عرض / عمر كوش

يدخل هذا الكتاب في سياق الدراسات التي تهتم بالنقد الحضاري لأزمة مشروع النهضة العربية، التي لم تقم لها قائمة حتى يومنا هذا، ويهدف إلى أخذ العبرة والدروس من نجاحات الآخرين، بغية التحضير للمستقبل، ولما يتوقع أن يكون عليه العالم بعد عقود قليلة.

-الكتاب: العرب ومستقبل الصين من اللانموذج التنموي إلى المصاحبة الحضارية
-المؤلف: سامر خير أحمد
-عدد الصفحات: 271
-الناشر: ثقافة للنشر والتوزيع بالتعاون مع مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم، أبو ظبي
الطبعة: الأولى/2009

 
ويقترح المؤلف على العرب الاهتمام بالنهضة الصينية المعاصرة، من جهة كونها مرشداً للعرب في تخطيطهم للنهوض المأمول، من خلال دراستها المتعمقة، واعتماد الفلسفة الأساسية التي استخدمتها في تحقيق النجاح، التي يعتبرها نفس فلسفة المشروع النهضوي العربي عند تأسيسه في النصف الأول من القرن التاسع عشر، والتي كان قوامها البراغماتية المنطلقة من أساس وطني ثابت.

كما يقترح الاعتماد على ما سيكون عليه حضور الصين السياسي في العالم مستقبلاً، من جهة التخلص من المعيقات الخارجية التاريخية لنهضة العرب، استناداً إلى إقامة ترابط وثيق للمصالح معها، ثم الاعتماد على الصين في التزود بالمستلزمات المادية للتنمية، وبخاصة في مجال التكنولوجيا والتقنيات المتطورة، التي يمكن أن تتوافر عليها في المستقبل أيضاً.

المصاحبة الحضارية
يجترح المؤلف فكرة يسميها "المصاحبة الحضارية"، تنهض على إمكانية استعانة طرف متأخر حضارياً، بطرف متقدم، في ظل شروط واعتبارات معينة، كي يصحبه إلى حالة التقدم الحضاري.

ويجد أنها فكرة قابلة التطبيق في علاقة العرب مع الصين، لاعتبارات واقعية عديدة، أهمها حاجة الصين المتزايدة للموارد العربية.

غير أن ذلك صعب التحقيق في وقتنا الراهن، لأن العرب في طور التفكك، وليسوا جاهزين لهذه المصاحبة، وكذلك هي الصين، ليست جاهزة حتى تنجز نهضتها الكاملة، إلا أن ثمة قاعدة راسخة لبناء هذه المصاحبة في المستقبل، حيث تصبح فيه الصين جاهزة، ما يعني أن على العرب إنجاز جهوزيتهم قبل الوصول إليه، ذلك أن إدارة العلاقة الحضارية مع الصين من قبل العرب، يلزمها أولاً تقاربهم، أو تكاملهم، على قاعدة التخطيط المشترك لأهداف نهضوية حضارية، تبدأ بالتنمية ولا تنتهي عندها، ما يعني ضرورة امتلاك برنامج عمل جماعي موحد، وهو أمر لم يُنجز بعد.

"
الصين ليست جاهزة بما يخدم مرامي العلاقة الحضارية مع العرب، فهي لا تملك جزءاً كبيراً من التكنولوجيا المتقدمة، ثم إنها لا تملك تأثيراً كبيراً في السياسة الدولية
"
كما أن الصين ليست جاهزة بعد، بالمعنى الذي يخدم مرامي العلاقة الحضارية، فهي لا تملك جزءاً كبيراً من التكنولوجيا المتقدمة التي تحتاجها النهضة الحضارية العربية، ثم إنها لا تملك تأثيراً كبيراً في السياسة الدولية، وما تزال تترك ساحة النفوذ السياسي في العالم للولايات المتحدة الأميركية والقوى الغربية الأخرى.

وعليه، فإن استعانة العرب، في ظل وضعهم الراهن، باللانموذج الصيني الشامل للنهضة، يبدو أمراً غير منطقي. لكن ذلك لا يمنع اعتبار الدول العربية بعملية التنمية التي شهدتها الصين، في بعدها الاقتصادي، دون الأبعاد النهضوية الأخرى في مجالات القوة والتأثير الدولي.

ذلك أن الدول العربية، وكلها محدودة الموارد قياساً إلى المعنى الواسع الذي تستلزمه "النهضة"، إما كمّاً أو نوعاً أو كليهما، لا تعدم مجالاً للتعاون المشترك من أجل استثمار وتوظيف أفضل للموارد العربية، التي تشكل في مجموعها موارد واسعة كمّاً ونوعاً، بغية تحقيق التنمية لشعوبها، وهو هدف داخلي تعمل له طبيعياً، بينما تتورع عن السعي للسيطرة الخارجية.

وكانت التنمية الاقتصادية، في الواقع، بمثابة المقدمة أو الرافقة التي أتاحت للصين الوقوف على عتبات "النهضة" والولوج إليها.

ولا شك في أن العلاقات العربية الصينية قابلة للتوسع إلى آفاق غير محدودة، إلا أنها بشكل عام اتجهت للتحسن منذ مطلع القرن الحادي والعشرين لتصير أوسع مما كانت عليه في الماضي.

ويمكن تفسير ذلك باتجاه الصين لتحقيق نفوذ دولي، تبنيه على نجاحاتها الاقتصادية الهائلة، واستجابة العرب لهذا الاتجاه الصيني بالإيجاب، سواء مدفوعين بتصورات الحرب الباردة التي تتمنى عودة حالة "القطبين" من أجل موازنة التفرد الأميركي بالعالم، الذي أضر بالقضايا العربية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، أو منطلقين من تفهم حقيقي للسلوك الصيني البراغماتي الذي يهتم أساسا بالمصالح الصينية، إضافة إلى عدم وجود تاريخ من العداء بين العرب والصين.

"
الغرب لم يعد مجالاً صالحاً للمساعدة في تحقيق النهضة العربية، أو دعم تحقيقها، أو توفير البيئة الملائمة لتحقيقها، بالرغم من توفره على إنجازات حضارية هائلة
"

كما أن "الغرب" لم يعد مجالاً صالحاً للمساعدة في تحقيق النهضة العربية، أو دعم تحقيقها، أو توفير البيئة الملائمة لتحقيقها، بالرغم من توفره على إنجازات حضارية هائلة، يمكن التعلّم منها بكفاءة. وعليه فقد انسدّ الغرب في وجه المشروع النهضوي العربي، بعد أن كان يوم تأسيس ذلك المشروع، مرجعاً ومثالاً وقدوة ونموذجاً يُحتذى.

وفيما ينسدّ الغرب، ينفتح الشرق ليقدم مثلاً وقدوة في القدرة على إنجاز النهضة. وقد كانت دول شرق آسيا الناهضة في منتصف القرن العشرين تعيش ظروفاً مشابهة للتي كان يعيشها العالم العربي، بما في ذلك وقوعها في مجال الاستغلال الإمبريالي، بمعنى أنها كانت ذات مقدمات شبيهة بمقدمات الدول العربية التي استقلت عن الاستعمار المباشر.

وعلى هذا يكون الالتفات لتجاربها النهضوية، والاعتبار منها، مفيداً للغاية، بخاصة في جانب التعرّف على آليات تعاملها مع الظروف الحضارية الداخلية المتأخرة، التي تماثل ظروف المجتمعات والدول العربية، مع الأخذ بالاعتبار الفروقات الموضوعية، بين ظروف وأحوال تلك الدول وظروف وأحوال العرب، دون تضخيمها أو تحميلها أسباب تعطّل النهضة، لأن سبب التأخّر ذاتي في أساسه، لا موضوعي، حسب ما يراه المؤلف.

اللا نموذج التنموي
يرى المؤلف أن عملية النهوض الصينية، قامت من خلال التنمية، ومضت عبر "لا نموذج تنموي"، حيث شهدت الأسس التي قامت عليها التنمية تطويراً وتعديلاً مستمرين، بل إن التعديل ظل الأساس الثابت في عملية الإصلاح، بمعنى أن القيمة لم تكن للفكرة بقدر ما كانت للنتيجة، وهو أمر انسجم مع المبدأ الذي أطلقه "دينغ شياو بنغ" منذ مطلع العام 1978، ومفاده أن "التطبيق العملي هو المعيار الأوحد للحقيقة"، شاملاً بذلك أفكار الإصلاح نفسها، بما فيها "نظرية اقتصاد السوق الاشتراكي"، التي شهدت تعديلات جذرية، وخاصة حين تقرر في أواخر العام 1997، مع بداية عهد "جيانغ زيمين" والإدارة الجماعية، العودة إلى اتخاذ إجراءات مركزية في إدارة الاقتصاد، بعد أن كانت الصين تتجه في عهد دينغ إلى التوسع في اللا مركزية.

"
جعلت التعديلات المستمرة نظرية "اقتصاد السوق الاشتراكي"، بما هي محاولة توفيق بين أفضل ما في الاشتراكية  والرأسمالية، تبدو غير واضحة المعالم
"
وجعلت التعديلات المستمرة نظرية "اقتصاد السوق الاشتراكي"، بما هي محاولة توفيق بين أفضل ما في النظامين الاشتراكي والرأسمالي، تبدو غير واضحة المعالم، بل مبهمة المعالم عن قصد، وهو أمر يمكن تبيّنه من خلال ملاحظة الأطر العامة للإصلاح، التي تجسدت في التطبيق الحذر للنظريات الجديدة، من خلال تجريبها في مناطق محدودة أولاً، فإذا نجحت تم تعميمها، وإذا فشلت كانت آثارها محدودة.

إضافة إلى الاعتماد على الواقع مقياساً وحيداً لصحة النظرية من عدمها، ومعياراً وحيداً للحقيقة، وتقديم مصلحة الشعب على الالتزام الحرفي بأيديولوجية الحزب الحاكم، وإجراء مراجعات فكرية مستمرة لتلك الأيديولوجية، بحيث تظل منسجمة مع مصالح الشعب وحاجاته المستجدة، والإبقاء على الدور الاجتماعي للدولة، بخاصة تجاه الشرائح والمناطق الفقيرة، باعتباره واجباً لا يقل أهمية عن واجبها في توفير بيئة مناسبة للإنتاج والربح.

وكذلك تقنين واجب الأغنياء تجاه الفقراء، بحيث يكون مُلزماً وخاضعاً لرقابة الدولة ومساءلتها، حفاظاً على وحدة المجتمع وتناغمه، والانفتاح على العالم الخارجي، والاستفادة من كافة الخبرات والمنجزات الإنسانية، مع رعاية الإرث الثقافي المحلي والاعتزاز به، مع التحرك دوماً من خلال "برنامج عمل"، محدد الأهداف وواضح الخطوات، مع تقييم المنجزات والإخفاقات باستمرار، والتصدي بحزم لمحاولات تخريب البرنامج النهضوي الوطني، بخاصة من جهة التدخلات السياسية الخارجية، والاضطرابات الداخلية المدعومة خارجياً.

الدرس الصيني
أول الدروس التي يقدمها النهوض الصيني، حسب ما يقرر المؤلف، هو أن العرب كان يمكنهم في مطلع التسعينيات، ليس فقط إدارة موقفهم تجاه العولمة بشكل أفضل، لو أنهم أنجزوا التنمية غير التابعة في مرحلة سابقة انطلاقا من التكامل الاقتصادي العربي الذي ظل فكرة تطرح منذ الأربعينيات.

بل أيضا توظيف مفاعيل هذه العولمة في صالح طموحاتهم النهضوية، كما تيسر للصين أن تفعل، حين باتت بفعل مكانتها الاقتصادية قطباً عالمياً يحسب له ألف حساب.

ويعتبر أن "الدرس الصيني" في الانطلاق من "لا نموذج تنموي"، ينجز تنمية غير تابعة، لا يزال قائماً، شريطة تحقيق وصول العرب إلى مرحلة من الوحدة الاقتصادية الواحدة، وممارسة هذه الوحدة سيادتها على موارد الطبيعة، ومن دون ذلك لا يمكن توظيف الموارد الطبيعية العربية تكاملياً، ولا يمكن كذلك توجيه هذا التوظيف لما يخدم التنمية العربية.

وقد أثبتت الصين نجاح النهج البراغماتي الذي يقوم على أساس وطني ثابت، وفشل النهج الأيديولوجي الذي يقدم الوسيلة على الغاية.

"
ما يمكن أن تقدمه الصين لعالم عربي طامح باستعادة نهضته، يفيض عن مجرد الدروس والعبر والتجارب، لأن تجربتها تحوي على منجم من الفرص المستقبلية، على العرب دراستها
"
ولما كان العرب تخلوا عن النهج البراغماتي في سعيهم للنهضة، وأخذوا بالأيديولوجيا، ثم راحوا يسجلون الفشل الحضاري تلو الآخر، فإن نجاحات الصين الحضارية تقدم أمامها دليلا على ضرورة استعادة الفلسفة الأولى لمشروعهم النهضوي، وقوامها الاهتمام بالغاية الوطنية النبيلة، وتقديمها على الوسيلة، من دون إهمال الثوابت الأخلاقية التي لا غنى عنها للنجاح.

غير أن ما يمكن أن تقدمه الصين لعالم عربي طامح باستعادة نهضته، يفيض عن مجرد الدروس والعبر والتجارب، لأن تجربتها تحوي على منجم من الفرص المستقبلية، على العرب دراستها ووعيها والاستفادة منها.

وهو أمر مرتبط بحسن إدارة الدول العربية للعلاقة مع الصين، إذ ليس ثمة مكان للمجاملات في مصالح الأمم والشعوب، فالتقارب العربي الصيني الذي يدار بمنظور التجارة والمال، قد يجلب الثراء، لكنه لن يحقق مصالح إستراتيجية كبرى للدول والشعوب، وللنهوض والتطور، لذلك يجب الاستفادة مما يخدم النهوض العربي من العوامل المادية وسواها.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك