عرض/حسين عبد العزيز
كان السودان مهد الحضارات في شمال شرق أفريقيا، وقد عرف الممالك والمدن التاريخية التي كانت مراكز حضارية وتجارية وثقافية.

 

يتكون السودان من خليط أجناس شتى وثقافات عدة، تمظهرت عبر تاريخه الطويل في ممالك وسلطنات ومشيخات عدة.

يحاول هذا الكتاب إلقاء الضوء على تاريخ السودان منذ ستين عاما وحتى يومنا هذا، عبر رصد التطورات السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية، مضيئا مشاهد الحراك والاحتجاج والصراع في مختلف محاوره وأطرافه وقواه المحلية والخارجية.

 

- الكتاب: التطورات السياسية في السودان
- الصفحات: 430

- المؤلف: سرحان غلام حسين العباسي
- الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية
- الطبعة الأولى: 2011
 
التطور السياسي والعسكري
لم تكن معالم الوحدة السياسية في السودان قد تحددت حينما وصل محمد علي باشا إليه عام 1821، بل إن الفتح التركي المصري فرض على السودان نوعا من الوحدة السياسية، استثنيت منها سلطنة دارفور.

 

وقد أحدث العهد التركي تغييرات عديدة في البلاد، فتوفرت الظروف لقيام الثورة المهدية التي قادها محمد المهدي، وتمكنت من إنهاء العهد التركي المصري عام 1885، غير أن هذا الاستقلال لم يدم طويلا بسبب الغزو البريطاني للبلاد.

 

أعادت السياسة البريطانية تركيب السودان في محورين إقليميين متنافسين هما، محور الختمية في الامتداد القبلي شرق السودان، ومحور الأنصار في غرب السودان وأطراف النيل الأبيض، وأفرغت كلا المحورين من أصول توجهاته التاريخية والفكرية، مع التركيز على مناوأة الطرفين للشريك المصري في الحكم.

 

هذه السياسة أدت إلى تبلور الحركة الوطنية في نهاية الحرب العالمية الأولى، وتكوين منظمات سياسية أصبحت فيما بعد مسؤولة عن مقاومة الاحتلال.

 

كما دفعت هذه التطورات مصر إلى إلغاء اتفاقية الحكم الثنائي ومعاهدة 1936 من جانب واحد، وأعلنت أنها والسودان وطن واحد.

 

وبعد قيام الثورة المصرية 1952 قررت الحكومة الجديدة في مصر حق تقرير المصير للسودان، وفي العام الذي يليه وقع اتفاق بين مصر وبريطانيا يؤكد حق السودانيين في الحكم الذاتي وتقرير المصير.

 

شهد السودان بعد نيله الاستقلال وضع أسس النظام السياسي الجديد، حيث كانت فترة الحكم الحزبي الأول، الذي تمثل في تأليف حكومة استمرت أشهرا عديدة من العام 1956، وكان على رأس الحكومة إسماعيل الأزهري، غير أن هذا العهد لم يستمر طويلا بسبب الصراع على السلطة بين حزب الأمة والحزب الوطني الاتحادي، وهو ما انتهى بالانقلاب العسكري الأول عام 1958 بقيادة الفريق إبراهيم عبود، حين تولى الحكم في البلاد مجلس عسكري استمر حتى العام 1964 تم فيها حل الأحزاب السياسية، وإنشاء المجلس المركزي كجهاز تشريعي.

 

ويرى المؤلف أن الخطوات الاقتصادية غير العملية ترافقت مع خطوات سياسية فيما يتعلق بمشكلة الجنوب، حيث لجأت الحكومة إلى استخدام القوة بدلا من الحلول السلمية، ومن أهم الأساليب التي استخدمت تغيير يوم العطلة من يوم الأحد إلى يوم الجمعة، وحصر تأدية الصلاة في الكنيسة، وتحديد عمل الهيئات التبشيرية الذي انتهى بطرد التبشيريات من البلاد.

 

في 21 أكتوبر/تشرين الأول 1964 عقد طلاب في جامعة الخرطوم ندوة لبحث مشكلة الجنوب متحدين بذلك قرار السلطات منع إقامة الندوات، وهو ما دفع السلطة إلى التدخل لفض الندوة بالقوة فاستشهد على أثر ذلك طالب وجرح العديد.

 

حصل الطلاب على دعم من أساتذة الجامعات والمنظمات والنقابات المهنية، وبعد ثلاثة أيام قرر المحامون والقضاة الإضراب والتظاهر احتجاجا على استخدام الحكومة الرصاص ضد الطلاب، وطالب القضاة بإجراء تحقيق حول الحادثة، وهو ما رفضته الحكومة، وكان من نتيجة ذلك إعلان الإضراب السياسي العام والعصيان المدني حتى سقوط النظام.

 

"
الخطوات الاقتصادية غير العملية ترافقت مع خطوات سياسية فيما يتعلق بمشكلة الجنوب، حيث لجأت الحكومة إلى استخدام القوة بدلا من الحلول السلمية
"
وإزاء تصاعد الإضراب وازدياد المصادمات أصدر الفريق إبراهيم عبود في 26 أكتوبر/تشرين الأول 1964 بيانا أعلن فيه حل المجلس الأعلى للقوات المسلحة ومجلس الوزراء.

 

وأعقب ذلك اجتماع بين عدد كبير من الضباط وممثلي الجبهة الوطنية المتحدة لبحث سبل نقل السلطة للمدنيين، وانتهى الاجتماع بميثاق وطني يدعو إلى تصفية الحكم العسكري، وإطلاق الحريات العامة للشعب، ورفع حالة الطوارئ. وفي ضوء هذه المبادئ تم تأليف حكومة انتقالية برئاسة رئيس وزراء محايد هو سر الختم خليفة.

 

من الثورة إلى الحكم المدني
بعد تصفية الحكم العسكري، أصبح أمام حكومة الثورة مهمة إعداد البلاد لانتخابات عامة، لكن حصل خلاف في مجلس الوزراء حول تنفيذ بنود الميثاق الوطني.

 

ولجأت الأحزاب التقليدية إلى ممارسة أساليب غير ديمقراطية في الحكم بسبب تشابك المصالح، فضلا عن أن حجم تأثير هذه الأحزاب داخل الحكومة أكبر مقارنة بالأحزاب العقائدية وممثلي النقابات المهنية.

 

لذا مارست هذه الأحزاب الضغط على الحكومة الانتقالية من أجل إعادة تشكيلها، وهذا ما حصل فعلا، حيث ضغط حزب الأمة والحزب الوطني الاتحادي (الصادق المهدي ومحمد أحمد محجوب وإسماعيل الأزهري) على رئيس الوزراء سر الختم خليفة لتقديم استقالته.

 

انتهت مسؤولية سر الختم بعد قيامه بأعمال كبيرة في مجال التشريع، لكن حكومته فشلت في تحقيق مطالب وطموحات القوى الوطنية المساهمة فيها.

 

وبعد استقالة سر الختم، انتخب الحزب الوطني الاتحادي وحزب الأمة في البرلمان إسماعيل الأزهري رئيسا لمجلس السيادة، ومحمد أحمد محجوب رئيسا للوزراء، أما المعارضة في البرلمان فقادها حزب الشعب.

 

وفي هذه المرحلة شهد حزب الأمة انقساما حادا داخل أسرة المهدي بين الصادق المهدي وعمه الهادي المهدي، تحول إلى صراع على السلطة انتهى بضغوط قام بها الصادق على محجوب لتقديم استقالته من رئاسة الحكومة عام 1966.

 

"
حكومة المهدي انتهت عام 1989، حين تمكنت الجبهة الإسلامية القومية من السيطرة على الحكم بانقلاب عسكري هو الأول من نوعه بقيادة حزب سياسي على سلطة منتخبة
"
وبهذا أصبح الصادق رئيسا للوزراء بعد التحالف مع الحزب الوطني الاتحادي، لكن حكومته واجهت آثار الصراع الذي دار داخل الحزبين، حيث ضعفت أغلبية الحكومة في البرلمان، فضلا عن شخصية الصادق غير المستقرة، والنتيجة كانت سقوط حكومة الصادق عام 1967.

 

أدت هذه التطورات إلى عودة الائتلاف السابق بزعامة المحجوب إلى السلطة وتشكيل وزارته الثانية بائتلاف حزب الأمة جناح الهادي والحزب الوطني الاتحادي وحزب الشعب الديمقراطي، على حساب الصادق الذي أصبح في المعارضة.

 

بعد ذلك اندمج الحزب الوطني الاتحادي بزعامة الأزهري، وحزب الشعب الديمقراطي بقيادة الشيخ علي عبد الرحمن الأمين، وسميا الحزب الجديد حزب الاتحاد الديمقراطي، واشترطت قيادتا الحزبين لإتمام اتحادهما حل البرلمان وإجراء انتخابات بين 18 و25 أبريل/نيسان 1968.

 

حفزت هذه الأحداث بعض الضباط الأحرار على القيام بعمل عسكري، وسرعان ما قرر تنفيذ انقلاب بقيادة جعفر النميري، وتم الانقلاب فعلا في 25 مايو/أيار 1969، واستمر إلى العام 1985.

 

من الانتفاضة إلى الانقلاب
انتفض الشعب السوداني عام 1985 ضد حكم النميري، ووقفت إلى جانب الانتفاضة قيادة الجيش العامة بقيادة الفريق عبد الرحمن سوار الذهب، الذي أصدر ميثاق التجمع لإنقاذ الوطن للمرحلة الانتقالية التي حددت بعام واحد، لكن هذه المرحلة فشلت، كما فشلت القوى المشاركة في الانتفاضة في تحقيق أهدافها، خاصة بعد انتهاء المرحلة الانتقالية وإجراء الانتخابات عام 1986 التي تمخض عنها قيام الجمعية التأسيسية وتشكيل حكومة برئاسة الصادق المهدي راعي حزب الأمة.

 

لكن حكومة المهدي انتهت عام 1989، حين تمكنت الجبهة الإسلامية القومية من السيطرة على الحكم بانقلاب عسكري هو الأول من نوعه بقيادة حزب سياسي على سلطة منتخبة.

 

أصدر قائد الانقلاب الفريق عمر البشير قرارين، الأول أن ثورة الإنقاذ الوطني تعبير عن الشعب، والثاني حل جميع الأحزاب والتشكيلات السياسية وحل الحكومات الإقليمية وجميع النقابات إلى حين صدور قانون جديد.

 

كما أصدر مجلس قيادة ثورة الإنقاذ الوطني برنامجه الذي أكد على:


- بناء قاعدة القوات المسلحة.
- إيلاء أسبقية لتأمين الحاجات الأساسية.
- تحسين الخدمات في القرى.
- دفع التنمية والإنتاج.
- العمل العاجل على تقوية العلاقات مع الجوار العربي الأفريقي.
- تأكيد مبدأ سياسة عدم الانحياز.
- اعتبار فلسطين قضية الوطن العربي الكبرى.

 

"
أول ما قامت به ثورة الإنقاذ الوطني هو إصدار قائد الانقلاب الفريق عمر البشير قرارين، الأول أن ثورة الإنقاذ الوطني تعبير عن الشعب، والثاني حل جميع الأحزاب والتشكيلات السياسية وحل الحكومات الإقليمية وجميع النقابات
"
كان أول رد فعل على النظام الجديد من جانب النقابات المهنية المطالبة بإعادة الشرعية لنقاباتهم، وقام نقابيون بتقديم مذكرة للسلطة التي قامت بحملة اعتقالات في صفوف القيادات النقابية، وجرت إلى جانب ذلك محاولة انقلاب لقلب نظام الحكم عام 1990، وترافق ذلك مع استمرار الحرب في الجنوب.

 

وعلى مستوى المعارضة الخارجية تشكل في أسمرة التجمع الوطني الديمقراطي عام 1995، وإزاء هذا الضغط تراجعت حكومة الإنقاذ عن موقفها من الجنوب، ثم عادت إلى المفاوضات وصولا إلى توقيع إعلان مبادئ إيغاد عام 1997.

 

واتخذت الحكومة بعد العام 2001 الكثير من المواقف، منها المبادرة المصرية الليبية لإحلال السلام في السودان بعد موافقة الحركة الشعبية بقيادة جون قرنق.

 

وعلى إثر ذلك بدأت عام 2002 مفاوضات ماشاكوس في كينيا بشأن الجنوب، ثم اتفاقيات نيفاشا عام 2003 ومن ثم توقيع اتفاقيتي اقتسام السلطة والثروة في نفس العام، قبل أن توقع الحكومة والحركة الشعبية على الاتفاق النهائي في 9 يناير/كانون الثاني 2005 بشأن السلام الشامل وحق تقرير المصير للجنوب.

 

مقابل ذلك، تسارع وقع الأحداث في دارفور، وبرزت حركة تمرد عسكرية وسياسية، أبرزها حركة تحرير السودان وحركة العدل والمساواة.

 

ونتج عن الأحداث في دارفور صدور قرارات من مجلس الأمن الدولي في العام 2004 و2009، مع استمرار مفاوضات السلام برعاية أفريقية لاسيما مفاوضات أبوجا ومساعي مصر وليبيا عام 2007 و2009.

 

وفي هذه الفترة قام المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية عام 2008 بعد تفاقم الوضع السياسي في دارفور، بإصدار أمر اعتقال الرئيس البشير بتهمة ارتكاب جرائم حرب ضد الإنسانية، ومنها جريمة الإبادة الجماعية.

 

خاتمة
انتهى المؤلف إلى استخلاص نتائج كثيرة من هذه الدراسة، أهمها:
- سعي بريطانيا إلى فك الروابط القومية والتاريخية بين مصر والسودان، ودعم التيارات الانعزالية.
- الصراع بين دعاة الدستور العصري والعقلية التقليدية.
- تعطش الجيش للسلطة والسياسة، وما نتج عن ذلك من قمع ودكتاتورية.


- ثورة 1964 عكست الغضب الجماهيري، وما أعقبها من إجهاض وعودة الصراع السياسي وتكرر الانقلابات العسكرية.

- استمرار الحرب في الجنوب وأثره في استنزاف موارد السودان.
- التدخل الخارجي في جنوب السودان.
- تدويل أزمة دارفور، وما تتحمله الحكومات السودانية منذ الاستقلال من مسؤولية في هذه الأزمة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك