عرض/ زياد منى

من أكثر الأمور إيلاما لكاتب هذه المراجعة الحديث عن أم المدائن -مدينة القدس- المحتلة مثل بقية بلادي، التي يسعى العدو لإكمال اغتصابه لها عبر محاولة مسح تاريخها وهويتها التي حافظ عليها أبناؤها المرابطون فيها إلى يوم الدين.

عندما سألت مرة صديقا يعمل في سفارة إحدى الدول العربية عن تاريخ الصحف التي قدمها لي هدية، أجابني بالقول: التاريخ هو الشيء الوحيد الذي يتغير في صحفنا لأنها، جميعها، موقوفة للتسبيح بحمد الحاكم.

تقرير حال القدس الصادر دوريا عن "مؤسسة القدس الدولية"، التي أوقفت جهدها المهم والصادق لمتابعة حاضر المدينة ومستقبلها، كما تاريخها، لا يختلف كثيرا عن تلك الصحف. أخبار غير سارة لأهلها ومحبيها، تتكرر في كل تقرير.

-الكتاب: تقرير حال القدس (الفترة من يناير-مارس 2011)
-إصدار: إدارة الإعلام والمعلومات في "مؤسسة القدس الدولية"
-عدد الصفحات: 22
الناشر: مؤسسة القدس الدولية
الطبعة: الأولى مايو/2011

المحتوى
يقول معدو التقرير، الذين يبذلون جهودا مضنية في عملهم الثمين -وليت أسماءهم لا تبقى مجهولة مخفية خلف اسم المؤسسة التي أصدرته- إنه: يرصد تطور الأحداث في المدينة المحتلة على المستويين الميداني والسياسي، بين مشروع تهويدي شامل ومحاولات المقدسيين مقاومته (الأصح: مقاومته، وليس فقط محاولة ذلك)، اعتمادا على مقدراتهم الذاتية على نحو أساس.

التقرير -الذي يوافق صدوره ذكرى اغتصاب فلسطين في 14/5/1948- مقسّم إلى مدخل "حول التقرير ومنهجيته"، يليه "ملخص تنفيذي" الذي يلحظ أن "الغائب الأكبر عن المشهد المقدسي كان الجانب العربي والإسلامي. حيث مرت الاعتداءات في ظل صمت رسمي وشعبي ساهم في تشجيع الاحتلال على تكثيف اعتداءاته وتسريعها"، وينتهي إلى "محتوى التقرير" المخصص للحديث عن موضوعين رئيسين هما "الموقف الميداني في القدس" و"الموقف السياسي في القدس"، وكل من الموضوعين مقسم إلى أقسام فرعية، علما بأن الأخير يعتمد على نحو أساس على الوثائق السرية التي نشرتها قناة الجزيرة ووضعت صورها في هذا الموقع لمن يريد استعادتها.

أولا: الموقف الميداني: أخبار غير سارة

يتعامل هذا القسم من التقرير مع موضوعين رئيسين هما:
1-"تطور مشروع التهويد الديني والثقافي".
2- "تطور مشروع التهويد السكاني".

في الموضوع الأول وهو تطور مشروع التهويد الديني والثقافي: يرصد معدو التقرير بعض المشاريع التي تضاعف مخاطر تهويد المدينة العربية المحتلة.

المشروع الأول: انتهاء عمل المغتصِب في نفق طوله نحو سبعمائة متر يربط بين بركة سلوان في جنوب حي "وادي الحلوة" الذي يطلق عليه، اعتباطًا بكل تأكيد، اسم "مدينة داود"، والمدخل الجنوبي لساحة البراق.

ولأن مغزى هذه الحفريات قد لا يتجلى لغير المطلع، نبه التقرير إلى أن خطورته تكمن في كونه "يشكل صلة وصل بين أقسام المدينة اليهودية التاريخية التي يبنيها الاحتلال أسفل المسجد الأقصى وفي محيطه، وحفريات (مدينة داود) وشبكة أنفاق الحائط الغربي للمسجد شمالاً.

المشروع الثاني: هو اختراق الحي الإسلامي في البلدة القديمة وتثبيت معالم يهودية حديثة فيه، حيث حول منطقة "حوش الشهابي" المجاورة لأحد أبواب المسجد الأقصى الغربية، والمعروف تاريخيا باسم "باب الحديد" إلى ساحة تعبد يهودية وغير من اسمه بـ"العبرية" والإنجليزية إلى "المبكى الصغير".

"
يرصد معدو التقرير بعض المشاريع التي تضاعف مخاطر تهويد المدينة العربية المحتلة
مثل مشاريع الأنفاق والحفريات ومحاصرة المدينة المقدسة بمشاريع إستطانية,
 وتهويد التعليم
"
المشروع الثالث الذي رصده التقرير: مرتبط باستمرار الصهيوني المحتل محاصرة المدينة العربية وأحيائها الواقعة خارج سور البلدة القديمة، وتحديدا في ضاحية أو بلدة سلوان جنوب المدينة وحي الشيخ جراح الواقع إلى شماليها، بمشاريع استيطانية منها على سبيل الذكر لا الحصر توسيع مستوطنة "جيلو" بإضافة نحو ألف وحدة سكنية جديدة إليها، هدفها:

- فصل المسجد الأقصى والبلدة القديمة عن محيطها العربي الفلسطيني.

- تهجير السكان المقدسيين من مركز المدينة إلى أطرافها.

- تغيير هوية المدينة السكانية وبالتالي الدينية.

يضاف إلى ما سبق استحداث أول قاعدة عسكرية لقوات الاحتلال في شرقي المدينة، إضافة إلى نقل مبنى الكلية العسكرية وكلية الأمن القومي ومساكن الضباط من تل أبيب إليها.

النقطة الثالثة الأخيرة في هذا القسم: إحكام الاحتلال قبضته على قطاع التعليم العربي وفرض مناهج تعليمية تتماشى مع رؤيته المزوِّرة لتاريخ المدينة ومن ذلك فرض إعادة تسمية جغرافية فلسطين وفق تأويلاته الاعتباطية المستندة إلى خرافات وأساطير وأوهام تلمودية، لا أكثر.

ثانيا: الموقف السياسي
يعتمد القسم الأول جزئيا على وثائق سرية متعلقة بالمفاوضات بين دولة الاحتلال وسلطة رام الله، التي نشرتها قناة الجزيرة مطلع هذا العام، والتي تفضح مدى استعداد الطرف الأخير للتنازل عن المدينة وأهلها الذين تمسكوا بها، نيابة عن العالمين العربي والإسلامي، ما يزيد على عشرين قرنا، بل وحتى التنازل المفجع عن الحرم الشريف الذي يضم كلا من المسجد الأقصى وقبة الصخرة المشرفة.

القسم الثاني من هذا التقرير مخصص لعرض "مبادرة السلام الإسرائيلية (القدس الكبرى عاصمة لدولتين)، والذي يجعل من العرب المسلمين أقلية دينية في المدينة.

"
ربع سكان القدس من الفلسطينيين على استعداد لنقل مقر إقامتهم إلى الدولة الفلسطينية، بينما تفضل الأغلبية الاحتفاظ بتبعية دولة العدو المحتل
"
القسم الثالث، والذي هو مفجع بكل ما تتضمنه الكلمة من معنى، مخصص لنتائج استطلاع رأي أنجزه "مركز بشتر لاستطلاعات الرأي في الشرق الأوسط" يظهر أن فقط ربع سكان المدينة من الفلسطينيين على استعداد لنقل مقر إقامتهم إلى الدولة الفلسطينية (التي لن تقوم إلا على الورق)، بينما تفضل الأغلبية الاحتفاظ بتبعية دولة العدو المحتل، مع أن ما يزيد عن 75% منهم على قناعة بأنهم ضحايا تمييز عنصري. لا تلوموا الضحية.

ويرصد التقرير أسبابا عديدة لهذا التفضيل أهمها: حرية التنقل داخل فلسطين المحتلة، وارتفاع الدخل، والتأمين الاجتماعي. وهنا يطالب التقرير السلطة الفلسطينية "بتحمل مسؤولياتها كاملة وعدم إهمال الخدمات المادية والاجتماعية للسكان الفلسطينيين وخصوصا المقيمين منهم".

استنتاجات
الكارثة الحقيقية التي تلاحق القدس هي ما ذكره التقرير في "الملخص التنفيذي" والذي لاحظ أن الغائب الأكبر عن المشهد المقدسي كان الجانب العربي والإسلامي الذي لم يصدر عنه خلال الفترة الماضية أي تحرك جدي لوقف الاعتداءات الإسرائيلية، باستثناء إدانات خجولة صدرت من مصر والأردن لهدم فندق شبرد في حي الشيخ جراح، بينما مرت الاعتداءات جميعها في ظل صمت رسمي وشعبي مطبق ساهم في تشجيع الاحتلال على تكثيفها وتسريعها.

معدو التقرير لا يكتفون بوضع الإصبع على الجرح بل يطرحون -وإن على نحو مختصر- أفكارا لكيفية مراجعة الكارثة المحدقة بمدينتي المقدسة.

"
التقرير يفضح مدى التقاعس الوطني الفلسطيني، والقومي العربي، والإسلامي عن مواجهة الاحتلال وترك أهل المدينة يواجهون وحدهم عدوا عنصريا شرسا
"
ومن العلاجات التي يطرحها التقرير على الأطراف الفلسطينية والعربية والإسلامية للوضع المأساوي للمدينة ابتداع مرجعية مقدسية قادرة على إيجاد آليات عمل فعلية لمواجهة خطوات الاحتلال والارتقاء بمستوى الأداء السياسي بعيدا من التسليم بالأمر الواقع ومن المزايدة السياسية وتسجيل النقاط.

أما الجانب العربي والإسلامي فيمتلك، وفق التقرير، كثيرا من عوامل الضغط التي يمكن استخدامها ومن ذلك الاستعانة بمجلس الأمن والجمعية العمومية للأمم المتحدة والضغط على الغرب باستخدام شبكات المصالح التي تربطهما.

النظرة المتأنية في هذا التقرير تفضح مدى التقاعس الوطني الفلسطيني، والقومي العربي، والإسلامي عن مواجهة الاحتلال وترك أهل المدينة المرابطين يواجهون وحدهم عدوا عنصريا شرسا مصمما على إعادة عجلة التاريخ إلى الوراء ألف ألف قرن، إلى تاريخ وهمي يسكن عقلا مريضا.

لذا نكرر ما كتبناه آنفا: الأخبار الآتية من القدس المحتلة غير سارة إطلاقًا.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك