عرض/ وديع عواودة

"مطلوب قائد لإسرائيل".. ليس هذا إعلانا في صحيفة، بل هو عنوان كتاب عبري هام يرى أن إسرائيل لا تتعلم من أخطائها وتواجه أزمة قيادة حادة ربما تطوّح بها.

يتسم الكتاب بأهمية خاصة لشجاعته في تشخيص الواقع المعتل للقيادة الإسرائيلية الراهنة العاجزة عن القرار الحاسم والمنشغلة بمصالح شخصية وحزبية داخلية كما سبق أن وصفها وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر، ولكونه صادرا عن باحث مرموق وعضو في لجنة التحقيق بحرب لبنان الثانية يحزقيل درور.

- الكتاب: مطلوب قائد لإسرائيل
- المؤلف: البروفسور يحزقيل درور
- عدد الصفحات: 814
- الناشر: كتب يديعوت أحرونوت، تل أبيب
-الطبعة: الأولى 2011

 
 
ينطلق الكتاب من رؤية مركزية واحدة مفادها أن إسرائيل اليوم تحتاج إلى صنف جديد من "القيادة المؤسسة"، يختلف عن قيادة مؤسسة في دول أخرى نظرا لخصوصيتها في منطقة الشرق الأوسط، ونظرا لتحديات استثنائية قائمة وأخرى مستجدة تحتاج إلى قيادة ممتازة، وبدونها تصبح في خطر مؤكد، خاصة إذا تحقق "السيناريو المتشائم" وواجهت تطورات تاريخية وإقليمية ودولية لا تملك إسرائيل القدرة على السيطرة عليها.

درور عضو لجنة التحقيق في حرب لبنان الثانية "فينوغراد" يقول في كتابه إنه بعدما عاين مواطن الخلل والإخفاقات وأوصى بتوصيات واستخلاصات، ذهل وهو يكتشف أنها تكررت بعد حرب لبنان الثانية في حرب "الرصاص المصبوب" وفي قضية أسطول الحرية، واصفا "مشكلة القيادة" في إسرائيل بأنها قاسية.

القائد المؤسس
ويوضح أنه وقتها تنبه إلى أن "حالة قيادتنا أقسى ومنهجية تفكيرها متخلفة أكثر مما ينبغي", ويذكر أن الأيام عمقت فيه هذا الشعور مشيرا -على سبيل المثال- إلى أن ما تشهده مصر اليوم "يدلل على أن الزمن لا يعمل لصالح إسرائيل".

وتحت تأثير هذه المشاعر القاسية حيال حالة إسرائيل وقيادتها الراهنة كما يقول، وُلد كتابه المطول الذي يعتبره مرشدا ودليلا للقائد المطلوب.

ويشدد على ضرورة استقدام قادة شباب تتراوح أعمارهم بين 35 و45 للعمل في السياسة.

وضمن رسمه لملامح القيادة وبخلاف مدارس تطوير القيادة التي تركز على صقل مهارات أصحاب الصفات والميول القيادية واكتسابها، يوصي المؤلف بتنمية ذات القائد وعالمه الداخلي أولا، بالتوحد والتأمل قبيل بلورة القناعات.

"
كي تصبح قائدا مؤسسا عليك أن تكون يهوديا صهيونيا متحمسا، ذا معرفة وفهم لليهودية والصهيونية وتنمية القدرة على التفكير الخلاق
"
ويتابع "كي تصبح قائدا مؤسسا عليك أن تكون يهوديا صهيونيا متحمسا ذا معرفة وفهم لليهودية والصهيونية وتنمية القدرة على التفكير الخلاق".

وفي إطار توصيف مهمة القائد المؤسس، يشدد على ضرورة رسم القيادة سيناريوهات متناقضة لمستقبل إسرائيل ينبغي أن يراها القائد المؤسس كي يقلص احتمالات سيناريو الفناء ويعزز سيناريو الديمومة من خلال فهم السيرورات العميقة والتحديات غير المسبوقة اليوم وغدا.

ولا يتردد الكاتب في توجيه انتقادات حادة للقيادة السياسية اليوم فيقول إن الدبلوماسية الإسرائيلية لا تعكس ولو النزر اليسير من "العقل اليهودي".

ويتوقف عند ما يسميه ظاهرة الشعور بالعظمة لدى بعض هؤلاء القادة مقابل "جنون القزمية" وهي ظاهرة تغذيها الأفكار ما بعد الصهيونية وعبارة عن شكوك زائدة في قدرات إسرائيل وقدرات قيادتها، وتعب الإسرائيليين من المجهود وتقديم الضحايا المترتبة على صياغة مسيرات تاريخية، وتأثير أفكار حداثوية بوحي العولمة التي تضعف الموقف الأيدولوجي.

ويرى في تعايش هاتين الظاهرتين سببا لفقدان التوازن في أوساط هامة من الإسرائيليين ولدى السياسيين والنخب، فيقول أيضا إن "هذا يولد حالة جمود وانسداد اجتماعي ويؤسس لعدوانية بل عدائية داخلية".

ويشيد الكاتب بالقيادة التي أسست إسرائيل وينتقد الجيل الذي جاء بعدها، ويقول إنه طور الدولة وعزز أمنها لكنه اليوم يورث الجيل الشاب وضعا مزدحما بالمشاكل كان بالإمكان حلها لو توفرت القيادة الصالحة.

ويتابع "لا مجال في ذلك لاتهام الجمهور رغم أنه منقسم وأوساط منه جاهلة، ولحد كبير يلهث وراء الحياة الاعتيادية المنافية للروح والقيم اليهودية والصهيونية، لكن المسؤولية تقع على كاهل القيادة السطحية وضيقة الآفاق والمنشغلة بحالها".

إلى ذلك تضاف برأيه تطورات عالمية، كما يقترح ضم نساء إلى القيادة العليا لا بدافع أخلاقي فحسب بل لأسباب عملية ولأجل تحسين الأداء الدبلوماسي والأمني داخل صناعة القرار من خلال إضافة الرؤى الخاصة بالنساء وتأمين التعددية بأنماط التفكير.

نتنياهو
ويقول إن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع إيهود باراك يواصلان التلكؤ بكل ما يتعلق بمسيرة السلام، وهما عاجزان عن اتخاذ قرار بشأن ما يريدانه, وإن "سياستهما تقتصر على ارتجالات دون رؤية للمستقبل والقضايا السياسية بشموليتها"، مضيفا "مع مثل هذه القيادة مستقبلنا في خطر، خاصة إزاء التحولات العميقة التي يشهدها الشرق الأوسط اليوم".

الكاتب الذي يرى في إنهاء احتلال الضفة وإقامة دولة فلسطينية مصلحة إسرائيلية، يطالب إسرائيل في كتابه بالمبادرة بخطوات بعيدة تعجز القيادة الحالية (نتنياهو وباراك) عن اتخاذها، فهي ليست القيادة المطلوبة لها.

"
نتنياهو وباراك يواصلان التلكؤ بكل ما يتعلق بمسيرة السلام، وهما عاجزان عن اتخاذ قرار بشأن ما يريدانه, ومثل هذه القيادة تضع مستقبل إسرائيل في خطر
"
يوضح درور أن نتنياهو وباراك يدركان وجود حاجة منطقية إلى إنجاز أمور معينة، وهما يتمتعان بالقدرة لكن إدارتهما حتى الآن متعبة، ويدعوهما إلى مكاشفة الإسرائيليين بضرورة إنهاء الاحتلال للضفة، مشيرا إلى أن "التنازل عن المناطق(الأرض المحتلة عام 1967) قرار صعب، لكن هذا ما نتوقعه من قائد". ثم يستدرك قائلا "للأسف لا يتمتع الشخصان بميزات القيادة، بعكس بن غوريون وديغول ولنكولن".

ويضيف أن "الخوض في الوحل -بمعنى عدم التقدم- ينطوي على واحدة من المشاكل المركزية المميزة للقيادة في البلاد".

وضمن تشخيصه للحالة الإسرائيلية التي يعرفها منذ عقود طويلة، يوضح الكاتب أن ذلك ينبع من ضعف القيادات وتحولها إلى مجموعة ناشطين حزبيين، ومن الجهاز السياسي الذي يفرض على القيادة قيودا في ظل المبنى الائتلافي.

ولدى نتنياهو وباراك، يضاف إلى هذه المشكلة تردد داخلي إذ يستصعب الأول إبداء موقف ولا يدري ماذا يريد.

درور الذي عمل مستشارا لشؤون الأمن والنظام السياسي والدستور لرؤساء حكومات إسرائيلية سابقة، يرسم تشخيصه النفسي والاجتماعي لنتنياهو كالتالي: سلوكه لا يظهر أنه خلص إلى استنتاج أيّ طريق ينبغي السير فيه، فهو يتأرجح بين القلب والرأس لكونه مقيدا بموروث عائلي بتأثير والده المؤرخ المعروف بتأييده "لأرض إسرائيل الكاملة" ورفضه التسوية مع الفلسطينيين.

أسباب أزمة القيادة
برأي الباحث، هناك جملة من الأسباب خلف أزمة القيادة في إسرائيل، أولها أن السياسة الإسرائيلية لم تستقطب أشخاصا جيدين بما فيه الكفاية.

كما أن التبعية الائتلافية تحول دون تكوّن الهيبة والقوة وتؤدي إلى تسويات وتبعية سياسية، لافتا إلى هيمنة تقاليد مضرة داخل النظام لم تكن معهودة من قبل، تتمثل في تحول القيادات السياسية إلى ناشطين في 90% من الحالات، همهم الكسب السياسي في الحلبة الداخلية.

ويشير إلى مشكلة أخرى تكمن في أن نتنياهو وباراك عالقان في الشأن الفلسطيني بدلا من تبني رؤية إقليمية، لأن الفلسطينيين -برأيه- مركب حيوي في كل تسوية، لكنه ليس المركب الجوهري.

"
يزعم المؤلف أنه لا داعي لسلام مع الفلسطينيين فقط دون اتفاقية شرق أوسطية شاملة, لأنهم لا يهددون إسرائيل وغير جديرين بالثمن
"
وخلافا لباحثين إسرائيليين آخرين، يزعم درور أنه لا داعي لسلام مع الفلسطينيين فقط دون اتفاقية شرق أوسطية شاملة، لأنهم برأيه لا يهددون إسرائيل وغير جديرين بالثمن.

استمرارا لتوجهات المساومة التي تميز السياسة الرسمية التقليدية في إسرائيل، يقول درور إنه مقابل سفارة لإسرائيل في السعودية هو يؤيد "التنازل"، معتبرا أن الرياض "رمز" له.

فضيحة استخباراتية
البروفسور يحزقيل درور الحائز على "جائزة إسرائيل" وأحد المخططين للسياسات والإستراتيجيات السياسية والأمنية في إسرائيل ودول أخرى (الصين والسويد)، يؤكد وجود إسرائيل في خطر وعلى "حد الشعرة"، لافتا إلى أن القادة السياسيين هم من سيحسمون مصيرها.

كما في مختلف النقاط، يروي درور هنا عدة أمثلة على فقر تفكير القيادة الإسرائيلية وفقدانها للرؤية والتخطيط، فيقول إنها في حرب لبنان الثانية لم تسأل عن بديل آخر للحرب، ويضيف "حينما سأل أحد الوزراء: ماذا سيكون بعد الحرب؟ لم يتلق جوابا، وهذا للأسف مستمر حتى اليوم كما حصل في الحرب على غزة وفي السيطرة على (سفينة) مرمرة، فالقيادة لا تفكر في كل موضوع مع نظرة متفائلة وأخرى متشائمة"، ويؤكد أن ثقافة الأخطاء والاستخفاف ما زالت تلازم إسرائيل.

"
الإخفاق في التنبؤ بثورة مصر استمرار للتعامل غير الناجح في قضية سفينة مرمرة، وللتعامل المتساهل من قبل قيادة الجيش والتي تفضل مصلحة العساكر على مصلحة المجتمع
"
ويشير إلى أن الجيش حينما يقدم ثلاثة بدائل لكل عملية فإن اثنين منها سيئان "كالقمامة"، ويقول "حينما هاجموا مرمرة وضع الجيش بدائل لكنها غير حقيقية، لأنه لم يقدم تقييما متفائلا وآخر متشائما كما يجب، فتصرف الجيش كأن لجنة فينوغراد لم تكن وكأننا لم نتعلم شيئا منها".

ويؤكد أن ما جرى مع الثورة المصرية أيضا ينطوي على فضيحة استخباراتية تتطلب اتخاذ خطوات بحق المقصرين الذين لم يتمكنوا من ملاحظة بوادر الانفجار في مصر رغم محاولات التوريث والبطالة والفساد المستشري.. إلخ.

ويتابع "هذا الإخفاق استمرار للتعامل غير الناجح في قضية مرمرة، وللتعامل المتساهل من قبل قيادة الجيش مع مثل هذه الإخفاقات والتي تفضل مصلحة العساكر على مصلحة المجتمع".

أوباما
الكتاب يسعى لرسم نموذج القائد المؤسس، ومع ذلك فهو يعترف بأن للحظ دورا كبيرا في بناء القيادة ونجاحها، ويشبه ذلك بالقمار، لافتا إلى أن قائدا متوسط القدرات إذا تزامنت ولايته مع فترة ازدهار اقتصادي، من شأنه إحراز نجاح أكبر من قائد ممتاز في فترة أزمة اقتصادية، كما في حالة الرئيس باراك أوباما اليوم.

ويعتبر الباحث الإسرائيلي أن أوباما قائد مثير جدا يتمتع بمعطيات قيادية فذة وخلابة، ويبدي إعجابه بعدم تردده على الاعتراف بأخطائه بخلاف قادة إسرائيل، ويقول "بعد حرب لبنان الثانية لم يعترف أحد بخطأ أو اعتذر، وكلهم وجهوا الاتهامات للآخرين".

ومقابل الهدوء الذي تفاخر به إسرائيل كنتيجة لحرب لبنان الثانية، يشير درور إلى تزايد قوة حزب الله. وبالنسبة له فإن أخطر نتائج تلك الحرب تكمن في إدراك حزب الله وحركة المقاومة الإسلامية (حماس) حساسية إسرائيل من كل ما في خاصرتها الرخوة، قاصدا بذلك هشاشة جبهتها الداخلية.

وكمن يحرّض إسرائيل على استعادة قوة ردعها بكل ثمن، يقول إن حركة ما تستهدف الجبهة الداخلية بالصواريخ دون أن تلقى عقابا مدمرا هو فشل ذريع.

وينصح الكاتب رئيس الوزراء نتنياهو ببلورة سياسة واقعية وإدارة الدولة بطريقة تحول دون بلوغها شفا السقوط، وذلك بوضع حد للضغوط العاطفية من قبل عائلته، ويقول "يحتاج القائد إلى مناعة نفسية وبناء قلعة داخلية والالتزام بفلسفة داخلية".

كما ينصحه بتنظيم مقره ووقف الفوضى فيه، مثلما يوصيه بمكاشفة الإسرائيليين بالحقيقة الخاصة بحالة إسرائيل، والتحدث بشأن الفوارق الاجتماعية الآخذة في الاتساع في ما بينهم، والظهور بإطلالات إعلامية قليلة مع رسالة قوية واضحة.

"
المؤلف ينصح باراك بالتغلب على صورته غير الودودة لدى الجمهور من خلال التواضع والابتسام والتشاور مع أخصائيين نفسيين سياسيين بدلا من خبراء إعلام سطحيين
"
باراك وليفني وليبرمان
وينصح درور باراك بالتغلب على صورته غير الودودة لدى الجمهور من خلال التواضع والابتسام والتشاور مع أخصائيين نفسيين سياسيين، بدلا من خبراء إعلام سطحيين.

ولا تنجو زعيمة المعارضة تسيبي ليفني من انتقادات درور، فهي برأيه تنقصها المواقف الواضحة حيال قضايا إسرائيل الجوهرية، موضحا أن صورة "السياسية النظيفة" لا تكفي، ودعاها إلى دراسة أعمق للمجتمع.

بخلاف المذكورين فإن وزير الخارجية زعيم حزب "إسرائيل بيتنا" المتطرف أفيغدور ليبرمان يحظى بإطراءات المؤلف، فهو يتمتع بحس إستراتيجي وسياسي جيد وبشخصية كاريزمية وأفكاره واضحة وحاسمة.

في المقابل يقول عنه إنه لا يقدر جيدا الوضع الدبلوماسي السياسي برؤية بعيدة المدى، لكنه يبدي مواقف قاطعة أكثر من نتنياهو وباراك.

جودة القيادة
وفي سياق المفاضلة بين اليوم والأمس، يرى المؤلف أن جودة القادة الإسرائيليين السابقين أفضل، وبنظره فإن مؤسس إسرائيل ورئيس حكومتها الأول ديفد بن غوريون سياسي قادر على الدمج بين الفلسفة والقدرة على الحسم، ومع أنه "كان في داخله يتردد ويتألم، لكنه يقرر رغم المخاطرة، وإعلانه عن قيام إسرائيل أصلا انطوى على مغامرة خطيرة وناجحة".

أما شمعون بيريز الرئيس الحالي للدولة، فهو أيضا قائد لكنه لا يجتذب الأصوات، مستذكرا أنه "صنع شيئين الدمج بينهما مثير: المفاعل النووي في ديمونة واتفاقية أوسلو، لذا فهو قائد مؤسس، واليوم لا أرى في إسرائيل قادة مؤسسين".

المصدر : الجزيرة

التعليقات