عرض/ أحمد التلاوي
تأتي قضيَّة التفاعل بين الإنسان والآخر على رأس قائمة الأولويَّات التي حددتها قوانين العمران البشري التي استنها الخالق عز وجل فينا، وتعدُّ أهم الأهداف التي لأجلها خلق الخالق عزَّ وجلَّ الإنسان على هذه الصورة، من كون الناس قد تفرقوا شعوبًا وأممًا وقبائل، وفي أي شكل من أشكال العمران الإنساني أو الجماعات البشرية.
 
- الكتاب: الحقيقة الكونيَّة للحضارات
- المؤلف: د. محمود الزَّهار
- تقديم: د. عبد الفتاح أبو زايدة
- عدد الصفحات: 423 
- النَّاشر: الدائرة السياسيَّة والعلاقات الخارجيَّة في حركة المقاومة الإسلاميَّة (حماس)، غزَّة/ فلسطين
- الطبعة الأولى 2011م
ولقد حكمت هذه الرؤية بطبيعة الحال نظرة الإسلام إلى قضية التلاقح الحضاري مع الآخر، ولكن تقلبات الأزمان، وانحراف المسلمين عن صحيح العقيدة والفهم، في مقابل ازدياد الحرب الحضارية التي يشنها الغرب المسيحي اليهودي على العالم العربي والإسلامي؛ كل ذلك أدى إلى توتر العلاقة ما بين الحضارة الإسلامية والحضارات الأخرى.

وبين أيدينا كتابٌ يتناول هذه الفكرة من جانبَيْها، النظري والعملي، ويحمل عنوان "الحقيقة الكونيَّة للحضارات"، من تأليف القيادي في حركة المقاومة الإسلامية (حماس) الدكتور محمود الزَّهار، يتناول عددًا من القضايا والإشكاليات حول الحضارة والثقافة والمدنيَّة ومكوناتها في العمران البشري، وما يرتبط بها من قضايا حول كيفيَّة تفاعل وتلاقُح الحضارات الإنسانيَّة المختلفة مع بعضها البعض، ومفهوم البناء السياسي للحضارات، وجذور الصراع الكوني الحالي وأسبابه، خصوصًا بين المسلمين والغرب.

ويتكون الكتاب من مقدمةٍ و14 فصلاً تتناول العديد من هذه القضايا، في إطار ترابط يجمع بين ما هو نظري وما هو عملي في هذه القضايا.

وفي مقدمته للكتاب، يؤكد الأكاديمي والمفكر الإسلامي الفلسطيني الدكتور عبد الفتاح أبو زايدة أنَّ الكتاب يركز على توجيه مجموعة من الرسائل، من بين أهمها، أنه باعتراف الكثير من الأمم والحضارات الإنسانيَّة، فإنَّ الحضارة الإسلاميَّة تتوالد حياتها وحيويتها من داخلها، ومن إيمان أصحابها بها، وهي لا تخص إنسانًا دون آخر، ولا جماعة دون أخرى؛ وإنَّما هي حضارة إسلاميَّة شاملة، تنطلق من رؤية إستراتيجيَّة للعالم، كما أنها هي حضارة القرآن الكريم الذي قال فيه الله عزَّ وجلَّ: إنَّه قد كرَّم بني آدم على سائر المخلوقات.

أما الدكتور محمود الزَّهار، فيشير في مقدمته هو للكتاب إلى العديد من الحقائق الأوليَّة التي يجب على كل مسلم أن يكون ملمًا بها ومحيطًا بها، وعلى رأسها أن أصل المشكلات التي يعيشها المسلمون في الوقت الراهن إنما هو راجع إلى ابتعاد المسلمين عن دينهم على مختلف المستويات، خصوصًا الجوانب الأخلاقيَّة والقيميَّة التي توجههم وتحكمهم في هذا العالم الدنيوي وتسير بهم نحو السعادة في العالم الأخروي.

ومن بين ما رَكَّزَ عليه الدكتور الزَّهار في مقدمته، محاولة إظهار طبيعة المشكلات الأخلاقيَّة والانهيار القِيمي الراهنة على مستوى الحضارات الأخرى الموجودة في هذا العالم.

ويمكن تقسيم فصول الكتاب وأفكاره إلى مجموعتين رئيسيتين؛ المجموعة الأولى عَنيت بالتأصيل الفكري والتاريخي للموضوع الرئيسي للكتاب، واحتوت الفصول السبعة الأولى من الكتاب، بينما ركزت المجموعة الثانية -التي ضمت الفصول السبعة الأخيرة- على الجوانب المعاصرة المرتبطة بالحضارات الإنسانية الرئيسية في الزمن المعاصر والصراع القائم بينها وجذوره وأسبابه.

بين الحضارة والمدنية
"
هناك الكثير من الروابط التي تجمع ما بين مفهوميْ الحضارة والمدنية ومفهوم الثقافة؛ فيما يخص طبيعة العمران البشري والطابع التراكمي لمصطلحيْ الحضارة والثقافة
"
وفي البداية أبرز المؤلف الارتباط القائم بين مصطلحَيْ الحضارة والمدنيَّة؛ حيث إن كلا من المصطلحين له جذر واحد في اللغة اللاتينيَّة، فالحضارة تعني "Civilization"، بينما المدنيَّة تعني "Civil"، أي لو نظرنا إلى طبيعة قواعد الاشتقاق في اللغة اللاتينيَّة؛ فإننا سوف نجد أن الحضارة هي الجانب الحركي أو التفاعلي لمفهوم المدنيَّة.

كما أن هناك الكثير من الروابط التي تجمع ما بين هذَيْن المفهومَيْن وبين مفهوم الثقافة "Culture"؛ حيث هناك الكثير من التشابك ما بين هذه المصطلحات فيما يخص طبيعة العمران البشري والطابع التراكمي لمصطلحيْ الحضارة والثقافة.

ويرصد الزَّهار العوامل الأساسيَّة التي يمكن بها -إذا ما توافرت- أن يتم إطلاق مصطلح "حضارة" على مجموعة من البشر، أو بمعنى آخر مقومات الحضارة الإنسانيَّة، وهي: الدين، والثقافة واللغة المشتركتان، وكذلك التواصل الجغرافي، والتاريخ الذي صنعته هذه الحضارة الواحدة، بالإضافة إلى النظام السياسي السائد، والأصول العرقية المشتركة.

وفي هذا الإطار، يتناول المؤلف بشكل خاص في جزئيَّة الدين مجموعة من المعالم التاريخيَّة الخاصة بالصيرورات التي مرت بها الديانة المسيحية كأحد المقومات الحضاريَّة بالنسبة للغرب.

وركز في هذا السياق على الانقسامات التي عرفتها الكنيسة طيلة تاريخها، والتحولات البنيويَّة والمفاهيميَّة التي طرأت عليها بفعل هذه الانقسامات التي كانت ذات طابع عقيدي، وذات مظاهر سياسية أدت إلى تبدل كبير في بنية الحياة السياسيَّة والاجتماعيَّة في بلدان أوروبا والغرب عمومًا، مع ظهور الكنيسة البروتستانتية في ألمانيا ووسط أوروبا ثم الإنجيلية في إنجلترا.

كيف تنهار الحضارات؟
كما تناول الزَّهار في هذه الجزئية -من خلال دراسة هذا النموذج، نموذج الانقسامات التي شهدتها الديانة المسيحيَّة- عوامل انهيار الحضارات المختلفة، التي من بينها سنة التغيير التي وضعها الله سبحانه وتعالى لخلقه في العمران البشري، وكذلك عدم إحداث التوازن بين ما هو مادي وما هو روحي ومعنوي؛ حيث إن طغيان جانب على جانب آخر منها يؤدي إلى انهيار الحضارات الإنسانيَّة.
"
من معالم التردي الحضاري الراهن، الانحرافات السلوكيَّة والفكريَّة، التي أدت إلى الكثير من التبدلات في القيم؛ بل وانهيارها، واندلاع الحروب والصراعات
"

وفي إطار تناوله للواقع الحضاري الذي يحياه الإنسان في وقتنا الحالي؛ يتناول الزَّهار بعضًا من معالم التردي الحضاري الراهن، ومن بين ذلك الانحرافات السلوكيَّة والفكريَّة، التي أدت إلى الكثير من التبدلات في القيم؛ بل وانهيارها، واندلاع الحروب والصراعات المختلفة.

وقال إن ذلك يقود تدريجيًّا إلى تدمير الحضارات الإنسانيَّة القائمة؛ بسبب الظلم والعدوان وسعي بعض الحضارات إلى الهيمنة والسيطرة على الأمم والحضارات الأخرى.

جوهر الحضارات
وفي فصل آخر بعنوان "جوهر الحضارات"، يناقش المؤلف قضيَّة ضرورة فهم الإنسان للحقائق الكونيَّة التي تحكم صيرورة الحضارات الإنسانيَّة، وعلى رأسها أن الإنسان هو محور الكون، وأنه هو المخلوق المفضل على كثير من الخلق، وأنه مكرّم، والأهم من ذلك أنه لا توجد أفضلية لبشر على بشر آخر من جهة العرق أو الدين أو أي شيءٍ آخر.

وفي السياق ذاته، يناقش المؤلف في إطار مقارن، النظريات الفلسفيَّة الأخرى التي ظهرت عبر مراحل مختلفة من التاريخ الإنساني، مثل الأفلاطونية والماكيافيلية، وصولاً إلى أفكار أصحاب المدارس الليبراليَّة والشيوعيَّة في عصرنا الحديث، وكيف نظرت إلى الإنسان، وأوجه القصور الموجودة في هذه النظريات، وخصوصًا العنصريَّة الموجودة لدى بعض أصحابها.

الأسس السياسية للبناء الحضاري
انتقل الكتاب بعد ذلك إلى مُدارسة الجوانب المعاصرة لحديثه عن قضية الحضارات الإنسانية، فبدأ بتناول الأسس السياسيَّة للبناء الحضاري؛ حيث خلط الزَّهار بين مفهوم الحضارة ومفهوم الدولة، أو ربما كانت تلك محاولة منه للمزج ما بين المفهومَيْن، أو للقول بأن الدولة هي إحدى مظاهر الحضارة الإنسانيَّة.
 
ويؤكد المؤلف في هذا الإطار، أهميَّة وجود دولة مركزيَّة إسلاميَّة تضم المسلمين فيما بين أرجائها وحدودها، مع وجود دول مركزية لكل القوى الناهضة في العالم المعاصر، ولذلك فإن الأمة الإسلاميَّة بحسب الزهار، في حاجة إلى الإطار المركزي الجامع الذي يعبر عن دين الأمة، وعن طموحاتها، ويوفر المنعة الاقتصاديَّة والعسكريَّة، ويحسن كذلك من ممكنات استغلال ثروات الأمة الطبيعيَّة، خصوصًا الموارد الإستراتيجيَّة مثل النَّفط.

جذور الصراع الكوني المعاصر
"
يقدم الكتاب رؤية سياسيَّة وفكريَّة حول جذور الصراع ما بين المسلمين والغرب في عصرنا الراهن، والملابسات التي تقف خلف احتساب الغرب للإسلام والمسلمين كعدو إستراتيجي له
"
وعن جذور الصراع الكوني المعاصر وأسبابه، يحاول الزَّهار في هذا الجزء من الكتاب، وربما من خلال تجربته العمليَّة في الحركة الإسلاميَّة، أن يقدم رؤية سياسيَّة وفكريَّة حول جذور الصراع ما بين المسلمين والغرب في عصرنا الراهن، والملابسات التي تقف خلف احتساب الغرب للإسلام والمسلمين كعدو إستراتيجي له.

ويرد الزَّهار هذا الصراع إلى عدد من العوامل، من بينها الشعور بالعداء، والتنافس الحضاري، وعلاقة الشك المتبادل ما بين الجانبين؛ نتيجة للصورة الذهنيَّة السلبيَّة الخاطئة الموجودة لدى كل من الجانبين عن الآخر، كما تلعب عوامل مثل تصادم المصالح الاقتصاديَّة، والنظرة العنصريَّة لدى الغرب تجاه الآخر، دورها في هذا، ولقد كانت مثل هذه العوامل محفزة على خروج موجات الاستعمار الغربي للعالم الإسلامي منذ الحروب الصليبيَّة وحتى الآن.

وبعيدًا عن خصوصية الحديث عن الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية، وعلاقات الشك القائمة بينهما، يقدم الكاتب خريطة توزيع القوى الحضاريَّة المؤثرة على مستوى العالم، بناءً على معايير مدى امتلاك هذه القوى لعناصر القوة الشاملة على مختلف المستويات السياسيَّة والعسكريَّة والاقتصاديَّة، كما يناقش في هذا الإطار مقولات البعض في الغرب عن أن الغرب قد صار هو القوة الأكبر بعد انتصاره في الحرب الباردة ضد الكتلة الشيوعيَّة السابقة.

ويضع الزَّهار الإنسان المؤهل على رأس هذه المعايير أو عناصر القوة الشاملة، يلي ذلك عدد السكان، ثم الموقع الجغرافي، والمقدرات الطبيعيَّة مثل الثروات، ثم القوة العسكريَّة، ووفق هذه المعايير تأتي الولايات المتحدة وأوروبا والصين وروسيا والهند على رأس هذه القوى.

وفي محاولة تصنيفه لوضع العالم الإسلامي في هذه التراتبيَّة، يقدم الكاتب مجموعة من الحقائق الإحصائيَّة حول واقع الأمة الاقتصادي والسياسي والعسكري، ويرى من خلال هذه الحقائق حجم الفجوة الموجودة بين العالم الإسلامي والكتل الحضاريَّة الكبرى، التي صنفها إلى أربع مجموعات رئيسيَّة هي الغرب البروتستانتي الكاثوليكي، وتقوده الولايات المتحدة، ويضم معها أوروبا وكندا، والكتلة البوذية التي تقودها الصين، والكتلة الهنديَّة التي تقودها الهند، والكتلة الأرثوذكسيَّة التي تقودها روسيا، ويتركز نفوذها في دول أوروبا الشرقيَّة.

منطق المصالح.. هل ينتصر؟
"
سيطرة الغرب وقيادته للعالم بدأت تشهد العديد من التحولات في غير صالحه, وستقوده إلى الزوال والانهيار
"
وعن مستقبل هذه الصورة، يتوقع الكاتب استمرار الغرب في ذات السياسات الحالية ضد العالم الإسلامي وضد الإسلام نفسه، ويقول: إن هناك تغليبًا لمصالح الغرب على العالم كله، وإن هناك سياسات مزدوجة المعايير فيما يتعلق بإدارة الأزمات الدوليَّة؛ حيث مصالح الكيان الصهيوني الأمنيَّة والسياسيَّة مقدمة على كل شيء، في إطار التحالف الحالي القائم بين إسرائيل والغرب.

القسم الأخير من الكتاب ناقش فيه الزَّهار من وجهة نظر علم المستقبليَّات الآفاق التي تنتظر كل كتلة من الكتل الحضاريَّة الكبرى القائمة في عالمنا.
 
وفيه خلص إلى أن سيطرة الغرب وقيادته للعالم قد بدأت تشهد العديد من التحولات في غير صالحه؛ بسبب مظاهر الانهيار الأخلاقي والقيمي الموجودة فيه، والتي ستقوده -بموجب قوانين العمران البشري المتعارف عليها- إلى الزوال والانهيار، أو على الأقل التراجع في مستوى السلم الحضاري، والتخلي عن قيادة العالم والهيمنة عليه.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك