عرض الحسن سرات
عاش مؤلف هذا الكتاب حياة أقرب ما تكون للدراما، منذ أن اكتشف في عامه الثلاثين إصابته بسرطان في الدماغ، وهو الطبيب والباحث في علوم الأعصاب الدماغية. فقرر تحويل حياته إلى معركة متواصلة للتغلب على المرض الخبيث، فانتصر فيها وغاب المرض، وسافر الطبيب إلى مشارق الأرض ومغاربها مبشرا بطريقته المثلى للقضاء على المرض الغامض المستعصي.
 
- الكتاب: يمكن أن نقول إلى اللقاء عدة مرات
- المؤلف: ديفد سيرفان شرايبر
- عدد الصفحات 160
- الناشر: دار النشر روبير لافون/ باريس/ فرنسا
- الطبعة: الأولى/ يونيو 2011
لكنه فوجئ في عامه الخمسين بعودة الورم أشد وأكبر مما كان عليه في الثلاثين. حدث هذا في تشخيص روتيني يجريه كل عام، فكانت الصاعقة، وأعلن السرطان كلمته النهائية شهر يونيو/حزيران 2010، وقال الأطباء المعالجون للطبيب المريض، أمامك 18 شهرا من العيش على أقصى تقدير.
 
وصدق قولهم إذ لم يتجاوزها فأخذه الموت يوم 24 يوليو/تموز الماضي، بعد شهرين وعشرة أيام من فراغه من كتابة هذا الكتاب.
واستغرقت الكتابة شهرين متتابعين بمساعدة قريبة من أقربائه بعد أن أصيب المؤلف بالشلل النصفي، ولم يعد قادرا على استعمال لوحة المفاتيح الإلكترونية، وخفت صوته فصار لا يتكلم إلا همسا ورمزا.

وديفيد سيرفان شرايبر ليس طبيبا عاديا، بل إن السرطان الذي هاجم دماغه في شبابه هو الذي حوله إلى إنسان يتحدى المرض ويبذل كل الجهد ويستخدم كل الأسلحة لقهر العدو الخطير، فكتب شرايبر كتابين اثنين فقط، بيعت منهما ملايين النسخ، وترجما إلى أربعين لغة وطبعا طبعات متتالية، الأول هو كتاب "الشفاء" والثاني "ضد السرطان".
 
أما محاضراته وندواته ومؤتمراته وبرامجه الإعلامية فهي لا تحصى، إذ جعلت من هذا الطبيب المريض نجما إعلاميا وعلميا لا نظير له.
 
الطبيب المريض
يتخلى سيرفان شرايبر عن صفاته العلمية وخبرته في مكافحة السرطان في كتابه هذا، ويبدو إنسانا مثل معظم المرضى في هذا العالم وهم يواجهون السرطان القاتل. ويتحول كتابه إلى مذكرات واعترافات، وكلمات وداع للأحبة الأقربين والأبعدين وللمرضى وللحياة.

لكنه يتوقف في بضع صفحات ليناقش شبهة تروج بين الناس تقول: كيف يمكن الآن تصديق طريقة دافيد سيرفان شرايبر في مكافحة السرطان وهو نفسه سقط صريعا مهزوما أمام المرض الخبيث؟ أين ذهبت نظرياته ونصائحه وأعماله؟ لماذا لم يستفد منها هو الآن؟ ألم يكن ما بناه مجرد قصور من الأوهام؟

أول من أثار بعضا من هذه الأسئلة بطريقة مازحة صديقه المفكر الفرنسي ريجيس دوبري عند زيارته له بالمستشفى، قائلا "أين ذهبت إذن فواكه التوت البري؟"، وهي فواكه كان يعتبرها شرايبر من الأطعمة المهمة لمكافحة السرطان. لكن أشخاصا آخرين كثيرين رددوا تلك الأسئلة على مسامعه.

ويعتبر الطبيب المريض هذه الأقوال "أخطر الأسئلة في حياته كلها"، ولذلك يقر بأنها هي الدافع الأول لكتابة كتابه الثالث والأخير.
"
يعترف الكاتب بأنه هو نفسه لم يكن يحترم طريقة العلاج احتراما كاملا، وبأن الخطأ الجسيم الذي ارتكبه هو الإرهاق الذاتي والتفريط في السلام الباطني والهدوء النفسي
"

ويرد شرايبر على الأسئلة مبتدئا بطريقته الشهيرة في مكافحة السرطان المفصلة في كتابه "ضد السرطان"، فيقول إن حالته ليست سوى حالة من ألوف أو مئات الألوف من الحالات، والنتائج والخلاصات العلمية لا تبنى على حالة واحدة أو اثنتين أو بضع حالات، "وما قدمته في كتابي ضد السرطان لم يكن مبنيا على حالتي، ولكن على الأبحاث العلمية"، ثم إنه لا يوجد دائما علاج خارق ونهائي، فهناك النجاح والفشل معا.

ويعترف الكاتب بأنه هو نفسه لم يكن يحترم طريقة العلاج احتراما كاملا، وبأن الخطأ الجسيم الذي ارتكبه هو الإرهاق الذاتي والتفريط في السلام الباطني والهدوء النفسي، وتجنب كل ما يبعد عن الطبيعة.
 
الطبيب وسؤال الموت
بين سن الثلاثين التي اكتشف فيها المرض لأول مرة ودخول شرايبر في معركة حاسمة ضد السرطان واختفاء المرض، وسن الخمسين التي ظهر فيها المرض مجددا، عاش شرايبر عشرين عاما مهددا بـ"سيف داموقليس" فوق رقبته.
 
ومع أنه ملأ حياته بأعمال كثيفة وأسفار لا تنتهي، وعلاقات متعددة، فإن سؤال الموت ظل حاضرا قريبا منه، وكان دائما يتوقف مع نفسه متسائلا "هل سأنهار إذا حضرني الموت كما وقع لي أول مرة؟ أم أن الدروس التي تعلمتها والأولويات التي اخترتها ستكون إلى جانبي وتمنعني من الانهيار والخوف؟

ولا يخفي شرايبر أنه تصرف أمام الموت الزاحف على جسده مثل سائر المرضى الذين عالجهم عندما كان طبيبا نفسانيا، وقال "مثل كثير منهم، أخاف من ألم الموت ولا أخاف من الموت. ما أخشاه بقوة هو أن أموت وأنا أعاني وأعذب. هذه الخشية الشديدة تبدو لي أمرا مشتركا بين سائر البشر، بل توجد حتى في عالم الحيوانات".
"
شرايبر:
الاستعداد لموت جميل هو: أن تقول وداعا لمن تحبهم ويحبونك، وأن تصفح الصفح الجميل عمن ظلمك واعتدى عليك، وأن تطلب المغفرة ممن ظلمتهم واعتديت عليهم، وأن تترك الرسائل والوصايا الضرورية، ثم تنطلق نحو الموت هادئا مطمئنا
"

ويرى شرايبر مثل كثير من الفلاسفة والمفكرين أن الحياة -طالت أو قصرت- ليست سوى استعداد للحظة الموت. لكن أحسن شيء هو "النجاح في الموت"، وعندما ننسحب من معركة مكافحة المرض الخبيث، تبقى أمامنا معركة الاستعداد لموت جميل: أن تقول وداعا لمن تحبهم ويحبونك، وأن تصفح الصفح الجميل عمن ظلمك واعتدى عليك، وأن تطلب المغفرة ممن ظلمتهم واعتديت عليهم، وأن تترك الرسائل والوصايا الضرورية، ثم تنطلق نحو الموت هادئا مطمئنا".

ثم يقترب شرايبر من موقف خروج الروح وصعوباتها ومخاوفها وآمالها، فيقول "وبما أن هذه اللحظة عسيرة للغاية، فكم هو جميل أن تجد من يساعدك على مواجهتها من معالجين وفقهاء قانون وأحباب ومقربين. هذا الاختبار الشائك ضروري وحيوي بالنسبة إلي، لأنه آخر مصدر للأمل، وماذا سيقع بعد ذلك في العالم الآخر؟ لا أدري".
 
ضوء أبيض
سيطرت فكرة الموت بقوة على شرايبر، وأخذ يقلب النظر فيها من جوانب عدة وتجارب مختلفة، فتذكر تجربته الطويلة في مصاحبة مرضاه حتى خروج أرواحهم، وأن منهم من يصيبه رعب الخوف والهلع من الموت فيفقدون صوابهم وتختل قدراتهم العقلية والنفسية. كما أنه شاهد أشخاصا ينطفئون بيسر وسهولة دون أن يزلزلوا.

وتحدث بإسهاب عن قصص بعض المرضى الذين أشرفوا على الموت ثم عادوا للحياة، ومشاهداتهم لضوء أبيض في نهاية نفق كبير وشعورهم بالسعادة والسكينة، ورغبتهم في البقاء في ذلك العالم وعدم العودة لهذه الحياة، وعندما استيقظوا في أسرتهم بالمستشفى شعروا وكأنما طردوا من الجنة.

ويحذر الكاتب من الاستهزاء أو الاحتقار الذي يبديه البعض عندما يسمعون مثل هذه القصص، ويؤكد أن رمي هؤلاء بالحمق والجنون افتراء وتجنّ. وأوضح أن إظهار عقائد ومواقف غير عادية لا يعني الجنون، بل قد يشير إلى أن صاحب تلك العقائد والمواقف قد يكون سابقا لزمانه. وضرب شرايبر أمثلة لذلك بمحمد صلى الله عليه وسلم والمسيح عيسى بن مريم عليه السلام وكافة الأنبياء والرسل، فهم في نظره أرواح فوق زمانها وسابقة عليها.

"
يلقي نظرة خاطفة على مناهج الصحة والمرض المتبعة في عالم اليوم، ويتوجه باللوم إلى الذين أفسدوا الحياة الطبيعية وجعلوها مصطنعة ومعقدة، وذلك في نظره من أهم أسباب انتشار مرض السرطان الخبيث
"
لذلك وجد شرايبر أن الإيمان بالله ورسله شيء مهم وضروري للإنسان الخالي من الأمراض، فكيف بالمريض. وعرض تجربته الذاتية عندما تسلل الإيمان إلى قلبه وهو مريض، فشعر بالقرب من الله، وصار هذا الشعور ضرورة ملحة له، وعندما كان يقوم بحصص التأمل اليومية كان يجد نفسه على حين غرة "يكلم الله ويتحدث إليه". وكان يدعوه أن يبقيه على حال السكينة والرضا، ويشكره على المرض الذي فتح له هذا الباب، معلنا أنه سيبذل قصارى جهده لتقريب المرضى من هذه الأحوال الطيبة.
 
الكوكب المريض
وقبل أن يختم شرايبر كلمات الوداع، يلقي نظرة خاطفة على مناهج الصحة والمرض المتبعة في عالم اليوم، ويتوجه باللوم إلى الذين أفسدوا الحياة الطبيعية وجعلوها مصطنعة ومعقدة، وذلك في نظره من أهم أسباب انتشار مرض السرطان الخبيث. ويستشهد بكلمة موجزة بليغة لأحد أصدقائه مايكل ليرنير الذي قال "لا يمكن أن نحيا بصحة جيدة في كوكب مريض".

كما استشهد شرايبر بتقرير للمعهد الوطني الفرنسي للصحة والبحث الطبي قال فيه إن المسؤولية ثابتة على دور العوامل البيئية في انتشار السرطان في الزمن الحالي، وهذه العوامل تبدأ من التلوث المناخي إلى الأشعة، مرورا بالحجم الكبير للجزيئات الكيمياوية الحاضرة حوالينا.

ذلك هو جذر المشكل القاتل: ينبغي وضع حد لتسميم البيئة وإصلاح الصناعات الغذائية، فذلك سيوفر لنا نسبة 97% من الجهد العلمي والطبي والصحي، فلنبدأ بعلاج كوكبنا حتى نتعالج مما يصيبنا.
 
أمواتنا يحيون في قلوبنا
آخر كلمات شرايبر موجهة لمرضاه وأبنائه، وهي كلمات تقطر رقة وصدقا. تذكر الطبيب جموعا غفيرة من مرضاه الذين قرؤوا كتبه وأصروا على ملاقاته لشكره وتوقيع كتابه، وقال عنهم "لا شيء أكثر تأثيرا في نفسي من هؤلاء القراء الذين كانوا يقولون لي وهم يطلبون أن أوقع كتبي لهم: بفضلك يا طبيبنا استعدنا الأمل واسترجعنا طاقة المواجهة والصبر على آلام المرض ومتاعبه".
 
وعلق شرايبر على ذلك فقال: "في كل مرة أسمع منهم هذا الكلام أصاب بالعجز عن الرد وأشعر بالسعادة الغامرة، لما قدمت لهم من هدية نفيسة هي استرجاع القوة الباطنية".
"
شرايبر:
عندما نفقد عزيزا قريبا منا، فإنه لا يغيب عنا، فموتانا يحيون في قلوبنا، ذلك شكل من أشكال الخلود التي تخفف عنا آلام الفراق
"

وإذا كانت هذه الذكريات تغبط الطبيب المريض، فإن تذكر طفليه الصغيرين ومستقبلهما دون حضوره ومشاركته في تربيتهما يصيبه بالجرح العميق والأسى الغامر، لكنهما يتراءيان له وهما يكبران ويسافران في المستقبل وهو في عداد الموتى، وقد حضر بظله وذكراه معهما.
 
إنها حقيقة نفسية معروفة على حد قوله: "عندما نفقد عزيزا قريبا منا، فإنه لا يغيب عنا، فموتانا يحيون في قلوبنا، ذلك شكل من أشكال الخلود التي تخفف عنا آلام الفراق. وعندما تشعر زوجتي وأبنائي بريح خفيفة تلمس وجوههم، فسيقولون يومئذ هذا أبونا جاء ليقبلنا على وجناتنا".

المصدر : الجزيرة

التعليقات