عرض/ أحمد حسن علي
 
جاءت ثورة 25 يناير بمثابة الزلزال الذي هز قوائم الحياة المصرية من الجذور، وممن طالتهم يد التغيير (التيارات السلفية) الأكثر حجما وجدلا في الحالة الدينية بمصر.
وفي هذا الإطار، تحاول هذه الدراسة بيان توجهات السلفية إزاء قضايا الإسلام السياسي، وقضايا الجدل العام في مصر، ومعالم الطريق بعد الثورة، انتهاءً بفرضيات تحولهم إلى السلفية الجهادية العنيفة. وقد خاض المؤلف هذا الجدال الشائك عبر ثلاثة مباحث رئيسة:

-الكتاب: السلفية في مصر.. تحولات ما بعد الثورة
-المؤلف: هاني نسيرة
-عدد الصفحات: 46
-الناشر: مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام، القاهرة
-الطبعة: الأولى/2011
 
أولا: توجهات السلفية إزاء الإسلام السياسي والجدل العام في مصر في بحثه (السلفية ومناهج التغيير):
 
تعرّض منظر السلفية السكندرية الشيخ ياسر برهامي إلى وسائل التغيير عند التيارات السلفية الأخرى، وقرر أن التغيير من خلال الانتخابات البرلمانية مخالف لشريعة الله، فالتشريع حق خالص من حقوق الله تعالى، والقوانين الوضعية مخالفة للشريعة الإسلامية، وكل ما يخالف الشريعة فهو باطل.
وفي بحثه وازن الشيخ ياسر برهامي بين رأيين فقهيين؛ الأول: أن المشاركة في البرلمان بغرض تطبيق الشريعة طاعة إذا كانت المصلحة في ذلك.
والثاني: أن المشاركة فيه لا تجوز، وأنها من باب الذنوب والمعاصي وليست من باب الكفر والردة؛ لأن المشارك حقق البراءة اعتقادا ولم يطبقها عملا.
وكان رأي الدعوة السلفية كالآتي: نختار عدم المشاركة، معللين ذلك بأن المفاسد من المشاركة أكبر من المصالح، ونقر بأن الخلاف العلمي السابق خلاف معتبر؛ لأن كلا الفريقين يريد خدمة الإسلام ويقر بالبديهيات والمسلمات، التي هي هنا أن البرلمانات كفرية، لكن يجوز المشاركة فيها.
إلا أنه بعد ثورة يناير انقلب الحال، وأعلن سلفيو الإسكندرية عزمهم دخول حلبة السياسة، وإنشاء حزب سياسي، تمهيدا لدخول البرلمان. فهل حقا لم يعد يعتقد السلفيون السكندريون أن الديمقراطية كفر؟ وأن في المشاركة مفسدة أكبر من المصلحة المترتبة عليها؟!
 
"
بالرغم من شدة الموقف السلفي النظري من الأقباط، إذ يحرمون حضور أعيادهم أو تهنئتهم، إلا أنهم عكس السلفية الجهادية يقبلون مقولات الوحدة الوطنية ودرء الفتنة الطائفية وما شابه ذلك!
"
الموقف من الأقباط قبل الثورة
في العام الأخير قبل ثورة 25 يناير، وقعت بعض الحوادث الطائفية في نجع حمادي بصعيد مصر، وراح ضحيتها عدد من المسيحيين، وثارت العديد من السجالات الحادة عقب اختفاء كاميليا شحاتة، واتهام الكنيسة بسجنها وتعذيبها؛ من أجل إجبارها على العودة للمسيحية. وزاد الأمر اشتعالاً دخول أطراف خارجية على خط الأحداث، إذ قام تنظيم القاعدة بالعراق باستهداف كنيسة سيدة النجاة بحي الكرادة؛ انتقاما لاحتجاز الكنيسة الأرثوذكسية المصرية سيدتين مسلمتين (حسب الاتهامات الرسمية لوزارة الداخلية المصرية حينئذ، بينما تسربت معلومات تفيد باتهام وزير الداخلية شخصيا).
في إطار هذا الجدال، كان هناك موقف سلفي نظري وعملي بدرجة ما، فقد رفض السلفيون المصريون تهديد القاعدة للكنيسة المصرية ولأقباط مصر، وقُدمت بعض الدراسات في تحريم ذلك، فقد ذهب الشيخ محمد حسان في حوار معه إلى أنه يتحدى من يجيز استهداف المسيحيين، بل أكد أن الدعوات السلفية ساعدت في تخفيف أجيج الغضب الذي ثار بسبب كاميليا شحاتة، التي قيل: إن القنوات الدينية أغلقت بسببها.
وبالرغم من شدة الموقف السلفي النظري من الأقباط، إذ يحرمون حضور أعيادهم أو تهنئتهم، إلا أنهم عكس السلفية الجهادية يقبلون مقولات الوحدة الوطنية ودرء الفتنة الطائفية وما شابه ذلك!

 
الموقف من المشاركة السياسية
ثانيا: تحول موقف السلفيين من العمل السياسي والمشاركة بعد الثورة:

عانت القوى الإسلامية خلال فترة الثورة (25/1–11/2) حالة من القلق؛ بسبب مخاوف انهيار الدولة وسياسة ما بعد الرحيل الاضطراري، وصار الجميع متوزعا ما بين بديلي التغيير (الآن)، أو التغيير التدريجي المنتظم، وكان موقف (الإخوان المسلمون) المزج بين الإستراتيجيتين.
فسرعان ما تقاطروا إلى ميادين مصر، مشاركين بكثافة مع كافة القوى الوطنية في الشارع، ولم يكتفوا بذلك، بل أرسلوا عدة رسائل طمأنة لقوى الداخل والخارج، بأنه في حال رحيل الرئيس لن يرشحوا أحدا منهم لمنصب الرئاسة، ولن ينافسوا إلا على 30% من مقاعد البرلمان، وأعلنوا إيمانهم بالدولة المدنية ذات المرجعية الإسلامية.

وجاء موقف السلفيين متسقا مع مرجعياتهم وتاريخهم، وفق الأسس المعرفية لديهم التي تجعل التربية والتعليم العقدي والديني على رأس أولوياتهم، فمنذ اندلاع الثورة لم يرحبوا بها وبتظاهراتها، وتوالت فتاواهم بالدعوة للحوار ووقف التظاهرات وعدم الانجرار إلى الفتنة؛ مما عرضهم للكثير من الانتقادات، التي وصلت إلى حد اتهامهم بالعمالة لحساب أمن الدولة.
 
وعند المقارنة بين الموقفين: جاء الإخوان وسطا بين الثورة والسلطة، وإن كانوا أقرب للأولى، إذ عبروا عن موقفهم المؤيد للتغيير، لكنه التغيير إلى الأفضل وليس إلى الفوضى، في حال الصدام أو الفراغ المفاجئين.
أما السلفيون فدعوا إلى ما وصفوه (بالتغيير الآمن) مقابل التغيير الفوري أو (الرحيل الفوري) الذي رفعه الثوار في فضاءات مصر كلها!

السلفيون من النقد إلى المشاركة السياسية
لقد تبنت مدرسة الإسكندرية بقيادة الشيخ برهامي موقفا رافضا لتيار حركة حفص (الحركة السلفية من أجل الإصلاح)، التي سعت للعمل السياسي، وبالرغم من تقديره للشيخ رضا الصمدي -مؤسس ذلك التيار- فإنه كان يرفض تسيس الدعوة السلفية، ويلح على رفض الدعوة إلى العمل السياسي، والاكتفاء بالتركيز والتصفية العقدية الصحيحة.

"
تحول السلفيون، لكنهم ما زالوا يصرون على إسلامية الدولة وعلى قبولهم بصناديق الاقتراع، لكن في حدود معينة قد تولد الاعتراض
"
ولكن بعد الثورة تقدمت مدرسة الإسكندرية خطوات أكثر على حركة (حفص)، وصرح أحد شيوخها بأنهم: (... سيؤسسون حزبا وربما يترشحون لرئاسة الجمهورية)، وقد فسر الشيخ برهامي تغير الموقف السياسي للدعوة السلفية من المشاركة السياسية، استنادا إلى المبادئ التالية:
- المصالحة مع مفهوم الإسلام السياسي، والتأكيد على شمول الإسلام لمختلف مناحي الحياة.
- وحدة الحركات الإسلامية.
- فقه الأولويات، وعدم الفصل بين الشرعي والسياسي.
ثم جاء التطور الأكبر في هذا السياق بالإعلان عن (حزب النور الإسلامي) في مايو/آيار 2011م، وقد لوحظ على هذا الحزب أنه يظل محكوما بالإطار السلفي والهوية الإسلامية الغالبة، وتقديمها على المصرية (المواطنة)، وكذلك حبسه الديمقراطية داخل المرجعية الإسلامية، وهو ما يقترب من خطاب جماعة الإخوان، ولكنه لا يزال بعيدا عما يمكن اعتباره حزبا مدنيا.
 
وهكذا تحول السلفيون، لكنهم ما زالوا يصرون على إسلامية الدولة وعلى قبولهم بصناديق الاقتراع، لكن في حدود معينة قد تولد الاعتراض.

 
الموقف من الكنيسة والأقباط
بالنظر إلى برنامج (حزب النور) -المعبر عن الحركة السلفية- بخصوص الموقف من الأقباط نجد أنه اكتفى بالتركيز على المبدأ التقليدي (لهم ما لنا وعليهم ما علينا)، وبقي تصور الشريعة كمرجعية عليا -أي حاكمة- هو الشرط الحاكم لكل شيء، بما في ذلك الحرية الدينية للأقباط، حتى لم تعد القضية مرتبطة بالحرية الدينية للأقباط، وإنما بولاية القبطي على المسلم، على نحو يثير الشكوك حول مدى قدرة المجموعة المؤسسة للحزب على مغادرة سلفيتها، وإن تمتعت بحرية حركة أكبر بالمقارنة بالدعوة السلفية، هذا في الإطار النظري.
أما في الجانب العملي، فتظل أخطر مواقف السلفيين هي مواقفهم الدينية المتشددة من الأحداث الطائفية التي جرت بعد الثورة، مثل هدم كنيسة صول بأطفيح، إلى قطع أذن الشاب القبطي ديمتري بمحافظة قنا، وانتهاءً بأحداث إمبابة في 8 مايو/آيار، فقد أنكروا تورط السلفيين في هذه الأحداث، إلا أنهم كثيرا ما برروا ودافعوا عن المتورطين فيها من المسلمين!
وقد اتخذ السلفيون الموقف نفسه عند تعيين محافظ مسيحي لمحافظة قنا في إبريل/نيسان 2011م، حيث شاركوا بكثافة في الاعتصام استنادا إلى أنه لا ولاية لكافر على مسلم، وذهب السلفيون أيضًا إلى ضرورة أن تعيد الكنيسة في مصر النظر في دورها بخصوص المتحولين دينيا، بما يضمن حرية الاعتقاد، وتمشيا مع هذا المبدأ أسس عدد من السلفيين ائتلافا للدفاع عن المسلمين والمسلمات الجدد، تحت اسم (ائتلاف دعم المسلمين الجدد).

"
السلفية تقترب من حركات الإسلام السياسي، لكنها على المستوى الخطابي أقرب للجهاديين من الإخوان وغيرهم
"
السلفية والجهاد في مصر
 
ثالثا: السلفية والجهاد في مصر: محطات التلاقي والافتراق:
يرى المؤلف أن أغلب اتجاهات السلفية في مصر غير مؤهلة للتحول نحو أفكار أو مجموعات جهادية، أو حتى سياسية، باستثناء تيار السلفية الحركية كما مثلته السرورية، التي لا زالت نخبوية، لكن المعارك النظرية للسلفية، سواء في الصراع على السلفية الصحيحة فيما بينها، أو الجدل مع مرجعياتها ومدارسها في الخارج أو الداخل أو معارضيها، أو صدور بعض الفتاوى الشاذة أو الغريبة من بعض ممثليها، يمثل الحضور الأكبر لها ولممثليها في الحالة المصرية، مع بقاء السلفية الاجتماعية ونشاطها منذ عقود بها.
 
إن الإصرار والاستعداد للحرب على الهوية الإسلامية للدولة المصرية ومرجعيتها في الخطاب السلفي-المصري بعد الثورة (التأكيد على إسلامية الدولة والثورة، وعدم جواز المساس بالمادة الثانية من الدستور)، وتحول السلفية للتنظيم الحزبي، وتحول مدرسة الإسكندرية لذلك، وهي سلفية مدرسية وتعليمية في الأصل، يجعل السلفية تقترب من حركات الإسلام السياسي، لكنها على المستوى الخطابي أقرب للجهاديين من الإخوان وغيرهم.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك