عرض/ توفيق عابد

"نجمة كنعان.. معركة الهوية"، كتاب جديد وصفه النائب في الكنيست الإسرائيلي محمد بركة، بأنه رواية بحثية تدقق في الهوية جوعا وثوبا ولوحة في ظل تداعيات الاقتلاع الفلسطيني والمنفى، ووسيلة تعبئة، وشكل من أشكال صيانة الانتماء.

-الكتاب: نجمة كنعان.. معركة الهوية الفلسطينية
-المحرر: د. أحمد جميل عزام
-عدد الصفحات: 256
-الناشر: دار فضاءات للنشر والتوزيع, عمان
-الطبعة: الأولى/ يوليو 2011

الجوع يشكل الهوية
في الفصل الأول يستعرض الدكتور أحمد جميل عزام "سفر الجوع الفلسطيني، عندما تشكل قصص الأمعاء الخاوية ذاكرة شعب"، ويكشف عن تجارب فعلية لحالات من جوع الفلسطينيين منطلقا من سير ذاتية وشهادات منشورة وموثقة، حسب رأيه، ومشيرا إلى أن تجلياتها اتضحت في الأدب وتحديدا الرواية الفلسطينية.

ويركز على أن أثر الجوع والتجويع يبدو واضحا في أنماط السلوك والشخصية، إلى درجة أنها أوجدت هوية مشتركة وشعورا بالرابطة الوطنية وتماسك الجماعة في وجه الطرف الآخر " العدو" أو تفتتا وانقساما داخليا.

زعتر الخليل
وتشي بعض القصص كما في حالة عبد العزيز شاهين "أبو علي شاهين" في جبل الخليل عن القيمة الاجتماعية العالية للكفاح المسلح المعتمد على البعد الفلسطيني الخاص.

وينقل عن شاهين الذي كان جزءا من مشروع ياسر عرفات لبناء قواعد مسلحة في الأراضي المحتلة قوله "ما طرقنا في الخليل أو في الجبال بابا سائلين حاجة أو مؤونة ورددنا خائبين" ويتحدث عن الصبية الجميلة التي ترتدي الثوب الشعبي حيث زودتهم بالزيت والزعتر والزيتون والجبنة وعلب اللحمة والسردين والبصل والتمر والزبيب والملبن وخبز الطابون الساخن.

بلعين وأفعى الاحتلال
أما الفصل الثاني، فيدرس تجربة قرية بلعين في المقاومة السلمية والشعبية المدعومة بتضامن عالمي حيث يعتمد معده الباحث عبد الغني سلامة على مقابلات وملاحظات ميدانية وشخصية مع ناشطين كانوا مطاردين من قبل الاحتلال.

ويعكس نماذج واضحة من الانفتاح على العالم بما يخدم القضية الفلسطينية ويرفض مجاراة بشاعة الاحتلال باستخدام ما يمكن تسميته احتجاجات مسرحية تقوم بتمثيل تصور الاحتلال بأنه أفعى أو مشنقة من خلال قصائد محمود درويش وراشد حسين وغيرهما.

"
يعكس الكتاب نماذج واضحة من الانفتاح على العالم بما يخدم القضية الفلسطينية ويرفض مجاراة بشاعة الاحتلال باستخدام ما يمكن تسميته احتجاجات مسرحية
"
ويخلص لتحول واضح عن فكرة العمليات الاستشهادية وبعض أنماط الكفاح المسلح التي خضعت لمراجعات ونقاشات واضحة في أوساط الفلسطينيين وأنصارهم على خلفية تكتيكية وحسابات الربح والخسارة أو على أساس فكري وعقائدي ومبدئي لكيفية إدارة الصراع وأخلاقياته.

كما يكشف تحولا في قطاع شعبي فلسطيني مهم نحو مفاهيم سلمية للمقاومة باتجاه عولمة الصراع سلميا.

القدس وفاشية الصهاينة
وفي الفصل الثالث يقدم مروان بركات مراجعة لتغيير جغرافية مدينة القدس، ووضعها بفعل الحروب وقرارات الاحتلال التوسعية، ويشير لكيفية تخيل الجغرافيا في عقول الناس من موقف لآخر ويقدم توثيقا للآثار الاجتماعية التي تقترب أحيانا من الكوميديا السوداء المضحكة المبكية لآثار بناء جدار الفصل العنصري على حياة المقدسيين.

كما يوثق حالات من التضييق الذي يمارسه الاحتلال والذي من شأنه أن يستحضر للذاكرة أنماطا من ملاحقة واضطهاد النازيين والفاشيين وهنا يقول الكاتب: "دعونا نتخيل معا تجربة مخبرية هائلة أدارتها مجموعة من العنصريين الفاشيين امتلكت فيها موارد مالية وإمكانيات سيطرة هائلة".

"
اجترح الشعب الفلسطيني معجزة بقائه وصموده على أرض وطنه في مواجهة دولة امتلكت كل عناصر التفوق المادي
"
ففي التركيز على وصف إسرائيل "العدو" بالفاشية والنازية رد ضمني على رفض قيام الدولة العبرية بالاضطهاد الذي عانى منه اليهود على يد النازية واتهام مفاده أن الضحية السابق هو من يضطهد الفلسطينيين.

وهناك أيضا تأكيد على أن بشاعة الاحتلال لا تمنع من الصمود حيث يقول الكاتب "أجترح الشعب الفلسطيني معجزة بقائه وصموده على أرض وطنه في مواجهة دولة امتلكت كل عناصر التفوق المادي" .

الثوب الفلسطيني رافعة نضالية
أما في الفصل الرابع فتعرض نورا جبران وسلام عفونه توثيقا لفكرة استخدام ثوب المرأة الفلسطينية المطرز رافعة نضالية لصنع الهوية الوطنية والحفاظ عليها من خلال مقدمة لأنثروبولوجيا الثوب وكيف يتم فهمه في العقل الفلسطيني الجمعي وتجربة عملية شخصية ومؤسسية للحفاظ عليه متمثلة بتجربة الناشطة مها السقا.

وخصص الفصل الخامس لمقابلة مع الفنانة التشكيلية تمام الأكحل ومسيرة ستين عاما في استخدام الألوان واللوحات باعتبارهما قيما جمالية مقابل بشاعة المحتل والرموز كالخيل التي ترمز للتحدي في بناء الهوية وتعبئتها في سياق معركة الاحتلال.

ويحمل الكتاب عمليات تكيف وتغيير في مضمون الهوية بين القومي والوطني والديني والإنساني.. وهذه إشكالية قديمة في الفكر الفلسطيني حاولت حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح" أن تحلها بطرح شعار "ثورة فلسطينية الوجه.. عربية القلب.. إنسانية الأبعاد".

ومن وجهة نظر الباحثين فإن تشتت أصحاب الهوية أحد معالم خصوصية الهوية الفلسطينية البارزة لذلك فإن اللوحة والرموز والثوب والصورة والأغنية والرواية تعتبر ذات أهمية خاصة في أيجاد قواسم مشتركة وذاكرة جمعية.

لكن هذا التشتت له تبعات من ضمنها ما تتحدث عنه الباحثة الفلسطينية لاله خليلي من تباين الأيديولوجيات والفكر الذي تتعرض له الجاليات الفلسطينية في الشتات، كما أن حالة التشتت هذه تجد في وسائل الاتصال المعولمة –الإنترنت- متنفسا مهما ورابطة تجمع أشتاتها.

"
يفرد الكتاب صفحات كثيرة عن الجوع في فلسطين والمنطقة عموما إبان الحروب من خلال قصص حقيقية تقشعر لها الأبدان
"
ثقافة الجوع
ويفرد الكتاب صفحات كثيرة عن الجوع في فلسطين والمنطقة عموما إبان الحروب من خلال قصص حقيقية ولكن ما يلفت النظر بألم ما وثقه الراحل ممدوح نوفل قائد قوات الثورة الفلسطينية في لبنان سابقا، في كتابه "مغدوشة.. قصة الحرب على المخيمات في لبنان" الذي يشير فيه لتجربة الجوع في المخيمات وموقف القوى المختلفة وخصوصا سوريا وإيران وحزب الله.

ويقول نوفل: توقفت عند برقية من مسؤول تنظيم الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين في مخيم برج البراجنة علي فيصل واقشعر جسمي لمحتواها "عقد اجتماع جماهيري في مسجد المخيم وقرر الأهالي أكل لحم القطط والكلاب والحمير إن وجدت وطالبوا إمام المسجد بإصدار فتوى ووجهوا برقيات لشيوخ السنة والشيعة والدروز يطلبون إصدار فتوى رسمية وعلنية بهذا الشأن وتوجه نفر للمخيم ليروا بأعينهم الأطفال الرضع الذين يشرفون على الموت".

ولكن ما هي الحقيقة، هل كان الأمر خدعة؟ وهنا يقول نوفل معلقا في حينه تضمنت البرقية شيئا من المبالغة إلا أنها تعكس الحالة الصعبة التي عاشها الناس وكتب "السوريون لم يسمحوا لنا بإدخال رغيف خبر واحد لأي من المخيمات التي تحاصرها مليشيات حركة أمل بقيادة نبيه بري ولم يساعدنا حزب الله ولا الإيرانيون".

ويورد نوفل ما قاله ياسر عبد ربه -القيادي في الجبهة الديمقراطية آنذاك- لعشرة مشايخ يصحبهم وفد إيراني وخاصة الفتوى بأكل لحوم جثث الشهداء وأكل الأعشاب والصيام حتى الموت في المخيمات وختم بمطالبة المشايخ "بخطوة عملية لإنقاذ أطفال مسلمين يستغيثون بكم".

وخاطبهم بقوله: "أعطونا الأمان لمخيماتنا، الخليفة عمر بن الخطاب أعطى الأمان للنصارى في القدس يوم فتحها. طالبهم بالجزية وإذا أردتم الجزية على نساء فلسطين وأطفالها وشهدائها فنحن جاهزون لدفع الجزية لكم وللبطل نبيه بري".

"
 استشهد الشاب نضال عبيات 28 عاما برصاص الاحتلال بينما كان يجمع أعشابا من ساحة كنيسة المهد لطهيها في ظل نفاد الطعام لدى المحاصرين بالكنيسة
"
كنيسة المهد رمز للصمود
واستعرض الكتاب اجتياحات قوات الاحتلال للضفة الغربية 2002 وحصار كنيسة المهد واستخدام التجويع سلاحا ضمن التكتيك الإسرائيلي منذ الأيام الأولى ضد الفلسطينيين ورئيسهم الراحل ياسر عرفات, إذ دأب جندي يتحدث بلكنة لبنانية على توجيه نداءات مستخدما مكبرات صوت قرب كنيسة المهد "أيها الجمهور المحاصر في كنيسة المهد كل شخص عليه أن يقرر مصيره بنفسه. سلموا أنفسكم لجيش الدفاع الإسرائيلي وكل واحد يروح لبيته سالما غانما. حرام على الجوع والتعب".

ويورد الكتاب في هذا الشأن استشهاد الشاب نضال عبيات 28 عاما برصاص الاحتلال بينما كان يجمع أعشابا من ساحة الكنيسة لطهيها في ظل نفاد الطعام لدى المحاصرين الذين تراوح عددهم بين مائتين وثلاثمائة.

المصائب من الخس
كما يروي قصة رامي الخطيب الذي خرج من منزله في بيت لحم لشراء الحليب لأبنته يوم 2 أبريل/نيسان ولكن اشتداد المواجهات أجبره على اللجوء للكنيسة حيث أمضى أربعين يوما، كان خلالها من ضمن من يجلبون ما يتوفر من أعشاب في حديقة الكنيسة، لكنه أصيب بجرح أسفر عن استئصال طحاله، وقال في حديث صحفي بعد أيام من انتهاء الحصار "الخس هو إلي جاب أجلي".

"
يروي الكتاب قصة أم صالح مرزوق التي وصفها بالأم الرائعة، ومثال للمرأة الفلسطينية الباسلة، حيث كانت بطلة في الانتفاضة الأولى، وحافظت على صورتها في الوجدان الفلسطيني
"
رغيف أم صالح 
وفي باب التضامن، يروي الكتاب قصة أم صالح مرزوق التي وصفها بالأم الرائعة، ومثال للمرأة الفلسطينية الباسلة، حيث كانت بطلة في الانتفاضة الأولى، وحافظت على صورتها في الوجدان الفلسطيني، فقد كانت تعجن وتخبز كميات كبيرة وتتسلل مستخدمة بيوت الجيران الملاصقة للمجمع الكنسي وتقذف بأرغفة الخبز داخل السور للمحاصرين، إلى أن اكتشفها جنود الاحتلال، فاقتحموا بيتها وحطموه وضربوها حتى أدموها.

وأورد عدة نماذج لتضحيات المرأة الفلسطينية، منها الفتاة غزلان سليمان، ذات العشرين ربيعا، وأم داود وغيرهما.

ويستشهد الكتاب بما قالته الصحفية الأميركية كريستين شور التي تمكنت من التسلل للكنيسة مع تسعة ناشطين أجانب ومصورة صحفية "عندما وصلنا كان المحاصرون يقتاتون منذ عدة أيام على أوراق يقطفونها من الحديقة".

المصدر : الجزيرة

التعليقات