عرض/ محمد الصوفي
عرض كتاب "صفورية والمجاهد والفتى" جانبا من وقائع القضية الفلسطينية المجهولة، وألقى الضوء على جوانب من حياة صفورية التي تعتبر من أكبر القرى في فلسطين، وبين أثر النكبة في حياة إحدى الأسر التي لجأت إلى سوريا.

 تحدث الكاتب غازي التوبة بالفصل الأول الذي سماه (صفورية في ذاكرة الفتى) عن قرية صفورية التي تقع في لواء الجليل على بعد 12 كلم إلى الشمال الغربي من الناصرة، وبين أنها تمتلك قلعة أثرية قديمة في وسطها، وأنها كانت مسقط رأس (مريم بنت عمران عليها السلام), وأن اسم القرية جاء من اسم زوجة موسى عليه السلام، وبين الكاتب أن عائلته كانت تملك بستانا ذا شجر مثمر، وزيتونا، وأرضا زراعية.

واقعة نهلال

الكتاب:  صفورية والمجاهد والفتى
المؤلف: د.غازي التوبة
عدد الصفحات: 153
الناشر: المكتب الإسلامي, بيروت
الطبعة: الأولى 2011

وجاء الفصل الثاني تحت عنوان (واقعة نهلال) ونهلال مستعمرة يهودية في مرج ابن عامر في فلسطين، وهي من أقدم المستعمرات المنشأة في فلسطين، وقد استهدفتها جماعة عز الدين القسام عام 1931، وروى الكاتب على لسان والده أحداث تلك الواقعة.

فذكر الكاتب أن والده أحمد التوبة ذهب مع اثنين من أهل بلدته صفورية، وهما: مصطفى علي الأحمد، والحاج صالح أحمد طه إلى مستعمرة (نهلال) وكان ذلك يوم 27/12/1931م، وقد استغرق المشي إليها طوال الليل تقريبا، وحملوا معهم بندقية وقنبلة، وألقوا القنبلة على أحد البيوت وكان فندقا، فقُتل شخصان، ثم عاد المجاهدون الثلاثة إلى صفورية، ولم يتوصل التحقيق الذي فتحه الإنجليز إلى الفاعلين الذين ألقوا القنبلة.

ثم بين الكاتب اعتقال الذين نفذوا عملية نهلال بالإضافة إلى شخصية هي: خليل عيسى الذي يصبح يعرف فيما بعد في الثورة باسم أبو إبراهيم الكبير والآخر أحمد الغلاييني وهو الذي صنع القنبلة في مايو/ أيار 1932.

ثم بين أن محاكمة جرت في سبتمبر/ أيلول  1932م في التَخْنُكة وهو حي يهودي في حيفا، وتشكلت المحكمة من أربعة قضاة، وقد تمت المحاكمة وسط حشد من الجماهير العربية واليهودية، ووسط حشد من الصحفيين، وقد استدعت المحاكمة أربعين شاهدا واستمرت المحاكمة ثمانية عشر يوما، حكم في نهايتها بالإعدام بحق اثنين من المتهمين وهما الأحمد والغلاييني، والبراءة للثلاثة الآخرين: التوبة، وطه، والكبير، وبالفعل تم تنفيذ الحكم بالمجاهد الأحمد في فبراير/ شباط 1933، أما الغلاييني فقد توسط له الأمير عبد لله (أمير شرق الأردن) آنذاك عند سلطات الإنجليز فخففت الحكم للمؤبد.

الثورة 1935-1936

"
اغتيال الجنرال أندروز كان منعطفا في تاريخ الثورة الفلسطينية، فقد أشعل الثورة من جديد، وعلى إثره اعتقلت القوات الإنجليزية 15 ألف شخص بجميع أنحاء فلسطين
"
ثم تحدث الكاتب بالفصل الثالث الذي عنونه (الثورة في عام 1935 و1936) قائلا إن الثورة كانت مشتعلة في وسط فلسطين وجنوبها، أما شمالها فلم تقم به أعمال جهادية، وأراد المجاهد التوبة تفعيل الشمال وإشعال الثورة فيه، فطلب من إخوانه في (جمعية الجهادية) إرسال عدد من البنادق إلى قرية الكابري في محيط عكا، وأشعل معركة في محيط قرية ترشيحا على الطريق إلى عكا، وقُتل عدد من عملاء الإنجليز، وساعدت طائرة إنجليزية العملاء في استكشاف وضعية المجاهدين.

ثم جعل الكاتب الفصل الخامس تحت عنوان (اغتيال الجنرال أندروز) وذكر المراحل التي سار فيها التوبة من أجل اغتيال أندروز، فبين أنه اختار أربعة من رفاقه القساميين الذين يعرفهم ويثق في جدارتهم للقيام بالعملية بعد أن أخذ موافقة القيادة على ذلك، واجتمع بهم، ووضح لهم الخطة، وجاء الجنرال إلى الكنيسة مع مرافق وحارسين السادسة مساء يوم 26/9/1937م وقد اغتاله التوبة برصاص مسدسه، في حين أن المجاهدين الآخرين تناولوا بقية المرافقين، فقتلوا أحد الحراس، وهرب المرافق إلى داخل الكنيسة وبدأ إطلاق النار على المجاهدين، أما السيارة فقد قفلت عائدة إلى معسكرها.

وبعد أن نجح المجاهدون في مهمتهم عادوا إلى بيوتهم، وذكر الكاتب أن هذا الاغتيال كان منعطفا في تاريخ الثورة الفلسطينية، فقد أشعل الثورة من جديد، وقد اعتقل الإنجليز 15 ألف شخص في جميع أنحاء فلسطين وفق قوائم معدة مسبقا.

جهاد والد الفتى
ثم جاء الفصل السادس بعنوان (جهاد والد الفتى في شمال فلسطين) فتحدث عن اجتماع ثلاثمائة مجاهد بقيادة أبو إبراهيم الكبير لمقاتلة الإنجليز بشمال فلسطين، وعمل التوبة مساعدا له، وكان ينوب عنه في قيادة الفصيل عند غيابه، وخاضوا معركتين كبيرتين الأولى: بمنطقة سخنين وعرابة بمنطقة عكا والثانية بمنطقة القديرية بسفح جبل كنعان يوم 27/12/1937.

وقررت القيادة بعد المعركة الانسحاب للشام، ثم عاد التوبة في فبراير/ شباط 1938م لساحة الجهاد، فدعا المجاهدين إلى الاجتماع بمحيط عكا، واجتمع ما يقرب من ثلاثمائة مجاهد، فانقسموا إلى قسمين: قسم يجاهد بشمال قضاء عكا والآخر بجنوبه، وقاد التوبة القسم الثاني بمنطقة سخنين وعرابة.

"
مرابطة الإنجليز بالقرى حال بين أهلها ومساعدة المجاهدين، وهو الدور الذين كانوا يقومون به سابقا
"
وذكر الكاتب أن الإنجليز اتبعوا خطة جديدة للتضييق على المجاهدين تقوم على مرابطة قوات إنجليزية بصورة دائمة فيما يقرب من أربعين قرية من قرى منطقة سخنين وعرابة مما جعل المجاهدين لا يجدون مأوى أو مكانا لبياتهم، أو طعاما يقتاتون به، لأن مرابطة الإنجليز بهذه القرى حال بين أهل القرى ومساعدة المجاهدين، وهو الدور الذين كانوا يقومون فيه سابقا، مما اضطر القيادة لإيقاف هذا التجمع الجهادي بسبب البرد القارس وكون المنطقة جبلية وعرة.

واقعة قرية تمرة
ثم تحدث الكاتب بالفصل السابع عن (واقعة قرية تمرة) وتتلخص في أن ستة مجاهدين بينهم التوبة جاؤوا إلى سكان قرية تمرة لتنفيذ الخطة التي وضعتها قيادة الثورة، وتقوم على جمع مبلغ محدد من النقود من كل قرية بفلسطين، وتشتري القيادة به عدداً من البنادق لصالح هذه القرية.

كما تطلبت الخطة من أهل القرية تحديد عدد من الشباب الذين يجب أن يستجيبوا لنداء المعركة بأي وقت عند حدوث معركة ما في محيطهم وهذا العدد وفق كبر القرية وصغرها، وقد علم الإنجليز عن طريق جواسيسهم بوجود المجاهدين، فطوقوا القرية، وجمعوا أهلها في أحد بيادرها، وطلبوا من المختار التعريف برجال القرية فردا فردا.

وحمل المجاهد التوبة اسم أحد الرجال الغائبين عن القرية، ونجا من اعتقال الإنجليز له، لكن أصحابه الباقين الخمسة اعتقلوا وأعدموا.

ملاحقات وتنقلات
ثم جاء الفصل الثامن بعنوان (ملاحقات وتنقلات) وبين فيه اعتقال الفرنسيين التوبة بدمشق ومصادرة كثير من مستلزمات الثوار، وتحدث عن انتقال ذلك المجاهد إلى العراق بداية الحرب العالمية الثانية مع الحاج أمين الحسيني، ثم مغادرته العراق إلى سوريا بعد فشل انقلاب رشيد علي الكيلاني على النظام الملكي عام 1941م، وتحدث عن اختبائه في حمص ثم اعتقال الفرنسيين له وتسليمه للإنجليز بفلسطين.

"
نزل التوبة لاجئا سياسيا بمكة عند الملك عبد العزيز آل سعود، ثم عندما انتهت الحرب العالمية الثانية عاد المجاهد إلى قريته التي احتفلت بعودته 
"
ثم بين الكاتب أن سلطات الإنجليز حبست التوبة بسجن عكا الكبير مع عدد من ثوار فلسطين بانتظار انتهاء الحرب العالمية الثانية لمحاكمتهم، ثم قرر المجاهد الفرار مع عدد من أصحابه من السجن، وبالفعل وضعوا خطة واستطاعوا الهروب، واختبأ فترة من الزمن بقريته صفورية متنقلا بين بيوت أصحابه، ثم غادرها إلى المملكة السعودية، ونزل لاجئا سياسيا بمكة عند الملك عبد العزيز آل سعود، ثم عندما انتهت الحرب العالمية عاد المجاهد إلى قريته واحتفلت القرية بعودته.

اللجوء إلى سوريا
ثم تحدث التوبة بالفصل التاسع وكان بعنوان (حرب 48 واللجوء إلى سوريا) عن اشتعال الحرب بين العرب واليهود نهاية عام 47 وبين أن المجاهد التوبة اشترك بمقاتلة اليهود في حيفا، ودافع عن منطقة (الحليصة) ثم استلم قيادة (بلدة شفا عمرو) ثم قاد المقاتلين بصفورية، ثم تحدث عن مهاجمة العصابات اليهودية صفورية في يوليو/تموز 1948، واضطرار أهل القرية لمغادرة بيوتهم، ثم استمروا في السير إلى بيت جبيل.

وبعد أن احتل اليهود صفورية جاء المجاهد إلى بيت جبيل ونقل الأسرة إلى حمص بسبب معرفة الكثير من أهلها، واستقبله أهلها أحسن استقبال وعاش فيها حياة اللجوء.

مميزات الكتاب
تميز الكتاب الذي عرضناه بالسطور السابقة بعدة أمور:
1- عرض تفصيلات مجهولة في بعض وقائع القضية الفلسطينية ومنها اغتيال الجنرال (لويس أندروز) فهذه القصة على أهميتها وعلى كونها أثرت في مسار القضية الفلسطينية فإنها كانت مجهولة من عدة جوانب، فقد كشف الكتاب لأول مرة تفصيلات عن الإعداد لعملية الاغتيال ومراحله، وحدد أسماء الفاعلين، وبين أن (الجمعية الجهادية) كانت وراءها، كما فصل وقائع (قنبلة نهلال) والأرجح أنه لا يوجد مصدر فلسطيني فصل هذه الوقائع بهذه الصورة.

2- وضّح المؤلف دور الأسرة الفلسطينية في الجهاد ضد الاحتلال الإنجليزي والاستيطان اليهودي، ووضح حجم معاناتها، والأثمان المادية والمعنوية التي قدمتها، وبين هذا الدور من خلال احتضان آل التوبة لابنهم المجاهد أحمد ودعمهم له، ولولا هذا الدعم من الأسرة وهذا الوقوف إلى جانبه لما استطاع أن ينجح في أداء مهمته.

"
بيّن الكتاب دور الشعب الفلسطيني في نصرة الجهاد الذي فجرته (الجمعية الجهادية) بقيادة القسام، وبين تفاعل جماهير الناس وآحادهم مع هذا الجهاد
"

3- بيّن الكتاب دور الشعب الفلسطيني في نصرة الجهاد الذي فجرته (الجمعية الجهادية) بقيادة القسام، وبين تفاعل جماهير الناس وآحادهم مع هذا الجهاد، وقدم نماذج من ذلك.

4- وامتاز بأنه جاء في قالب قصصي، وبأسلوب سلس، وقد احتوى عدداً من الصور للمجاهد التوبة في مختلف مراحل جهاده.
5- وامتاز بأنه وضَّح جانبا من أثر النكبة على حياة إحدى الأسر الفلسطينية التي لجأت لسوريا، وبين أثرها بحياة فتاها الذي يمكن أن يكون مثالاً لفتيان جيله.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك