عرض/زياد منى

قليلة هي الكتب أو الدراسات النقدية التي تتعامل مع الوضع الاقتصادي وتجلياته الاجتماعية في مناطق سلطة الحكم الذاتي، فمعظم ما ينشر يصدر عن السلطة نفسها مما يسمح لها بوضع ما تريده من أرقام وإحصاءات، ومنع ما لا تريد نشره.

 

وهذا الكتاب يقول ما لا تقوله المؤسسات الرسمية، وينقل صورة مفجعة حقًا عن الأوضاع العامة هناك، مستخدما مفردات واضحة تتكلم بالصراحة المطلوبة عند التصدي للقضايا الوطنية.

 

وفي الوقت نفسه فإن البحاثة المشاركين فيه اعتمدوا على الأبحاث الأكاديمية المنشورة محليا وإقليميا ودوليا، لكن عبر نظرة نقدية.

 

يحمل البحث الذي شارك في كتابته خمسة متخصصين، عنوانا دالاً حيث يقود القارئ إلى توقع ما سيعثر عليه في صفحاته.

 

- الكتاب: وهم التنمية
- إعداد: آيلين كتاب، إياد الرياحي، فراس جابر، أميرة سلمى، حازم النملة
- عدد الصفحات: 230
- الناشر: مركز بيسان للبحوث والإنماء، رام الله، فلسطين المحتلة
- الطبعة: الأولى، أكتوبر 2010

 
 
المحتوى
كل جملة من صفحات الكتاب تنقل معلومة، مما يجعله برأينا مرجعا رئيسيا ليس فقط للنظر بنقدية إلى سياسات سلطة رام الله، بل يجعله أيضًا دليلاً للحاضر وكيفية رسم سياسات وطنية للمستقبل.

 

يضم الكتاب أربعة أقسام تتصدرها مقدمة في نقد التنمية كتبتها آيلين كتاب وقالت فيها اعتمادا على مؤشرات التنمية الصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، إن المجتمع الفلسطيني في الأراضي المحتلة عام 1967 استحال مجتمعا فقيرا، ليس فقط بسبب سياسات الاحتلال وإنما أيضا بسبب سياسات التنمية الوطنية "التي ركزت اقتصاديا على قطاعات خدماتية وغير إنتاجية لم تستطع تغيير بنية سوق العمل وتوسيعه أو تغيير البنية القائمة على أساس النوع الاجتماعي".

 

المال والسياسة
القسم الأول "المال والسياسة وتشكيل خطاب التنمية" كتبه إياد الرياحي في ثلاثة فصول تتصدرها مقدمة وتنتهي بخاتمة، وهو يقول فيه إن أخطر ما يواجه مشروع التنمية الوطني استمرار تعامل السلطة الفلسطينية معه عنوانا لاستجلاب التمويل الخارجي لا غير، وتعامل المانحين مع التنمية مدخلاً لتحقيق "السلام" لا العكس.

 

هذا قاد إلى إخفاق المستوى الرسمي الفلسطيني في بناء تنمية، وأخفق في الانتقال إلى سلطة بصلاحية سيادية واستقلال حقيقي.

 

انفتاح التحالف الاقتصادي بين القطاع الخاص الفلسطيني ونظيره الإسرائيلي عزز نفوذ الطرف الأخير في السوق الفلسطيني، مما حيد التنافس حتى الطبيعي بين الرأسمالين للفوز بنصيب أكبر من السوق ومنع تطور بنية إنتاجية فلسطينية منافسة.

 

الباحث يلقي باللوم هنا على سياسات السلطة الفلسطينية و"ارتباطات المستوى الرسمي الفلسطيني".

 

"
مشاركة النخب الرأسمالية الفلسطينية المعولمة في اتفاقية باريس يدل على توجهها والدور السلبي الذي تؤديه والمنطلِق من السعي لجني الأرباح واتباع السياسات التي تخدمها فقط
"
التنمية والخصخة
كتب فراس جابر القسم الثاني "خصخصة فلسطين" في ثلاثة فصول ومدخل يقول فيه إن المشروع الصهيوني مشروع سياسي اقتصادي عمل على تثبيت وجوده المادي في فلسطين عبر الاحتلال والاستيطان والاقتلاع..

 

لذا فإن القضية الفلسطينية ليست سياسية فقط، بل أيضا إنسانية واجتماعية وفنية وثقافية وتراثية.

 

وانتقد الكاتب بشدة ممارسات جزء كبير من القطاع الخاص الفلسطيني على صعيد العمل الوطني الذي ارتبط مع الاحتلال بعلاقات ومصالح بنيوية، مما يشرح تبعية قطاعات برجوازية للاحتلال وتماهيها معه.

 

وقد أسهب الكاتب في التعامل مع مختلف تجليات موضوع البحث من خلال التعامل نقديا مع ترجماته المادية مثل "مؤسسة التعاون" و"اتفاقية باريس" الاقتصادية والاقتصاد الفلسطيني "المزعوم" و"سوق الأوراق المالية" ومؤتمرات الاستثمار في بيت لحم التي رأى فيها تطويقا للاقتصاد الفلسطيني وليس استثماره، وغير ذلك.

 

وخلص إلى أن مشاركة النخب الرأسمالية الفلسطينية المعولمة في "اتفاقية باريس" تدل على توجهها والدور السلبي الذي تؤديه، والمنطلِق من السعي لجني الأرباح واتباع السياسات التي تخدمها فقط.

 

منظمات "المجتمع المدني"
كتبت أميرة سلمى القسم الثالث "المنظمات غير الحكومية.. أداة للتنمية؟ مراجعة مفاهيمية" تتناول فيه الموضوع ضمن سياق "دور المجتمع المدني في التنمية"، حيث رأت في تطور هذه النزعة تراجعا للنضال من أجل التحرر الوطني واحتواء القوى التي تحمل إمكانيات أن تكون تقدمية قادرة على مقاومة الاحتلال.

 

وقد مارست الكاتبة قراءتها من خلال دراسة أدبيات مؤسسات غير حكومية فلسطينية تعمل في قطاعات الصحة والدفاع والحقوق والسياسات والدمقرطة والخدمات والتنموية وحقوق المرأة، لكن من دون نفي أن الاستنتاجات المأخوذة هنا تسري على تلك القطاعات فقط.

 

وتقول الكاتبة إنها تنظر إلى دور المنظمات الحكومية من منظور من يعمل على تغطية وجه الإمبريالية القبيح، موظفة القوى اليسارية نفسها التي كانت تعارض التوجهات الاستعمارية في دول الشمال مع أنها ترى نفسها بديلاً لها.

 

"
المنظمات غير الحكومية تكون مشروع مقاومة وتنمية بالدرجة التي تكون بها هاتان سلعة مطلوبًا الترويج لها في السوق الذي تعمل فيه
"
وترى أن هذه المنظمات غير الحكومية -لكونها حركات اجتماعية عالمية- لا تعمل خارج النظام العالمي، بل هي في أحسن الأحوال حركات إصلاحية تقوم على أسس ومبادئ ليبرالية وجدت أساسًا لخدمة النظام الرأسمالي العالمي والإبقاء عليه.

 

بكلمات أخرى فإن هذه المنظمات غير الحكومية أداة لترويج الاستعمار الجديد تحت لافتات مختلفة.

 

ومن خلال دراسة وثائق المؤتمرات الدولية وأدبيات تلك المنظمات، تصل الباحثة إلى نتيجة ملخصها أن المنظمات غير الحكومية تكون مشروع مقاومة وتنمية بالدرجة التي تكون بها هاتان سلعة مطلوباً الترويج لها في السوق الذي تعمل فيه.

 

وما دامت تلك السوق هي "الليبرالية الجديدة" فإن المنظمات الفلسطينية غير الحكومية هي الوكيل الموزع في فلسطين ووكيل لمموليها من الاحتكارات العالمية. وهذا يقودها إلى الحسم بأن تلك المنظمات لا يمكن أن تكون أداة تنمية.

 

"مجتمع المانحين"
كتب حازم النملة القسم الرابع "مجتمع المانحين وإعادة صياغة المحلي.. مراجعة نقدية في زمن (التنمية) الفلسطيني" منطلقًا من قول لميشيل فوكو "المهمة السياسية الحقيقية هي نقد عمل المؤسسات التي تبدو في الوقت نفسه محايدة ومستقلة، بطريقة تزيل النقاب عن العنف السياسي الذي مورس دوما عبرها".

 

ومن خلال دراسة ممارسات "مجتمع المانحين" وتقديم أمثلة عديدة تدعم منظور دراسته ونتائجها، كما فعل زملاؤه في الكتاب، وصل الباحث إلى استنتاجات منها أن تعامله مع الأنا الجمعية الفلسطينية أعاد تشكيل الواقع، أي المكان والزمان وإعادة مَوضَعة الفرد الفلسطيني ضمنه، وإخراجه من حالة الصراع التحرري إلى مرحلة ما بعد الصراع وبناء الدولة.

 

هذا يعني إعادة موضعة الفرد الفلسطيني ضمن الواقع الجديد ليصبح في حاجة إلى تغيير مفاهيمه حول نفسه، أفرادا وجماعات.

 

"
جرى وضع خطاب الإصلاح والحكم الرشيد بمعزل عن أي سياق تنموي حقيقي للفلسطينيين الخاضعين لاحتلال عسكري منذ أكثر من ستين عاما، وبفعل القوة والمال استطاع المانحون أن يجعلوا منه الخطاب الرسمي للسلطة الفلسطينية
"

ويوجه المؤلف نقدا لاذعا إلى النخب المثقفة الفلسطينية حيث يقبل استنتاجات من سبقه من البحاثة فيقول على لسان أحدهم "المثقفون الفلسطينيون الجدد كمبرادورات ثقافية تعمل في مجال الاستيراد والتصدير".

 

يصدرون نتائج استطلاعات الرأي والمعلومات الاجتماعية والاعتذارات الرسمية والذكريات الشخصية، إضافة إلى صورهم وأصواتهم في صفحات الجرائد والمحطات التلفزيونية الغربية.

 

وفي الوقت نفسه يستوردون أفكار صندوق النقد الدولي ومشاريع البنك الدولي والمبادرات الدولية والدعم المادي الغربي لمؤسساتهم، ويقفون في وجه أي محاولات أو ممارسات نقدية تخرج من الوطن أو الشتات، وهم مرتبطون طبقيا بالمصالح والسياسات الإمبريالية.

 

النتيجة: أخبار سيئة من فلسطين
لقد جرى وضع خطاب الإصلاح والحكم الرشيد بمعزل عن أي سياق تنموي حقيقي للفلسطينيين الخاضعين لاحتلال عسكري منذ أكثر من ستين عاما، وبفعل القوة والمال استطاع المانحون أن يجعلوا منه الخطاب الرسمي للسلطة الفلسطينية، وإن ارتأت الأخيرة القول إن تنفيذ برنامج الإصلاح والحكم الرشيد يضع الفلسطينيين على الطريق الذي يقود إلى الدولة المستقلة.

 

المهم هنا تأكيد أن البحاثة قدموا أمثلة حية تؤكد وتدعم استنتاجاتهم وقراءاتهم للواقع الفلسطيني في مناطق "السلطة الوطنية" ولم يقصروا أعمالهم على تقديم آراء نظرية، وهو ما يزيد من أهمية البحث.

 

هذا العمل مهم أيضا لطليعة "الربيع العربي" الحقيقية أو المنتحلة الصفة، المحاصر بين شتاء قارس البرودة وصيف جاف شديد الحرارة، لأنه يقدم نظرة ثاقبة لدور "مؤسسات المجتمع المدني" التي تتلقى الدعم من الغرب الاستعماري.

 

وبينما يكشف البحث الجماعي هذا عن أوهام التنمية في مناطق السلطة الفلسطينية، يمثل في الوقت ذاته دراسة لما سيتطور الأمر إليه في عالمنا العربي الذي يخوض الآن أشرس المعارك من أجل استقلال وطني حقيقي، إذا ما تم تجاهل الدور الأساسي للدول المانحة ومنظمات المجتمع المدني وما إلى ذلك.

 

هذا الكتاب مهم ويحوي معلومات تخص كل من يعمل في الشأن الوطني ليس فقط الفلسطيني وإنما العربي أيضا، وقراءته بتأن ووعي تساعد في كشف مدى الكارثة التي ألحقتها سلطة أوسلو بالمجتمع الفلسطيني في مناطق الاحتلال، وكيفية تجنب الوقوع في هذه الهاوية مستقبلاً.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك