عرض/ الحسن سرات 

منذ أن استعادت أسماء لمرابط انتماءها الديني والحضاري الإسلامي، بعد غربة فتوة وشباب، أخذت على عاتقها تنقية القضية النسائية في العالم الإسلامي والعالم الغربي معا مما علق بها من آصار وأغلال ما أنزل الله بها من سلطان، ولكنه الظلم والجهل من طرفين اثنين زعما أنهما من المصلحين، في حين أنهم مفسدون ولكن لا يشعرون.

من أجل ذلك، كتبت أسماء، وهي طبيبة بمختبرات مستشفى الأطفال بالعاصمة المغربية الرباط، على نفسها ألا تخط مقالا ولا كتابا وألا تقول قولا يطول أو يقصر، إلا في القضية الجوهرية التي تختزل اليوم ما يدور بين الغرب والإسلام من جدال وسجال، وتدافع وقتال.

-الكتاب: النساء والإسلام والغرب.. مسالك نحو الكوني
-المؤلف: أسماء لمرابط
-عدد الصفحات 216
-الناشر: منشورات ملتقى الطرق, الدار البيضاء, المغرب وأطلانتيكا, هولندا
-الطبعة: الأولى 2011

والمتابع لمسارها ومؤلفاتها، لن يعثر على غير ذلك في إصدارات ثلاثة هي "مسلمة وكفى" و"عائشة زوجة الرسول" و"النساء والقرآن"، والكتاب الحالي رابعها وهو بعنوان "النساء.. الإسلام.. الغرب.. مسالك نحو الكوني".

ولا تكتفي أسماء بالنظر المتجدد المتقلب في هذه القضية، من وراء الجدر والمكاتب، ولكنها سفيرة متنقلة بين البلدان والقارات، من ملتقى إلى ملتقى، ومن ندوة إلى أخرى، ومن جمعية إلى جمعية، بين صفوف النساء المسلمات المثقفات المتنورات.

ولا ريب أن عمل زوجها في الدبلوماسية المغربية متنقلا بين السفارات والقنصليات، جعل منها هي الأخرى نشيطة في الدبلوماسية الثقافية الإسلامية المغربية، مسلحة في ذلك بعلم نافع، ولغات متعددة، وشبكة علاقات واسعة.

ولذلك اختارتها أخواتها بأوروبا وأفريقيا وآسيا لتكون رئيسة للمجموعة الدولية للدراسات والتفكير حول النساء، ومقره إسبانيا، ومديرة مركز الدراسات النسائية في الإسلام ومقره المغرب.

وتوزع الكتاب على 12 فصلا اشتملت على 47 مقالا. وتناولت قضايا وإشكالات مثيرة للجدل مثل الولاية والقوامة والخلافة ونبوة النساء، وحق المرأة في تفسير النصوص القرآنية والحديثية، ناهيك عن معاناة المرأة المسلمة في قلب الدول الحداثية وفرص ظهور حركة نسائية إنسانية كونية للمرأة المسلمة نصيب وافر فيها.

بارانويا وانفصام
للكاتبة أسماء لمرابط ثقافة مزدوجة تجمع بين المعرفة بالإسلام نصا وتاريخا وثقافة وحاضرا، والمعرفة بالغرب الذي عاشت فيه حينا من الدهر وخبرت طرق تفكيره وأجندته الجيوسياسية. لذلك ترى أن هذا الغرب مصاب بعقدة البارانويا (جنون العظمة) في حين أن العالم الإسلامي مصاب بانفصام الشخصية.

ويتجلى الجنون الغربي في التعامل الانتقائي مع القضية النسائية الإسلامية، إذ يتعامل معها بغير ما يتعامل به مع نساء العالمين. فكل نساء هذه الأرض لهن الحق في الاستثناء الثقافي، بما فيه استثناء الهندام الخارجي. ذلك حق لا نقاش فيه. وما إن يصل الحديث إلى العالم الإسلامي حتى يتبخر كل شيء، وتختفي النسبية الثقافية.

لذلك تتساءل الكاتبة "فلماذا تستهوي وسائل الإعلام الغربية القضايا الحساسة ذاتها كلما تحدثت عن العالم الإسلامي، في حين أن هناك ألوفا من النسوة في الدنيا بأسرها، مسلمات وغير مسلمات، ينبغي أن يتزايد الاهتمام بهن وبمسائلهن.. لماذا لا تستحق النساء الفلسطينيات والعراقيات هذا الهوس الإعلامي؟ وهل المعاناة والمظالم اليومية التي يتعرضن لها ليست على الدرجة نفسها من الاهتمام الإعلامي، أم أن هؤلاء المنتهكات المسحوقات لهن درجة أدنى من غيرهن؟

لماذا تسلط الأضواء على مشاهد وحوادث هناك وتغض الأبصار عن مشاهد وحوادث هنا؟ من يفتح صفحات ليعرضها على الناس ويخفي الأخرى أو يطويها على عجل؟ أم أن الأجندة السياسية هي الحاكمة الآمرة الناهية؟

"
الغرب يتعامل مع المرأة المسلمة بغير ما يتعامل به مع نساء العالمين, فكل نساء الأرض لهن الحق في الاستثناء الثقافي، وما إن يصل إلى العالم الإسلامي حتى يتبخر كل شيء، وتختفي النسبية الثقافية
"

وأما الانفصام لدى المسلمين في قضية المرأة، فتراه المؤلفة في البون الشاسع بين الإيمان والعمل، والنظر والتطبيق.

وهي لا تفهم كيف تضاءل حضور المرأة إلى جانب الرجل عبر التاريخ، عن الصورة الأولى يوم كانت الآيات تتنزل بين المؤمنين والمؤمنات على قدم المساواة، منذ أن كانوا جميعا جسدا واحدا صهرته قوة الإيمان والارتباط بالخالق الكبير المتعال الذي جعلهم كائنات إنسانية واحدة.

وكانت النساء في صدارة المجالس والمواقع يناقشن ويجادلن ويحاورن ويشتكين من أي رجل كان يظلمهن فينصفهن القرآن من فوق سبع سموات، لأنهن أدركن أن رسالة الإسلام كانت تحريرا وتنويرا، ولم تكن الأوامر والنواهي تصدر عن الرجال، ولكنها كانت تتنزل ممن صنع النساء والرجال من نفس واحدة.

فرصة تاريخية
وترى الكاتبة أن فرصة تاريخية توفرت شروطها لانبعاث حركة نسائية إسلامية من قلب الحداثة الأوروبية، على رأس تلك الشروط الحرية التي لا توجد في عالمنا العربي الإسلامي لسيطرة العقلية الذكورية على الدين والتاريخ والسياسة والعلم.

لذلك تحث أسماء نظيراتها المؤمنات على الانخراط في الحركات النسائية الغربية في مشروع مزدوج: إعادة بناء الذات من الداخل باستعادة القيم، والتحول خارجيا إلى قوة تغيير إيجابية في مجتمعات الاستقرار والاستقبال، لأن "هذا الغرب هو الذي يوفر لهن فضاء واسعا للحرية، وهناك سيكون بإمكانهن إحداث تحولات حقيقية والنضال من أجل تغييرات ملموسة، والسعي نحو إسلام كوني منفتح حقا وصدقا، متحررا من كل المخاوف".

النساء والسياسة
من خلال قصة الملكة بلقيس الواردة في قصة سليمان عليه السلام بسورة النمل، تنفذ أسماء لمرابط من المحلي إلى العالمي والكوني، مستنطقة في ذلك الآيات الواردة حول مجريات القصة.

فقوله تعالى تعليقا على موقف الملكة من الملوك الذين إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة "وكذلك يفعلون"، تراه الكاتبة تأكيدا من القرآن على قبول الحكم الكونية وتقاسمها مع الشعوب التي اهتدت إليها مهما كانت.

"
مع أن ملكة سبأ قالت ما قالت وهي وقومها يعبدون الشمس من دون الله، إلا أن الله تبارك وتعالى أيد حكمها بخصوص الملوك المفسدين
"
ومع أن الملكة قالت ما قالت وهي وقومها يعبدون الشمس من دون الله، إلا أن الله تبارك وتعالى أيد حكمها بخصوص الملوك المفسدين، وذلك ما ذهب إليه أيضا العالم محمد أمين الشنقيطي في تفسيره.

وتتوقف أسماء لمرابط أمام هذا الموقف لتبرز أهميته القصوى في الأسلوب التربوي القرآني الفريد الذي علم المؤمنين والمؤمنات –عبر أحداث متتابعة- أن يقبلوا الحكمة من أي وعاء خرجت، وأن تكون ضالتهم في كل وقت وحين، وهاجمت الكاتبة من بخس ملكة سبأ حقها وحجمها، وقد قادتها حكمتها ورجاحة عقلها إلى الإيمان والاستسلام لرب العالمين.

ذلك مثل ضربه الله من الزمن القديم لتكون نموذجا للحاكم العادل الرائد لأهله، سواء كان رجلا أو امرأة، والقرآن لا يضرب الأمثال للعابثين، ولكن لذوي الألباب المبصرين.

كما أن آيات "المباهلة" و"البيعة" و"الهجرة"، تجعل النساء على قدم المساواة مع الرجال في المشاركة السياسية وتدبير الشأن العام وتحمل المسؤوليات وتسيير المؤسسات. أمر ينبغي أن يجعل البلدان الإسلامية تجسد مقولة "النساء شقائق الرجال" ولكن الواقع الحالي بعيد عن ذلك أمدا بعيدا.

آفة عالمية
وليس المسلمون وحدهم من يظلمون المرأة في ساحات العمل السياسي، بل إن كثيرا من الدول المتقدمة ظالمة لها أيضا، وتورد المؤلفة أرقاما ناطقة: فبلد مثل رواندا، يحسب على الدول المتخلفة قليلة الديمقراطية لها أكبر نسبة من التمثيلية النسائية للمرأة 56.3%، بينما النسبة بفرنسا المتقدمة الديمقراطية 18%، وبالولايات المتحدة الأميركية –أقوى دولة في العالم وزعيمة العالم الديمقراطي الحر- 16%, وتحتل الرتبة 71 في الترتيب العالمي.

وتقدم الكاتبة مؤشرات وأرقاما أخرى حول استضعاف المرأة واستغلالها في العالم كله –شماله وجنوبه وغنيه وفقيره- مثل "وأد" البنات بآسيا –تفضيل الذكر على الأنثى وإجهاض الأجنة المؤنثة- وتأنيث مرض السيدا بأفريقيا، وتجارة الرقيق الأبيض –جواري القرن العشرين والواحد والعشرين- بأوروبا -500 ألف امرأة سيقت إلى أسواق الدعارة بالقارة العجوز سنة 2002- مما يوفر للتجار الكبار سبعة مليارات دولار كل عام، وجرائم اغتيال النساء بأميركا اللاتينية، وجرائم الشرف والزواج القسري والحرمان من الحقوق بالعالم الإسلامي.

نسائية إمبريالية

"
يوجه الخطاب النسائي المهيمن التهمة مباشرة إلى الثقافة والدين ليجعلهما المسؤوليْن الوحيديْن عن تخلف نساء العالم الثاني والثالث، وخاصة العالم الإسلامي
"
وهاجمت أسماء لمرابط النسائية الغربية التي لم تسلم من عقدة التفوق الغربي والتمركز حول الذات، وصارت تملي على باقي النساء في العالم السبيل الأوحد للتحرر والتقدم، واعتبرت الكاتبة الخطاب النسائي الغربي خطابا عنصريا إمبرياليا، مشاطرة في ذلك الرأي مع المناضلة الهندية شاندرا موهانتي. وبذلك يوجه الخطاب النسائي المهيمن التهمة مباشرة إلى الثقافة والدين ليجعلهما المسؤوليْن الوحيديْن عن تخلف نساء العالم الثاني والثالث، وخاصة العالم الإسلامي.

الإيماني والكوني
تؤكد أسماء أطروحة "النساء والإسلام والغرب" توشك أن تتفرد اليوم بجوهر المخاوف المعاصرة، سواء كانت هوياتية أو سياسية أو ثقافية، إذ صار عسيرا أن يتحدث المتحدثون عن عنصر من عناصر الأطروحة دون الباقي. وتضيف أنه إذا كان الإسلام والغرب يصنفان على أنهما قطبان أيديولوجيان للمواجهة، فإن قضية النساء توجد عند حدودهما.

وهذا الكتاب لا يريد تصعيد التوتر بين القطبين، ولكنه يريد أن يكون لحظة نقاش مع الذات أولا، عن طريق نقد ذاتي لا مجاملة فيه، وحوار مع الآخر في الوقت نفسه، لتخفيف حدة التوترات الأيديولوجية التي تمنع من التلاقي والتحادث.

وتؤكد الطبيبة أن الحوار والتلاقي لا يمكن أن ينجح دون أن يكون المرء ثابت الوقفة عميق الجذور في ثقافته وميراثه عن نضج واقتناع وليس عن تقليد وانطواء.

وعن تجربة ذاتية، تقول الكاتبة، إن الإيمان الذي اكتشفته في الدين الإسلامي علمها أن الله يتجلى في كل شيء، في النفس الفردية وفي الجماعات والشعوب والقبائل المدعوة للتعارف والتثاقف.

كما استنتجت أسماء لمرابط أنها مقتنعة تمام الاقتناع بأن كونية رسالة الإسلام التي تؤمن بها هي بحق "إنسانية روحية كونية" وهي الوحيدة القادرة على إغناء ذواتنا رغم نقائصنا وعيوبنا وضعف اليقين الإنساني فينا.

بين نارين

"
تجد المؤلفة -ومن يشاطرونها المعركة نفسها- أنفسهم بين نارين, نار الجمود التي انبعثت مع الصحوة الإسلامية، ونار التحرر الحداثي الرافض لكل شكل من أشكال الدين
"
تجد أسماء لمرابط وأخواتها –وإخوانها من الرجال الذين يشاطرونها المعركة نفسها- أنفسهم بين نارين حاميتين، نار الجمود التي انبعثت مع الصحوة الدينية الإسلامية، ونار التحرر الحداثي الرافض لكل شكل من أشكال الدين والراغب في محو كل استثناء ثقافي.

هي معركة مزدوجة إذن، والمعارك المزدوجة تشتد وتطول لأن الخصوم كثيرو العدد شديدو البأس، والقدرة على الوقوف وسطا بين الجمود والانحلال ليس بالأمر الهين. كما أن المسالك نحو الكوني ليست قصيرة المسافات ولكنها طويلة زادها الصبر والمعاناة وطول الابتلاء.

وتدرك أسماء طول الطريق وبعد الشقة في إنجاز حركة تصحيحية وتحريرية تقفز فوق ميراث قرون التخلف والتقاليد نحو المنبع الأول، وتسعى للاستفادة من تقدم الغرب ومعارفه دون مفاسده ومظالمه. فكيف تجمع المرأة المسلمة بين الإسلام والحداثة؟ بل كيف تصنع حداثتها المؤمنة لتكون خلاصا كونيا عالميا؟ حلم صعب المنال لكنه يستحق النضال.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك