

 

- الكتاب: جمال عبد الناصر
- المؤلفان: خالد عزب وصفاء خليفة
- عدد الصفحات: 556
- الناشر: الدار المصرية اللبنانية, القاهرة
- الطبعة: الأولى 2011

 
 
والمؤلفان خالد عزب الذي يعمل مديراً لإدارة المشروعات الخاصة بمكتبة الإسكندرية، والباحثة في نفس المكتبة صفاء خليفة, نجحا في تقديم معلومات مهمة، واجتهدا في توثيقها عن حياة عبد الناصر.

 

وقد امتدت المرحلة الأولى 33 عاما من حياة الرئيس المصري الأسبق, منذ نزوح عائلته من قرية "بني مر" (3 كلم شمال شرق مدينة أسيوط التي تبعد عن القاهرة إلى الجنوب بنحو 400 كلم), إلى ولادته منتصف يناير/كانون الثاني 1918 في حي "باكوس" بالإسكندرية, كابن أول لأبيه عبد الناصر حسين الذي كان موظفا صغيراً في مصلحة البريد.

 

وعاشت الأسرة حياة متواضعة لا تختلف كثيراً عن حياة مئات الآلاف من أبناء مصر الكادحين.

 

درس عبد الناصر التعليم الابتدائي في مدرسة "النحاسين" بالقاهرة الفاطمية, ثم عاد إلى الإسكندرية ليحصل على الشهادة الابتدائية من مدرسة العطارين، ثم درس في مدرسة رأس التين الثانوية, لكنه عاد مجدداً ليحصل على شهادة البكالوريا عام 1936 من مدرسة النهضة بالقاهرة.

 

التحاقه بالحربية
في فترة الثلاثينيات شارك عبد الناصر في المظاهرات التي قامت ضد دستور عام 1930 والذي كان يقف خلفه رئيس الوزراء إسماعيل صدقي باشا, وعقب حصوله على البكالوريا تقدم للالتحاق بالكلية الحربية, لكنه لم يوفق في النتيجة (اختبار كشف الهيئة) لأن والده كان موظفا صغيرا ولا يملك "واسطة".

 

لكنه لم ييأس, وتقدم مرة أخرى في مارس/آذار 1937 وتم قبوله هذه المرة, وتخرج من الكلية الحربية (كانت مدة الدراسة وقتها 16 شهرا فقط) في الأول من يوليو/تموز 1938 برتبة "ملازم ثان" في سلاح المشاة.

 

وتعرف في الكلية الحربية على عدد من رفاقه بعد ذلك, منهم زميل الدفعة محمد أنور السادات (الرئيس), ثم عبد الحكيم عامر وخالد محيي الدين وزكريا محيي الدين وعبد اللطيف البغدادي وكمال الدين حسين وحسن إبراهيم وصلاح سالم وجمال سالم وحسين الشافعي ويوسف صديق واللواء محمد نجيب.

 

وفي معسكر "منقباد" التابع لمحافظة أٍسيوط، بدأت أولى خطوات تشكيل خلايا سرية للعمل الوطني, وعندما بدأت ملامح النشاط في الظهور تم نقل الضباط إلى الإسكندرية وطنطا والقاهرة ومرسى مطروح, ونقل جمال عبد الناصر إلى منطقة إمبابة بالجيزة ومنها إلى منطقة العلمين (قرب الإسكندرية), ثم إلى "أبو زعبل" ومنها إلى السودان أوائل عام 1939.

 

وفي عام 1943 انتدب عبد الناصر للتدريس بالكلية الحربية, وفي يونيو/حزيران 1944 تزوج من السيدة تحية محمد كاظم، وهي ابنة تاجر إيراني الأصل قدم أجداده إلى مصر عبر العراق.

 

وفي أثناء وجوده بالكلية الحربية (1944-1946) التقى ثلاثة من أهم الشخصيات التي أثرت في طريقه, الأول خالد محيي الدين الذي تخرج بعده بعامين (1940) والذي عرفه بأحمد فؤاد المحامي, وقد أصبح رئيسا لبنك مصر بعد ذلك, وهو واضع قوانين يوليو/تموز الاشتراكية عام 1961.

 

كما تعرف على أحمد أبو الفتح رئيس وصاحب جريدة "المصري" الناطقة باسم حزب الوفد, وتواصلت اتصالات عبد الناصر بعدد من التيارات وعلى رأسها "الإخوان المسلمون" و"الحزب الشيوعي المصري".

 

"
ثورة يوليو/تموز قامت بدون نظرية، واعتمدت لفترة طويلة على التجريب في ممارسة الحكم, كما أنها هيئة سياسية ضمن نظام عسكري, بهدف إضفاء الشرعية السياسية على حركة الجيش
"
الضباط الأحرار
ويذكر الكتاب أن عام 1945 هو البداية الفعلية لتكوين "تنظيم الضباط الأحرار", حين كان عبد الناصر يعقد الاجتماعات مع الضباط في بيته, في أسلوب يجمع بين الجرأة والحذر واليقظة.

 

وفي عام 1948 درس عبد الناصر في كلية "أركان حرب" ليتخرج بعدها برتبة صاغ (رائد), ثم عاد إلى التدريس مرة أخرى في الكلية الحربية.

 

وعقب عودة الجيش المصري من حرب فلسطين في سبتمبر/أيلول 1949, تم التأسيس الفعلي لتنظيم الضباط الأحرار من عسكريين فقط. ولم يكن هذا التنظيم يحمل أيدولوجية واحدة, وتحولت المنشورات التي كان يصدرها إلى نشرة دورية في نهاية عام 1950 باسم "صوت الضباط الأحرار" التي انتشرت في أوساط الضباط بصورة كبيرة.

 

وابتداءً من يناير/كانون الثاني 1950 اختير عبد الناصر رئيساً للجنة التنفيذية للضباط الأحرار وحتى قيام الثورة عام 1952, كما تم اختيار اللواء محمد نجيب قائداً للحركة منذ أواخر عام 1951.

 

وفي عام 1952 تم إعداد خطة الاستيلاء على السلطة عبر السيطرة على المراكز المهمة لأسلحة الجيش المصري, ووضع ضباط من التنظيم على رأس تلك المراكز, وأن يتم تقسيم القاهرة إلى أربعة قطاعات, لكل قطاع مجموعة من الضباط الأحرار، وتم إسناد إدارة العمليات العسكرية للضابط زكريا محيي الدين.

 

وكان المفترض بدء تنفيذ الخطة في الواحدة من صباح يوم 22/7, لكنها تأجلت لمدة 24 ساعة, وتم تكليف علي ماهر برئاسة الوزارة بعد نجاح الحركة.

 

وبعد قيام الثورة بشهر واحد صدر قانون الإصلاح الزراعي الذي قرر حدا أقصى للملكية الزراعية لا يتجاوز 200 فدان للفرد, تم تعديلها عام 1961 إلى 100 فدان فقط، وفي عام 1962 تقلصت إلى 50 فدانا للأسرة.

 

واستولت الثورة على نحو مليون فدان زراعي في ما سمي بقانون الإصلاح الزراعي, وأعطتها للفلاحين مقابل حق انتفاع.

 

"
يستعرض الكتاب دور عبد الناصر في دعم حركات التحرر الأفريقية, خصوصا في الجزائر وتونس والمغرب, وصولا إلى قرار تأميم قناة السويس
"
دستور مؤقت
وفي فبراير/شباط 1953 صدر دستور مؤقت لمدة ثلاث سنوات, وفي نفس الفترة تم تشكيل "هيئة التحرير" كأول تنظيم سياسي شكله مجلس قيادة الثورة بعد حظر الأحزاب السياسية.

 

ولكن لم تلق التجربة نجاحا, حيث كان برنامج الهيئة متواضعا وبه عدة أوجه للقصور, باعتبار أن "ثورة يوليو" قامت بدون نظرية، واعتمدت لفترة طويلة على التجريب في ممارسة الحكم, كما أنها هيئة سياسية ضمن نظام عسكري بهدف إضفاء الشرعية السياسية على حركة الجيش, واستمرت نحو عامين فقط.

 

وفي يونيو/حزيران 1953 أعلن مجلس قيادة الثورة إلغاء الملكية وإعلان قيام الجمهورية، وتولى عبد الناصر مسؤولية نائب رئيس الوزراء ووزارة الداخلية، بينما تولى اللواء محمد نجيب رئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس الوزراء.

 

وفي يناير/كانون الثاني 1954 حلّ مجلس قيادة الثورة جماعة الإخوان المسلمين، وأعقب ذلك حدوث أزمة فبراير/شباط واستقالة اللواء محمد نجيب من رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء, لكنه عاد مجدداً إلى رئاسة الجمهورية بضغط شعبي.

 

وأعلن مجلس قيادة الثورة حل نفسه وتعيين خالد محيي الدين رئيسا لوزارة مدنية تعيد الحياة النيابية في أقرب وقت ممكن, لكن سرعان ما انقلب الوضع نتيجة رفض بعض ضباط الصف الثاني من الضباط الأحرار لقرارات مجلس قيادة الثورة، وألغى المجلس قراره بحل نفسه وعودة الحياة المدنية.

 

وفي أبريل/نيسان 1954 تم تأليف وزارة جديدة برئاسة عبد الناصر, وفي يوليو/تموز التالي تم توقيع اتفاقية الجلاء بالأحرف الأولى, وفي أكتوبر/تشرين الأول التالي تعرض عبد الناصر لمحاولة اغتيال في ميدان المنشية بمدينة الإسكندرية, وهي المحاولة التي أدت إلى إحكام سيطرته على السلطة.

 

فقام في نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه بإعفاء اللواء محمد نجيب من جميع مناصبه, وأجرى استفتاء شعبيا في يونيو/حزيران 1956 أقر اختياره رئيسا للجمهورية. وقبل ذلك شارك عبد الناصر في أبريل/نيسان في مؤتمر باندونغ بإندونيسيا بحضور ممثلي 29 دولة، وهو المؤتمر الذي ولدت فيه فكرة "الحياد الإيجابي وعدم الانحياز".

 

ويستعرض الكتاب دور عبد الناصر في دعم حركات التحرر الأفريقية, خصوصاً في الجزائر وتونس والمغرب, وصولا إلى قرار تأميم قناة السويس يوم 26/7/1956, وهو القرار الذي أحدث ضجة كبرى في الغرب, ونتج عنه قيام العدوان الثلاثي على مصر (إنجلترا وفرنسا وإسرائيل) في أكتوبر/تشرين الأول 1956, وأدى الإنذار السوفياتي إلى توقف العدوان وانسحاب القوات المشاركة فيه.

 

"
في سبتمبر/أيلول 1964 أقيم مؤتمر القمة العربية الثاني في مدينة الإسكندرية, والذي تبنى إطلاق خطة العمل الجماعي لتحرير فلسطين عاجلا وآجلا، والترحيب بمنظمة التحرير الفلسطينية، ودعم قرارها إنشاء جيش التحرير الفلسطيني
"
الوحدة مع سوريا
في فبراير/شباط 1958 تم إعلان الوحدة بين مصر وسوريا ولقي ترحيبا واسعا, لكن هذه الخطوة سرعان ما باءت بالفشل وانتهت في سبتمبر/أيلول 1961.

 

وفي عام 1960 أعلن عبد الناصر البدء في مشروع بناء السد العالي الذي انتهى عام 1969, وفي يوليو/تموز 1961 صدرت القوانين الاشتراكية التي أدت إلى تأميم الكثير من المؤسسات والشركات التي يمتلكها القطاع الخاص.

 

وفي مايو/أيار 1962 تم تأسيس الاتحاد الاشتراكي العربي كتنظيم سياسي أوحد يقود العمل السياسي، وأعقب ذلك تشكيل مجلس رئاسي لتحمل المسؤوليات التنفيذية مع عبد الناصر, وتوسعت صلاحياته وأصبح عدد أعضائه 25 عضوا برئاسة علي صبري.

 

وشارك عبد الناصر في مؤتمر القمة العربية الأول الذي انعقد بالقاهرة في يناير/كانون الثاني 1964، وكان من قراراته أن قيام إسرائيل خطر أساسي يجب دفعه سياسيا واقتصاديا وإعلاميا, وإنشاء قيادة عسكرية عربية موحدة، وإنشاء قواعد سليمة لتنظيم الشعب الفلسطيني, بالإضافة إلى دورية انعقاد القمة مرة في السنة على الأقل.

 

وفي سبتمبر/أيلول 1964 أقيم مؤتمر القمة العربية الثاني في مدينة الإسكندرية, حيث تبنى إطلاق خطة العمل الجماعي لتحرير فلسطين عاجلا وآجلا، والترحيب بمنظمة التحرير الفلسطينية، ودعم قرارها إنشاء جيش التحرير الفلسطيني.

 

وتناول الكتاب حرب الأيام الستة التي بدأت يوم 5 يونيو/حزيران 1967, وقد سبقتها حالة من التصعيد المتبادل، وأدت في النهاية إلى إلحاق إسرائيل الهزيمة بالدول العربية المجاورة وعلى رأسها مصر, وهو ما أدى إلى إعلان عبد الناصر تحمله المسؤولية الكاملة عن الهزيمة وقراره التنحي عن رئاسة الجمهورية.

 

لكن عبد الناصر عاد في اليوم التالي إلى المسؤولية بعد مظاهرات شعبية, ثم شارك في مؤتمر القمة الذي عقد في الخرطوم من 29/8 إلى 2/9/1967, والذي صدرت عنه اللاءات الثلاثة الشهيرة "لا للاعتراف.. لا للتفاوض.. لا للصلح", وتأكيد وحدة الصف العربي والتعاون في إزالة آثار العدوان على الأراضي الفلسطينية.

 

حرب الاستنزاف
ويشير الكتاب إلى دور عبد الناصر في حرب الاستنزاف (67-1970) الذي كان الركيزة الأساسية لثقة القوات المسلحة في أفرادها وسلاحها, والذي أدى في النهاية إلى تحقيق نصر أكتوبر/تشرين الأول 1973.

 

ويصل الكتاب إلى الختام بوفاة عبد الناصر وهو في الثانية والخمسين من العمر يوم 28/9/1970, بعد حياة حافلة بالأحداث والمواقف والمتاعب, وبعد رحلة كفاح لها ما لها وعليها ما عليها, لكنها في النهاية أصبحت جزءا من تاريخ مصر والمنطقة العربية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك