عرض/ بدر محمد بدر

يناقش هذا الكتاب أسباب وأبعاد التغير الذي طرأ على علاقة الكنيسة القبطية بالدولة في مصر, خصوصا في الأربعين عاما الأخيرة, أي منذ تولى الأنبا "شنودة الثالث" كرسي البابوية في العام 1971م.

-الكتاب: الدولة والكنيسة
-المؤلف: طارق البشري
-عدد الصفحات: 104
-الناشر: دار الشروق, القاهرة 
-الطبعة: الأولى 2011

ويتساءل المؤلف عن الأسباب التي تدفع بالكنيسة إلى الانسحاب من "الدولة", ومحاولات التقوقع والاحتماء داخل خندق "الطائفة", رغم تطور مفهوم "الدولة العصرية" من نظام "الملة", الذي كان معمولا به قبل أكثر من قرن من الزمان, إلى نظام "المواطنة", الذي يتعامل مع جميع أبناء الوطن على قدم المساواة.

و"الدولة والكنيسة" هو الكتاب الثالث للمستشار طارق البشري, القاضي والباحث والمؤرخ المعروف, الذي يتعرض فيه للشأن القبطي في مصر, بين أهمية "الاندماج" و"المشاركة" في مؤسسات الدولة وتياراتها السياسية العامة, وبين خطورة "الانعزال" و"التقوقع" داخل "الطائفة" أو "الملة", سواء في الحاضر أو في المستقبل.

وتتميز كتابات البشري بوجه عام, بالأسلوب الموضوعي الذي يجمع بين دقة الباحث المتمرس, وحيادية المؤرخ الرصين, وعدالة القاضي الخبير, وحرص الوطني الغيور.

رفض أحكام القضاء
ويتكون الكتاب من خمسة فصول، حيث يناقش الفصل الأول ظاهرة نزوع الكنيسة القبطية الأرثوذكسية خصوصا في السنوات العشر الأخيرة, إلى رفض أحكام القضاء المصري, حتى ما كان منها يتفق مع أحكام لائحة "المجلس الملي" التي أقرت في العام 1938, ومن بين الأحكام التي رفضت الكنيسة قبولها الحكم بأحقية أحد الرعايا الأقباط في الحصول على تصريح بالزواج بعد أن طلق زوجته وفقا للقانون الكنسي, وحكم آخر في نفس المجال, رد عليهما الأنبا شنودة بأنه "لا أحد يلزمنا بغير تعاليم الإنجيل"، وقال أسقف عام الجيزة أيضا "نعلن رفضنا لأي قوانين وقرارات وأحكام تلزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية بمخالفة شرائع وتعاليم الكتاب المقدس".

لكن المؤلف يرى أن هذه الأحكام ليست بذات شأن في حجمها, لكن الكنيسة استغلتها لإعلان الخروج على الشرعية التي تقوم عليها أجهزة الدولة المصرية, وبالتالي فالمسألة هي مدى خضوع الكنيسة المصرية, بوصفها إحدى هيئات المجتمع المصري, لسلطة الدولة المصرية, ولا شك في أن أحكام الإنجيل تسري في العبادات على المسيحيين, ولكن الكنيسة أطلقت الأمر إلى بقية الجوانب التي ينظمها القانون المصري.

"
ثمة حساسية مفرطة من جانب  الكنيسة تجاه ما تعده مساسا بعقائدها, لكنها لا تتعامل بنفس المنطق مع ما يمس المسلمين وعقائدهم من جانب الأقباط

"
ويلحظ البشري في هذا الإطار شدة الحرص من جانب الكنيسة على الاستحواذ على أرض واسعة تضمها للأديرة, فهناك مثلا دير "الأنبا أنطونيوس" على ساحل البحر الأحمر استحوذ على 1500 فدان (الفدان 4200م2), واستحوذ دير "أبو مقار" في وادي النطرون على 2700 فدان, ودير "مار يوحنا" بطريق القاهرة-السويس مساحته مائة فدان, ودير "أبو فانا" بمحافظة المنيا ضم إلى مساحته 552 فدانا, وهكذا, فما السبب الواضح لضم كل تلك المساحات لأماكن العبادة؟!

وتحت عنوان "الكنيسة والانعزال القبطي"، يتحدث المؤلف في الفصل الثاني عن الحساسية المفرطة التي تواجه بها الكنيسة ما تعده مساسا بعقائدها, مثل ملاحقة المفكر الإسلامي الدكتور محمد عمارة قضائيا على رأي نقله عن المستشرق المعروف "مونتغمري وات", ثم لا تتعامل بنفس المنطق مع ما يمس المسلمين وعقائدهم من جانب الأقباط, ومنها ذلك العرض المسرحي الذي قامت به كنيسة في منطقة "محرم بك" بالإسكندرية, وسجل ونشر على أسطوانات مدمجة, وهذا العرض "مليء بالكراهية والسخرية، مما يعتبره المسلمون مقدسات, بل على رأس مقدساتهم, مما يفتح بابا للفتنة لا يمكن تجاهله".

الانعزال القبطي
وتوحي ممارسات الإدارة الكنسية أنها تقيم من الأوضاع ما يحجب شباب القبط عن الاندماج في الجماعة الوطنية (الدولة), أي أنها تقوم بتكريس عوامل الانعزال القبطي عن المجتمع, وهذا ما يفسر كيف أن شباب القبط عندما تثيرهم ثائرة, يهرعون إلى ساحة "الكاتدرائية" دون غيرها من مؤسسات الدولة.

ويشير المؤلف في الفصل الثالث إلى أن "المسألة القبطية" كان يوظفها العلمانيون في الجدل الدائر مع الإسلاميين حول موضوع تطبيق الشريعة الإسلامية, حيث كان العلمانيون يرون أن الشريعة الإسلامية لا تضمن المساواة بين مختلفي الديانة من المواطنين, وهو استخدام -كما يقول المؤلف- يصدر عن عدم المسؤولية في مراعاة موجبات التماسك الوطني, لأن الإسلام في مصر ثابت وباق, ودعوة تطبيق الشريعة الإسلامية كلما قمعت لا تلبث أن تقوم من جديد أقوى مما كانت.

وهذه الحقيقة توجب على المنشغلين بأوضاع المواطنة وتماسك الجماعة السياسية أن يساعدوا الإسلاميين في الوصول إلى الحلول, لا أن يضربوهم بسلاح "القبطية"، ويؤججوا الوقيعة بين من يستحيل أن يتنازلوا عن أصل إيمانهم من المسلمين والأقباط, ويثيروا العداء بينهم.

"
اطراد حديث الجانب القبطي يفيد الإصرار على نفي دلالات المادة الثانية من الدستور باسم "المواطنة"، وإثارة التناقص بين المواطنة وإسلامية الدولة
"
وكان الأقباط يميلون إلى أصحاب التوجه العلماني في هذا الموقف, لكنهم لم يظهروا بوصفهم قبطا في مسألة تطبيق الشريعة, وبدأ هذا الأمر يتغير في الفترة الأخيرة, وأسفر عن نفسه سفورا لا يحتمل شكا بأن "رفض تطبيق الشريعة الإسلامية وإسلامية الدولة المصرية" هو موقف يصدر عن "مطلب قبطي", وأن الشريعة الإسلامية تتناقض مع مبدأ المواطنة, رغم أن النص الدستوري على "إسلامية" الدولة, تكرر في دساتير مصر على مدى القرن العشرين, وبقي نص المادة الثانية على حاله لم يشمله التعديل طيلة الفترات التي تم فيها تعديل أو إنشاء دستور جديد, لكن اطراد حديث الجانب القبطي يفيد الإصرار على نفي دلالات المادة الثانية باسم "المواطنة"، وإثارة التناقص بين المواطنة وإسلامية الدولة.

ويكاد يكون هذا هو الموقف الذي تسوّده الكنيسة بين الأقباط, وكان تركيز المطالب القبطية حسب السائد في فترات التاريخ الماضية, متعلقا في الأساس بموضوع المساواة والمشاركة في الشؤون الوطنية العامة وفي التوظيف وفرص العمل, وكان وضع المسألة في هذا الإطار يبعد العلاقة الإسلامية المسيحية من جوانب التناقض والاحتكاك العقيدي.

المعبر عن الأقباط
ويشير الكتاب إلى أن الإدارة الكنسية، في سعيها لأن تكون المعبر الوحيد عن الشأن القبطي في مصر منذ تولي الأنبا شنودة كرسي البابوية, تعمل على جذب الأقباط في مجالات الأنشطة التي ترعاها الكنيسة, ليتجمعوا وحدهم فيها, وليتحقق التشكيل الجمعي المغلق على نفسه تحت سيطرتها المنفردة, وهذا الأمر يستوجب تكاثرا في عدد الكنائس والمحال الملحقة بها لأنشطة الرياضة (بدلا من النوادي) والتعليم (بدلا من المدارس العامة) والتدريب على المهن والحرف (بدلا من المعاهد العامة) والتجمعات (بدلا من الجمعيات المشتركة).

ويشدد البشري على أن العلاقات الخاصة بالجماعة الوطنية لا يجوز النظر إليها في إطار أوضاع سياسية تتعلق بنصر أو هزيمة في ظروف قصيرة المدى, لأن حساباتها ينبغي أن تكون على أساس الآماد البعيدة.

ويتحدث الفصل الرابع عن المادة الثانية من الدستور المصري التي تنص على أن "الإسلام دين الدولة, واللغة العربية لغتها الرسمية, ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع", مؤكدا أن هذه المادة بصيغتها تلك تحقق "الإسناد الشرعي الإسلامي لمبدأ المساواة التامة بين المواطنين, المسلمين والمسيحيين, في تولي الوظائف العامة، والمشاركة الكاملة في ممارسة الولايات العامة, وفي تولي المناصب ذات الشأن العام.

"
المادة الثانية بصيغتها (مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع) تحقق "الإسناد الشرعي الإسلامي لمبدأ المساواة التامة بين المواطنين, المسلمين والمسيحيين
"
وهذا النص أيضا يشكل مرجعية إسلامية لكل المبادئ الواردة بالدستور، المتعلقة بالمساواة وحقوق المواطنين, ومبدأ المواطنة يجد دعامته المستقاة من أحكام الشرع الإسلامي بموجب المادة الثانية, ويستبعد أي زعم بأن مبدأ المساواة بين المواطنين متعارض مع الشرع, وأنه مبدأ لا يميله إلا الفكر الوضعي المنفصل عن الدين, ومن ثم فهو يقيم بناء المواطنة بعيدا عن التوترات العقيدية.

ويضيف البشري أن وجود نص المادة الثانية بين نصوص الدستور إنما يجعل حكم الدستور دائرا في تفسير كل نص بما يفضي به النص الآخر، ومن ثم يكون ملزما -من وجهة النظر الدستورية في تفسير مصدرية الشريعة الإسلامية للقوانين- أن يكون ما هو دستوري من هذه المصدرية ما يتجانس مع مبادئ الدستور وأحكامه الأخرى, في نطاق ما تسعه مبادئ الشريعة الإسلامية من وجهات نظر.

أما إذا ألغينا هذه المادة, فإن الدستور يفقد هذه الصلة الوثيقة بين المبادئ, التي يحرص على تثبيتها لدى الجماعة السياسية، وبين مبادئ الشريعة الإسلامية فيما تسعه من أحوال ومبادئ.

نفس الأجواء
ويشير المؤلف في الفصل الخامس الأخير إلى ملاحظة هامة، وهي أن الأجواء التي استقبلت بها مصر القرن العشرين فيما يتعلق بالمسألة القبطية هي نفس الأجواء التي استقبلت بها القرن الحادي والعشرين, ومن يطالع صحيفة "وطني" التي تصدر في هذه السنين الأخيرة عن المسيحيين, ويقارن ما تكتبه مع ما كتبته صحيفتا "مصر" و"الوطن" في بدايات القرن الماضي, يلحظ أن النغمة واحدة, من حيث التهييج والإثارة, كما يلحظ أن العنصر الإثاري الأجنبي واحد, الأول كان بريطانيا، والأخير صار أميركا, ويلحظ توجه حركة الإثارة إلى الخارج في الحالين.

"
الكتاب صرخة تحذير من انعزال الكنيسة القبطية المصرية عن مؤسسات الدولة والمجتمع، ومحاولة الدخول في قوقعة الطائفة
"

ويقول البشري إنه من طول دراسته لموضوع الأقباط وعلاقتهم بالدولة، أدرك أن مثيري الشقاق كانوا دائما موجودين وخططهم هي هي, وعدم مراعاتهم لضوابط الوجود الوطني وحدود الصالح العام, كل ذلك هو هو, ولكنه في الأغلب يحدث في دوائر النخب من المثقفين أو الساسة أو رجال الأعمال, أما القسم الآخر وهم الكثرة الغالبة من الأقباط فهم مندمجون مع المجتمع والدولة.

الكتاب إذن هو صرخة تحذير من انعزال الكنيسة القبطية المصرية عن مؤسسات الدولة والمجتمع، ومحاولة الدخول في قوقعة الطائفة, والتعامل بشيء من الاستقلالية عن مؤسسات الوطن, وهذا هو الخطر الحقيقي الذي ينبغي الالتفات إليه في مصر في هذه الفترة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك