عرض/ مصطفى فؤاد

يحكي هذا الكتاب قصة عدوين طالما تقاتلا في ساحات المعارك من دون أن يعرف أحدهما الآخر، ثم تعارفا وسجل كل منهما بصدق جزءا من تاريخه.

وهذه القصة ليست تسجيلاً لنظريات في الدبلوماسية، أو لمآثر رجال في الساحة السياسية، بل هي قصة يرويها عوزي وبسام بأمانة عن الحرب بين شعبيهما، وكيف تغلب المتحاربان في النهاية على أحقادهما الشخصية، والتأما في الكفاح من أجل السلام.

-الكتاب: أفضل الأعداء
-المؤلف: بسام أبو شريف وعوزي محنايمي
-عدد الصفحات: 380
الناشر: دار الساقي، بيروت
-الطبعة: الأولى/2011م

فقد كان الفلسطيني بسام أبو شريف قائدا ميدانيا بارزا ضدّ الاحتلال الإسرائيلي، حتى لقّبته وسائل الإعلام الغربية بـ"الوجه المعلن للإرهاب". وأرسل إليه "الموساد" طردا بريديا احتوى على قنبلة شوّهته لكنها لم تقتله، بل أصبح الناطق الرسمي باسم منظّمة التحرير الفلسطينية، يلازم ياسر عرفات كظلّه.

أما الإسرائيلي عوزي محنايمي، فقد تبوّأ مركزا هاما في استخبارات الجيش الإسرائيلي، ويصف هنا كيف شهد على حرب صامتة وسامّة تخاض عبر الشرق الأوسط، وتتمدّد إلى شوارع لندن عام 1987م، ما دفع "مارغريت ثاتشر" آنذاك إلى منع "الموساد" في بريطانيا.

ثم استقال محنايمي من مهامه في الجيش ليتحوّل إلى صحفي في واحدة من أبرز الصحف الإسرائيلية، فدأب على نشر تصريحات منظّمة التحرير على الصفحة الأولى وأراد إقناع الرأي العام الإسرائيلي بأن العرب ليسوا كلّهم شياطين، وأن السلام هو الطريقة الوحيدة لاستمرار إسرائيل وسط محيط معادٍ.

التقى الرجلان في لندن عام 1988م، بعد سنوات عديدة على انسحاب كل منهما من دائرة العنف لأسباب متباينة. وخلال ذلك اللقاء الغريب، ولد "أفضل الأعداء". وانبرى الرفيقان اللدودان لخوض نضال جديد، أصعب، هو المعركة من أجل السلام، فمهّد تعاونهما لمصافحة عرفات رابين الشهيرة عام 1993م.

وقد أثار هذا الكتاب بنسخته الإنجليزية ضجّة كبيرة، وكان أحد أفضل الكتب مبيعا في الولايات المتحدة. وترجم إلى لغات عدة ونُشر في 15 دولة، من أوروبا إلى الشرق الأقصى.

كيف بدأت الحرب؟
جاء الكتاب في واحد وثلاثين فصلاً، تسرد هذه الفصول قصة المؤلفين بشكل تسلسلي. سأقتبس في هذا العرض بعض المقتطفات من هذا السرد.

في البداية، تحدث عوزي محنايمي عن عائلته ومكان إقامتها قبل أن يهاجروا إلى فلسطين وبعده، ثم تحدث بسام أبو شريف كذلك عن عائلته وموقفها من "إعلان بلفور" عام 1917م، حيث قال: "فلقد اعتبرته جريمة في غاية الخطورة، ذلك أن "وعد بلفور" قد شجع عملية غير شرعية وجائرة، ونتيجة لهذا الوعد فقدت عائلتنا معظم أملاكها".

يقول بسام أبو شريف: "أخذ العنف يشتد بين العرب واليهود سنة بعد أخرى. وبحلول عام 1929م، كانت فلسطين العربية كلها قد انتفضت بدم موحد ضد الانتداب البريطاني وضد اليهود أيضا، ولم يكن العرب هم وحدهم الذين امتشقوا السلاح، بل راح اليهود كذلك يهاجمون العرب في بيوتهم، وخاصة في مدن الخليل ويافا والقدس. وهكذا بدأت الحرب الفعلية من أجل فلسطين".

"
عوزي: تركت مذبحة الهولوكوست المنظمة أثرها المرعب في أذهان كل الذين علموا بها فيما بعد، وخلفت وصمة لا تمحى لدى كل أولئك البشر الذين درسوا عنها
"
ويقول عوزي: "لقد تركت مذبحة الهولوكوست المنظمة أثرها المرعب في أذهان كل الذين علموا بها فيما بعد، وخلفت وصمة لا تمحى لدى كل أولئك البشر الذين درسوا عنها".

ويصور بسام أبو شريف المشهد وهو يقف عالقا على الحدود الأردنية الفلسطينية بعد نكسة 1967م، وقد سيطر الإسرائيليون على الحدود قائلاً: حدق بي الإسرائيليون بامتعاض من فوق أسلحتهم، ونعقوا: "يا هذا، استدر إلى الخلف، وعد من حيث أتيت" رددت عليهم صارخا: أريد الذهاب إلى بيتي، فأنا من سكان القدس. فقال جاويش إسرائيلي بسخرية وازدراء: "لم تعد كذلك بعد اليوم. اذهب إلى الجحيم".

حدقت به، وقلت في نفسي، هذا الإسرائيلي الممتشق السلاح، الطاغية الصغير، يمنعني من العودة إلى بيتي الخاص والمنزل الذي ولدت فيه، لم يستطع تفكيري إدراك ذلك بوضوح، ولاحت في ذهني عبارة "لقد احتللنا".

وعن موقفه من نتائج حرب 1967م، يقول عوزي محنايمي: كثيرون هم اللاجئون الذين يعانون الذل والهوان، وكانت حالهم تدعو إلى الإشفاق. غير أنني لم أكن أستطيع كتم الابتهاج بالنصر الكامن في داخلي، لقد دحر والدي وأصدقاؤه العرب، وأجبروهم على الفرار، وجنودنا غدوا أبطالاً، وإسرائيل أصبحت في مقام دولة عظمى.

أما الجيوش العربية، فلا تساوي شيئًا، وحتى كانت أقل من لا شيء، كانت نمورا من ورق. حدقت عبر الجسر، من وراء ظهر القوات الإسرائيلية المنتصرة، في وجوه العرب الغاضبين الواقفين وراء الحاجز. لا، لن نسمح لهم بالدخول. فهذه الأرض أصبحت ملكنا الآن.

ومن بين أولئك الذين حدقوا فيّ من الجهة الأخرى، كان بسام أبو شريف، رغم أنني لم أكن أعرفه آنئذ.

محاولة اغتيال أبو شريف
وعن محاولة اغتياله، يقول بسام أبو شريف: كان الكتاب مصمما على شكل مجوف، وثبتت في التجويف الداخلي الحاصل عبوتان ناسفتان تنفجران حال رفع الجزء غير المقصوص من صفحاته، وفي أقل من ثانية، رأيت كتلة العبوتين، والسلك الأسود الموصل بينهما، وكذلك فتيل التفجير الأحمر الصغير. فابتعدت إلى الخلف قليلاً غريزيا. ولعل تلك الحركة البسيطة هي التي أنقذت حياتي.

"
كان بسام شوكة تخز جلد إسرائيل، لا كإرهابي، بل كدعائي ناجح للقضية الفلسطينية
"
وعن محاولة إسرائيل اغتيال "بسام أبو شريف" يقول عوزي محنايمي: في عام 1972م، كان أمرا مستحيلاً ألا يلحظ بسام أبو شريف أيا من العاملين في الموساد، وخاصة أولئك المسؤولين عن تنفيذ العمليات. فقد كان بسام شوكة تخز جلد إسرائيل، لا كإرهابي، بل كدعائي ناجح للقضية الفلسطينية.

وكتب عميل الموساد مذكرة إلى رئيسه يقترح فيها اغتيال بسام أبو شريف بطرد بريدي ملغم، وجاء الرد من ذلك المسؤول: ولم لا؟ ليس بمقدورنا القضاء على جميع هؤلاء الأوغاد، لكننا نستطيع أن ننال من أحدهم. وبسام هدف سهل التحقيق، وبتصفيته يكون وضعنا أفضل. فامض في مشروعك.

ويحكي بسام أبو شريف ما دار في خلده بعد ما حدث له من آثار محاولة الاغتيال، وعن كيفية الرد على من فعل به هذا من عملاء الموساد، قائلاً: فكرت بالتفصيل فيما سأعمل ضد عملاء الموساد الذين أرسلوا إليّ بتلك القنبلة المخبوءة...، ابتدعت لهم في مخيلتي أساليب تعذيب محددة، لتمارس عليهم إلى ما لا نهاية، فقد كانوا يستحقون كل ذلك. لكنني مع مرور الأيام، وفتور حدة غضبي بعض الشيء، بدأت أفكر بطريقة مختلفة.

التحول نحو السلام
قلت لنفسي: إن العنف ليس هو الحل. ولا يعني هذا أن الإسرائيليين قد أوقعوا الرعب في نفسي، ودفعوني إلى التخلي عن النضال، أبدا سأظل أناضل، رغم كل الذي حدث لي، من أجل قيام دولة فلسطينية. لكنني اليوم -وقد عانيت من العنف بطريقة مباشرة- فإنني أدرك أنه لا جدوى منه، وأوضحت مشاعري نحو السلام، وإيجاد تسوية عن طريق التفاوض أكثر حدة، وأعمق جذورا، خاصة بعد أن قرأت وثيقة عن السلام في الشرق الأوسط، من وضع أحد أعضاء حركة "كويكرز" يدعى فيشر.... لم يعد الانتقام من الذين هاجموني يخطر ببالي منذ أن غادرت المستشفى، بل لعلي كنت أشفق على تلك الأفكار الغريبة، ذلك أن القتل يجب أن يتوقف عند نقطة معينة.

ومن معاناتي الشخصية المباشرة من العنف، أدركت أنه ليس الطريق الصحيح، بل السلام وحده هو الطريق.

"
عوزي: تفهمت العرب على نحو أفضل أثناء عملي في الاستخبارات العسكرية، وبدأ يطرأ عليَّ التغير بالتدريج، وخلف فيّ تأثيرا عميقا وبعيد المدى
"
ويفسر عوزي محنايمي سبب اقتناعه بالسلام مع العرب بقوله: تفهمت العرب على نحو أفضل أثناء عملي في الاستخبارات العسكرية، وبدأ يطرأ عليَّ التغير بالتدريج، وخلف فيّ تأثيرا عميقا وبعيد المدى.

على أن ذلك لا يعني أنني كنت أحب العرب، أو حتى غدوت ودودا بالنسبة لأي منهم، لكنني بدأت مع الزمن أتفهم بالتدريج وجهة النظر العربية تجاه القضية الفلسطينية.

بدأت أتفهم ماذا يريدون، ولماذا، بل إنني أدركت بعض العدالة في موقفهم. ومن موقعي هناك في جهاز الاستخبارات، كنت أعمل على تدمير العرب يوميا، لكنني كنت في الوقت ذاته، وبالعمل ذاته، أدمر نفسي إلى حد ما. لم أعد متأكدا من أن كل عربي شيطان.

في سياق محاولاتي تجنيد عملاء العرب، وجدت نفسي على اتصال يومي بهم. فكنت أحادثهم، وأتعرف عليهم عن كثب: طريقة تفكيرهم، ورد فعلهم تحت وطأة الضغوط.

ومع أن أحاديثنا تناولت العديد من المواضيع، فإن أكثر المواضيع بروزا فيها، وذات اهتمام مشترك، كان القتال بين شعبينا. وكلما ازددت اختلاطا بالعرب ترسخ فهمي بأن الطريق الصحيح هو العيش معهم بسلام.

بداية التعارف
وعن بداية معرفة عوزي محنايمي ببسام أبو شريف، يبين عوزي أنه خلال إقامته في لندن، تعرف إلى ماري كولفين – مراسلة صحيفة "صنداي تايمز" لشؤون الشرق الأوسط، وذات الصلات مع العديد من الرموز القيادية في منظمة التحرير الفلسطينية، وطلب إليها أن تساعده في الوصول إلى بعض هؤلاء القياديين، فاقترحت عليه الاتصال بأحد مصادرها وهو بسام أبو شريف.

"
يحكي عوزي عن أول اتصال بينه وبين بسام بقوله: اتصلت ببسام أبو شريف، وكان متجاوبا جدا، وصريحا، ومستعدا للتحدث إليّ
"
ويحكي عوزي عن أول اتصال بينه وبين بسام بقوله: اتصلت ببسام أبو شريف، وكان متجاوبا جدا، وصريحا، ومستعدا للتحدث إليّ. وقد جلونا الصورة بسرعة على الهاتف على الأقل.

كان لديَّ العديد من مصادر المعلومات كصحفي يكتب عن الشرق الأوسط، غير أن "بسام أبو شريف" أصبح المصدر الرئيس بالنسبة لي، وفي وقت قصير جدا، عن "منظمة التحرير الفلسطينية"، والذي بدونه كان مستحيلاً عليَّ الحصول على كلمة واحدة عنها.

وعن أول لقاء جمع بينهما، يذكر بسام أبو شريف أنه كان في لندن، وأنهما جمعتهما طاولة غداء كانت قد دعتهما إليها ماري كولفين -مراسلة صحيفة "صنداي تايمز"– وتحدثوا عن احتمالات السلام، وكان عوزي يتكلم بلهجة باردة جدا عن السلام، فعلق أبو شريف قائلاً: أنا أعرف أن حكام إسرائيل لا يريدون السلام، لأنهم يظنون أن التوجه نحو سلام حقيقي هو إعلان عن إفلاسهم، وأنهم وأمثالهم أصبحوا بلا عمل.

إذا، ماذا يفعل محترفو الاستعمار واضطهاد البشر إن توقف الاستعمار وانتهى الاضطهاد؟ لكن الأمور لن تذهب بالاتجاه الذي يريدون؛ إذ لا تأتي الرياح دائما بما يشتهي الصهاينة الاستعماريون التوسعيون. سوف تكون هناك جبهة واحدة من عشاق الحرية والديمقراطية والسلام.

جبهة من العرب والإسرائيليين الذين يرفضون الاستعمار، ويسعون للاستقرار، وينبذون التفرقة الدينية والعنصرية، ويسعون إلى العدالة والمساواة على أسس ديمقراطية سلمية. ووجهت كلامي لعوزي مباشرة وأنا أحدق في وجهه: "أين تقف أنت يا عوزي؟ مع الماضي أم مع المستقبل؟ مع (أمان) أم مع السلام؟"

أجاب وكأنه مسيَّر: "طبعًا مع السلام".

أجبته: لنا موعد مع اتصال من أجل السلام، إذا فالسلام يحتاج إلى نضال هو الآخر، نضال ضد أعداء السلام، وهذه المرة نخوضه معا".

"
عوزي: أعتقد أن حظ إسرائيل في العيش فترة طويلة من عمر القرن الحادي والعشرين لن يكون أكثر من 50%
"
وفي ختام كلامه يقول عوزي: يعتقد البعض أن الحليب والعسل سيتدفق في النهاية على إسرائيل..، وأن أرض الميعاد قادمة، وأن المستقبل سيمثل قصة حب وردية بين الإسرائيليين والعرب. أما أنا فأعتقد شخصيا أن حظ إسرائيل في العيش فترة طويلة من عمر القرن الحادي والعشرين لن يكون أكثر من 50%.

وفي أواخر حديثه، يقول بسام أبو شريف: الهدف الرئيسي لجميع الفلسطينيين يجب أن يكون الابتداء من حيث انتهى الآخرون، لا أن ينتهوا من حيث بدأ الآخرون. فإن لم يفعلوا ذلك، فلن يكون وضع فلسطين غير ما هو عليه الآن (الرضاعة من ثدي إسرائيل الاقتصادي).

كما أن الأصولية تترعرع بين ثنايا الفقر. وعلى دولة فلسطين أن تكون دولة عصرية ذات تكنولوجيا متقدمة، توفر مستوى معيشيا معقولاً لجميع مواطنيها، وبوتائر سريعة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك