عرض/ بوعلام رمضاني
يؤكد الباحث الشهير بيار بيان في كتابه الاستثنائي بما لا يدع مجالا للشك، أن مصالح القوى العالمية الكبرى هي التي تسببت في مجازر مرعبة خلفت ملايين القتلى في عدة دول أفريقية تحالف قادتها ضد آخرين لتحقيق أهداف غربية سطرت إثر سقوط جدار برلين في نطاق إستراتيجية إعادة تشكيل أفريقيا.

- الكتاب: مجازر.. الحروب السرية للقوى الكبرى في أفريقيا
- المؤلف: بيار بيان
- عدد الصفحات: 563
- الناشر: فايار, باريس
- الطبعة: الأولى 2010

 
 
هذه الإستراتيجية التي أدت إلى إبادة أعداد من الضحايا تقارب عدد قتلى كل الحروب منذ الحرب العالمية الثانية، قادتها الولايات المتحدة وبريطانيا وإسرائيل بالشكل الذي قضى على السيطرة الفرنسية التقليدية في أفريقيا التي عرفت بمصطلح "فرنسا أفريقيا"، وتحققت أهداف الدول الغربية الكبرى في عدة دول أفريقية.

وكما شهد العالم، فقد بيّن المؤلف كيف أصبح كسر شوكة السودان هدف واشنطن وتل أبيب بعدما أصبحت تعتبر خطرا داهما مثل إيران، الأمر الذي حوّل مشروع تقسيم أكبر بلد أفريقي أهم إستراتيجية غربية في إطار تصور أشمل تضمن احتواء شرق أفريقيا في علاقته بفضاء صراع الشرق الأوسط.

بيار بيان الذي لا تحبه الاستخبارات الفرنسية الطاغية في المشهد السياسي والثقافي، سبق أن كشف المستور في كواليس التاريخ الأفريقي والفرنسي، وصاحب كتب تسببت له في متاعب عدة، ومن كتبه "فرنسوا ميتران.. شبيبة فرنسية" (1994) و"الوجه الخفي لصحيفة لوموند" بالاشتراك مع فيليب كوهين (2003)، و"سود مرعبون وبيض كذابون" (2005)، و"العالم حسب ك" وقصد بالحرف برنار كوشنر وزير الخارجية السابق في بلاط ساركوزي.

الأجندة الأفريقية للقوى الكبرى
انطلق بيان في كتابه الذي تضمن 22 فصلا من كيفية تحوّل القارة السمراء إلى فضاء إستراتيجي غربي بعدما توقف عند نموذج المجزرة التي راح ضحيتها نحو 800 ألف من قبائل التوتسي على أيدي الهوتو بتواطؤ سري بين بول كاغامي الدكتاتوري الرواندي وواشنطن ولندن وتل أبيب، في ظل سكوت فرنسي شهد عليه النقيب الشهير بول باريل الذي كان مقربا من الرئيس ميتران.

وحسب بيان فإن تحويل الهوتو إلى ضحايا وشراء ذمم صحفيين غربيين وتحالف رؤساء دول مجاورة لرواندا أمرٌ دُرس بعناية فائقة ودخل في صلب إستراتيجية غربية قادتها تل أبيب لاحتواء شرق أفريقيا بهدف حماية أمن إسرائيل.

أفريقيا التي كانت دوما في صلب الفكر الكولونيالي الذي نظر له جول فيري بمباركة من فيكتور هيغو والماسونيين والجمهوريين اليساريين، عرفت تكريسا استعماريا نوعيا بسعي القوى الغربية الكبرى إلى الهيمنة عليها سياسيا واقتصاديا كما كشف ذلك أندري جيد وألبير لندر في كتابيهما "سفر إلى الكونغو" و"أرض إبين" المنشورين عامي 1927 و1928.

"
اللعبة التي تمارسها القوى الكبرى من تحت الطاولة، دفعت المؤلف إلى القول بأن تاريخ سقوط جدار برلين كان بداية تحالف أميركي بريطاني وإسرائيلي لمزاحمة وزعزعة فرنسا أفريقيا
"
اللعبة الكبيرة التي تمارسها القوى الكبرى من تحت الطاولة بروح تنافسية محمومة، دفعت بيان إلى القول بأن تاريخ سقوط جدار برلين كان بداية تحالف أميركي بريطاني وإسرائيلي لمزاحمة وزعزعة "فرنسا أفريقيا" التي ندد بها الرئيس العاجي السابق لوران غباغبو. وضرب بيان مثال حتمية تقسيم السودان كنموذج ينطق بتحول شرق أفريقيا إلى أرضية مرجعية خصبة بما سمي أميركيا بصدام الحضارات الذي أكدته هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2011.

ولم يكن من المنطقي حسب بيان، التباطؤ أكثر في تقسيم السودان المتورط في الإرهاب الإسلامي كما يقال في الأدبيات الإعلامية الغربية والإسرائيلية، وفي قطع تأييده لأعداء إسرائيل في الشرق الأوسط.

إسرائيل كاستعمار جديد بأفريقيا
الأهمية التي أفردها بيان لدور إسرائيل في أفريقيا بشكل يوضح موقفه منها، تبرر وحدها خطورة الكتاب على المؤيدين والمتواطئين معها من الغربيين وحلفائهم العرب وغير العرب، إذ بيّن كيف بدأت إسرائيل غزو أفريقيا في مطلع خمسينيات القرن الماضي باعتبارها عمقا إستراتيجيا يحميها من أعدائها العرب، ومسألة حياة أو موت حسب بن غوريون.

واستطاعت إسرائيل أن تجسد أهدافها في أفريقيا من خلال بناء خطوط حزام أمني تسمح بمحاصرة السياسة العربية في القارة السمراء وتأخير الوحدة العربية من خلال مناهضة المد التحرري في المغرب العربي والشرق الأوسط وتأمين البحر الأحمر والعبور إلى أفريقيا وبتحالفها مع دول أفريقية جديدة.

وتركزت الإستراتيجية الإسرائيلية على محاور التحالف مع أمم غير عربية مثل إيران وتركيا وإثيوبيا وأوغندا ومع أقليات غير عربية وغير مسلمة مثل الدروز والمارونيين والأكراد والكتائب اللبنانية والملكيين اليمنيين والمتمردين في جنوب السودان، وإجهاض الدعم المصري للثورة الجزائرية، ودعم الموساد للجيش الفرنسي ضد جبهة التحرير الجزائرية، وتحوّل فرنسا في سرية تامة إلى قاعدة خلفية لدولة إسرائيل المستقبلية بمباركة الاشتراكيين وديغول نفسه. وكان وراء البرامج المذكورة كل من دافيد كيمش المعروف باسم دافيد شارون، ويوري لوبراني السكرتير الخاص لبن غوريون والذي كان بطل عملية إخراج الفلاشا اليهود من إثيوبيا للاستقرار في إسرائيل، وتدجين أوغندا وإيران وإثيوبيا وسيراليون.

"
الحلف المقدس الذي قادته إسرائيل سريا في إطار ما سمي عقد المحيط، تأسس تنفيذا لمشروع مساعدة المتمردين في جنوب السودان ضد الخرطوم اعتمادا على الدول المجاورة
"
الحلف المقدس ضد السودان
إسرائيل التي قال عنها الزعيم المغربي المهدي بن بركة -الذي ثبت أنه راح ضحية الموساد- إنها تمثل مشروعا استيطانيا إمبرياليا في أفريقيا وآسيا على النحو الذي يكمل الهيمنة الغربية، بدأت باحتواء إثيوبيا عام 1956 باعتبارها باب دخول إلى أفريقيا، وحصانة ضد أي تهديد يأتي من مصر أو السعودية أو الصومال، ونافذة تسمح بمراقبة نشاطات الخرطوم ومجموع المنطقة ومصادر النيل وتغلغل السوفيات.

الحلف المقدس الذي قادته إسرائيل سريا في إطار ما سمي "عقد المحيط"، تأسس تنفيذا لمشروع مساعدة المتمردين في جنوب السودان ضد الخرطوم اعتمادا على الدول المجاورة مثل إثيوبيا وأوغندا والكونغو (الزائير) وأفريقيا الوسطى وتشاد باعتبارها طرقا تمكن الموساد من إرسال المستشارين والأسلحة.

الغزو الإسرائيلي لأفريقيا شمل أيضا غانا عام 1957 وساحل العاج والداهومي والكاميرون والسنغال وتوغو وتنزانيا ونيجيريا والصومال، وبلغ مستوى التغلغل الحد الذي سمح لإسرائيل بحراسة الرئيسين الكاميرونيين أحيجو وبول بيا.

وكرست إسرائيل "الدولة الواثقة من نفسها والمسيطرة" على حد تعبير ديغول، وجودها في أفريقيا بمساندة نظام بريتوريا العنصري. والموساد هو الذي علم نظام الأبارتيد كيف يرتكب مجازر ضد حركات التحرر دون ترك أي أثر، والتعذيب دون إسالة الدماء، كما فعل مع من تنعتهم إسرائيل بالإرهابيين الفلسطينيين.

تحطيم السودان البلد المسلم
الرئيسان الزائيري (الكونغولي) موبوتو والأوغندي موسيفيني كانا من أبرز أبطال تجسيد المشروع الإسرائيلي على ضفاف البحيرات الكبرى من أجل محاصرة وإسقاط نظام الخرطوم. وسعي إسرائيل لتأسيس أمة واحدة شرق أفريقيا لم يكن إلا ثمرة تدجين كل قادة هذه الأمة على طريقة هتلر وبسمارك.

ولفهم المجازر التي حدثت في حزام البحيرات الكبرى حسب بيان، "يجب تحليل إستراتيجية موسيفيني صنيعة إسرائيل وخادمها المدلل، وبوب كاغامي رئيس رواندا اللذين حلما بجمهورية سواحيلية من منطلق التمهيد لإيجاد أرض للتوتسي –توتسي لاند- تضم أوغندا وبوروندي وكيفو الزائيرية بقيادة قبائل الهيمة التي ينتمي إليها الرئيس الأوغندي والصديق الشخصي والمستقبلي لرئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان جون قرنق.

المجازر المرعبة التي عرفتها عدة بلدان أفريقية -مثل أوغندا ورواندا- لم تكن إلا نتيجة تواطؤ موسيفيني وكاغامي على مرأى ومسمع إسرائيل وقوى غربية تفننت في تحويل الجلاد إلى ضحية بتزكية من إعلام مقولب، وفي قتل الصحفيين الذين شككوا في الروايات الرسمية مثل الألماني مارك شميت الذي اغتيل عام 1983.

إسرائيل التي تقود الحرب على السودان تهدف -حسب بيان- إلى أخذ نصيبها من المياه الموزعة بين مصر والسودان وإثيوبيا وأوغندا وتنزانيا وكينيا وإريتريا ورواندا وبوروندي وكونغو الديمقراطية. والمياه التي تستفيد منها مصر بنسبة كبيرة هي السبب الحقيقي وراء الإستراتيجية الإسرائيلية في المنطقة التي تجاور السودان شرقا وخاصة أوغندا التي تتقاسم معه حدودا مشتركة تبلغ 435 كلم.

"
روجيه وينتر صاحب نظرية أفريقيا جديدة في خدمة إسرائيل، كان مبدع فكرة إضعاف السودان داخليا حتى لا يتمكن من توظيف قوته لصالح أعداء إسرائيل
"
الخرافة واللغز ومناورات اللوبي
المصلحة الغربية والإسرائيلية الأيدولوجية والاقتصادية المزدوجة التي تفسر هدف تحطيم السودان، هي التي دفعت بالأميركيين والبريطانيين إلى دعم كاغامي الرواندي والسكوت على المجازر الوحشية التي أرتكبها للحفاظ على السلطة التي مكنته منها تل أبيب.

وهي نفسها المصلحة التي فرضت على اللوبيات الإسرائيلية بزعامة الخرافة روجيه وينتر المضي بشتى السبل إلى معاقبة السودان الحليف لإيران وحماس وبالتالي عدو إسرائيل.

روجيه وينتر صاحب نظرية "أفريقيا جديدة في خدمة إسرائيل" كان مبدع فكرة إضعاف السودان داخليا حتى لا يتمكن من توظيف قوته لصالح أعداء إسرائيل، و"هو مصدر كل متاعب السودان" على حد تعبير غازي صلاح الدين مستشار الرئيس عمر البشير.

تجسيدا لقناعة غولدا مائير التي تنص على إضعاف قدرات العرب والمسلمين، راحت اللوبيات الإسرائيلية تلعب ورقتي الدبلوماسية تارة والحروب السرية والقوة تارة أخرى اعتمادا على تكتيك خلق وتغذية النزاعات المذهبية والإثنية، وكان لها ما أرادت من خلال تطبيق مبدأ الاستقلال الذاتي لدارفور كما فعلت في جنوب السودان، وتنبأ آفي ديختر أحد أبرز قادة حزب كاديما بتحقيق الهدف بحدود العام 2011 على الطريقة الكوسوفية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك