عرض/الصادق الفقيه

يعتبر جون جي ميرشايمر واحدا من أكثر المفكرين الواقعيين على صعيد السياسة الخارجية، ومن أكثرهم تأثيرا في العلاقات الدولية في العالم.

فهو واضح وقاطع ومحلل نزيه لا يعرف الخوف، إلى جانب أنه معروف بإثارته للجدل بسبب نظرته الجريئة حول السياسة الأميركية في الشرق الأوسط، التي أثارت عاصفة من الانتقادات، ولخصها في كتابه "اللوبي الإسرائيلي وسياسة الولايات المتحدة الخارجية"، الذي صدر عام 2007 وترجم إلى تسع عشرة لغة ودخل قائمة أكثر الكتب الجديدة مبيعا، حسب تصنيف صحيفة نيويورك تايمز.

لماذا يكذب القادة؟

-الكتاب: لماذا يكذب القادة (الحقيقة حول الكذب في السياسة الدولية)
-المؤلف: جون جي ميرشايمر
-عدد الصفحات: 160
-
الناشر: مطبعة جامعة أكسفورد، الولايات المتحدة الأميركية
-الطبعة: الأولى/ يناير 2011

إضافة إلى ما جاء في كتابه "مأساة سياسات القوة العظمى"، الذي فاز بجائزة جوزيف لبقولد للكتاب، من انتقاد حاد لسياسات أميركا ومنافسيها الكبار في العالم.

بيد أنه الآن يأخذ نظرة على جانب آخر في العلاقات الدولية مثير للجدل كذلك، لكن لم يسبقه إليه أحد هذه المرة، ولم تتطرق له الدراسات من قبل بهذه الدقة والتحديد، وهو "الكذب". إذ يقدم تحليلا شاملا للكذب في الشؤون العالمية، مع حشد كبير من الأمثلة التاريخية المشتركة. ويميل إلى وجود دوافع محضة لقادة كذّابين.

الشكل والجوهر
اشتمل كتاب "لماذا يكذب القادة: الحقيقة حول الكذب في السياسة الدولية" لمؤلفه جون جي ميرشايمر، أستاذ العلوم السياسية والمدير المشارك لبرنامج سياسة الأمن الدولي في جامعة شيكاغو الأميركية عددا من الفصول.

إذ ضم جدول المحتويات، إلى جانب المقدمة، ثمانية فصول، بدأت بتعرف: ما الكذب؟ وفصل ثان عن "جرد الكذب الدولي"، وثالث عن "الكذب بين الدول"، ورابع عن "ترويج الخوف"، وخامس عَرَّف "إستراتيجية التكتم"، وسادس تحدث فيه المؤلف عن "صنع الأسطورة القومية"، وسابع فحص "الأكاذيب الليبرالية"، وناقش الفصل الثامن "الجانب السلبي للإخبار بالأكاذيب الدولية"، في حين تناولت "الخاتمة" استنتاجات دراسة المؤلف لظاهرة الكذب في السياسة الدولية، إضافة إلى المراجع والحواشي والفهرس.

ورغم صغر حجمه، وجد كتاب ميرشايمر تقريظا حميدا من كثير من الكتاب والمفكرين في الولايات المتحدة الأميركية، التي شكل كذب قادتها مادته الأساسية.

فقال جاك سنايدر أستاذ العلاقات الدولية في جامعة كولومبيا "إلى كل صانعي الأسطورة حذار! إن جون ميرشايمر، الذي يكتب بحيوية واقتضاب، يفتح آفاقا جديدة في الكشف عن هذه القضية الساخنة لمزيد من التدقيق والتحري".

ويتساءل كبير المشاركين بمؤسسة كارنيغي للسلام الدولي رئيس التحرير السابق لمجلة "السياسة الخارجية" مويسيس نعيم "هل الكذب في السياسة الدولية سلوك مشين، أو أداة مفيدة لفن الحكم؟ ومتى يكون مناسبا للقادة لكي يكذبوا على شعوبهم؟ هل هناك كذب أكثر من اللازم، أو أن القليل منه يحدث في السياسة الدولية؟".

لقد أجاب جون ميرشايمر على هذه الأسئلة وغيرها من المسائل المتفجرة وبذات الجرأة والأصالة التي عُرف بها.

"
هذه الدراسة مليئة بالمفاجآت, فزعماء العالم يمكنهم أن يكذبوا على بعضهم بعضا دون أن يتحملوا أية عواقب وخيمة، ولكنهم يفعلون ذلك أقل بكثير مما كنا قد افترضنا
"

إن هذه الدراسة تقدم رؤية ثاقبة من جانب واحد من أكثر المفكرين المثيرين للجدل في العالم. إنها قراءة رائعة ومحفزة. ويقول عنه جيمس ف. هوج الابن رئيس مجلس إدارة منظمة هيومن رايتس ووتش ورئيس التحرير السابق لمجلة "الشؤون الخارجية"، إن "هذه الدراسة الرائدة عن الكذب في السياسة الدولية مليئة بالمفاجآت. فزعماء العالم يمكنهم أن يكذبوا على بعضهم بعضا دون أن يتحملوا أية عواقب وخيمة، ولكنهم يفعلون ذلك أقل بكثير مما كنا قد افترضنا. ومع ذلك، عندما يكذب القادة على شعوبهم حول سلوك السياسة الخارجية، فإنه تنتج عن ذلك أضرار كبيرة، وبخاصة في الديمقراطيات. جون ميرشايمر يصنف أنواعا مختلفة من الأكاذيب، ويزن مخاطر القيام بها في هذا التحليل الثاقب، الذي له صلة وثيقة بعصرنا".

في حين يذكر روبرت سين كيوهين أستاذ الشؤون العامة والدولية، في مدرسة وودرو ويلسون للشؤون العامة والدولية بجامعة برينستون، أنه "في هذا الكتاب الصغير الرائع، يحتج جون ميرشايمر بأن الكذب حول السياسة الخارجية هو جزء لا يتجزأ من طريقة الحياة الديمقراطية، وهذه هي الرسالة الهامة بالنسبة لأعضاء الجماهير الديمقراطية الذين يرغبون في تجنب الخدع من قبل قادتهم".

ما الكذب؟
رصدت المعاجم للكذب معالم وصفات ووصفات عديدة، التي لا تخلو جميعها من معنى أن يقوم الإنسان بإعطاء أو إظهار دلالات، أو معلومات خاطئة، أو إخفاء دلالات، أو معلومات صحيحة, عن من يطلبها من أجل الحماية والتكيف الأفضل مع الظروف المستجدة. فالكذب تزوير للحقيقة كي يخدع بها الشخص الآخرين، من أجل تحقيق أهداف ودوافع ذاتية معينة.

أما كذب القادة فهو يشمل الكثير من الأشكال, وهو موجود لدى كل الأمم، إذ تمثل الجاسوسية والخداع في الصراعات والحروب أنواعا شائعة من هذا الكذب. وقد سار العرف أن الكذب في السياسة كثيراً ما يكون مباحا. لهذا أدمنه الساسة، الذين حفل بسيرهم ونماذج كذبهم هذا الكتاب.

لقد كان العراق المثال الأوضح في نظر ميرشايمر لكذب السياسيين الأميركيين، فما كان منه إلا أن يقول صراحة إن أعضاء إدارة الرئيس جورج بوش قد مهدوا طريقهم إلى العراق بالكذب، معتبرين أن "صدام قال الحقيقة حول قدراته من أسلحة الدمار الشامل قبل حرب العراق عام 2003، في حين أن كبار الشخصيات في إدارة بوش كذبوا بشأن ما كانوا يعلمون بشأن تلك الأسلحة".

لكن التفاؤل غير المناسب ليس هو نفسه التزوير المتعمد. إذ إنه على الرغم من أن المسؤولين الأميركيين نشروا المعلومات المضللة عن علاقات العراق الإرهابية، فإنهم لم يخترعوا أدلة عن الأسلحة بقدر ما كانت تهمهم المبالغة في الثقة إزاء ما يعني هذا الدليل الضعيف.

"
على الرغم من أن الأميركيين نشروا المعلومات المضللة عن علاقات العراق الإرهابية، فإنهم لم يخترعوا أدلة عن الأسلحة بقدر ما كانت تهمّهم المبالغة في الثقة إزاء ما يعني هذا الدليل الضعيف
"
وكان صدام بلا شك أكثر مخادعة، إذ قام بحملة منسقة لتضخيم قدراته العسكرية. وبغض النظر عن ذلك، فليس هناك شك في أن رؤية إدارة بوش المرنة للحقيقة كانت إشكالية، لأنها أدت إلى وقوع كارثة في السياسة الخارجية. كما يقول ميرشايمر، فإن هذا النوع من السلوك يفسد النقاش العام ويولد عدم الثقة. ولكن هل يعتبر الكذب دائما خصلة سيئة بالنسبة للسلطة؟

وبما أنني لن أحاول من خلال هذا الاستعراض الإجابة على هذا السؤال، فإن الاطلاع على السيرة الذاتية لديك تشيني نائب الرئيس جورج بوش الابن يظهر بعض جوانب هذه الإجابة.

لقد تقلد تشيني مناصب رفيعة خلال ثلاث إدارات في البيت الأبيض، وخدم ست دورات في مجلس النواب، وشغل منصب الرئيس التنفيذي لشركة هاليبرتون، والصورة التي انبثقت من هذه الأدوار جميعها مفزعة ومقنعة على حد سواء، حيث تبرز بوصفها أصدق تمثيل للمكيافيلية الكلاسيكية، ففي حالة تشيني يبدو أن الغاية التي تبرر الوسيلة هي السلطة، بشكل واضح وبسيط.

لماذا يكذب القادة؟
يوفر ميرشايمر أول تحليل منهجي عن الكذب كأداة من أدوات فن الحكم وتحديد الأصناف والأسباب والتكاليف والفوائد المحتملة. واعتمادا على ثروة من الأمثلة، يحتج أن القادة يكذبون في كثير من الأحيان لأسباب إستراتيجية جيدة، لذلك فإن إدانة شاملة للكذب تبدو غير واقعية وغير حكيمة. ومع ذلك، هناك أنواع أخرى من الخداع إلى جانب الكذب، بما في ذلك الإخفاء والغزل والمراوغة.

وربما لا يوجد فرق أكثر أهمية بين أن يكذب الزعيم على دولة أخرى، أو الكذب على شعبه. لكن ميرشايمر اكتشف أن الخداع الصريح بين الدول صار أمرا غير عادي، مع الأخذ في الاعتبار عدم الثقة بين القوى الكبرى، فوجد أن الخداع المباشر أمر صعب وبالتالي نادرا ما يستحق كل هذا الجهد.

وعلاوة على ذلك، فإنه يرتد أحيانا عندما يحدث. لقد كذب خروشوف بشأن حجم القوة الصاروخية السوفياتية، مما أثار حفيظة أميركا وجعلها تراكم مخزونها. وضُبط أيزنهاور متلبسا بالكذب بشأن طلعات التجسس التي قامت بها "يو 2" في عام 1960 والتي ألغت القمة المزمعة مع خروشوف.

"
أنواع الكذب المحلية التي استهدفها المؤلف هي "ترويج الخوف" أي تضخيم التهديدات حتى يأخذ الجمهور الأمر على محمل الجد
"
لهذا، فإن أنواع الكذب المحلية التي استهدفها ميرشايمر، وقضى معظم الوقت في تفكيكها، هي "ترويج الخوف"، أي تضخيم التهديدات حتى يأخذ الجمهور الأمر على محمل الجد.

وقد نُسب إلى وزير خارجية هاري ترومان عبارته الشهيرة عن خطر الشيوعية، التي قال إنها لا بد من أن تقدم بمصطلحات "أكثر وضوحا من الحقيقة".

وقد وضع ليندون جونسون هذه العبارة موضع التطبيق، فضلل الكونغرس بشأن هجوم مفترض على المدمرة الأميركية في خليج تونكين حتى يتمكن من تأمين التفويض لحرب فيتنام.

وعلى الرغم من أن الأسباب قد تكون نبيلة، فإن فرانكلين روزفلت، على سبيل المثال، كذب على الشعب الأميركي بشأن مهاجمة قوارب يوU-)boats) الألمانية المدمرة جرير (USS Greer) في عام 1940، لبناء قضية الحرب ضد هتلر، لأنها كانت ستؤدي بسهولة إلى كارثة، كما هو الحال مع أكاذيب إدارة بوش بشأن أسلحة الدمار الشامل العراقية.

إستراتيجية التستر
أوجد جون ميرشايمر اسمًا لهذا النوع من الكذب، اصطلح عليه "إستراتيجية التستر". وهذا المصطلح ليس بالضرورة تحقيرا، لكنه يحاول أن يجد من خلاله الإجابة على السؤال: لماذا يكذب القادة؟ كما أنه يفسر كيف أن الحكومة عندما تستخدم هذا النوع من الكذب إنما هي تريد أن تتمكن من مواصلة سياسة لا تحظى بشعبية، ولكن من الحكمة السير فيها قُدما.

فبعد أزمة الصواريخ الكوبية، على سبيل المثال، نفى الرئيس جون كينيدي أنه وافق على سحب الصواريخ النووية الأميركية من تركيا في مقابل موافقة السوفيات على سحب الصواريخ من كوبا. وكان كينيدي في واقع الأمر قد قام بهذه المقايضة، لكنه حفظها سرا، لأنه كان يعرف أنها سوف لن تحظى بشعبية لدى الناخبين في الولايات المتحدة وحلفائها في حلف شمال الأطلسي.

وقد أقدم الزعماء اليابانيون على عملية حسابية مشابهة في ستينيات القرن الماضي، عندما منحوا الإذن للبحرية الأميركية أن ترسو سفنها المسلحة نوويا في الموانئ اليابانية، وهو شرط لتنفيذ عمليات إستراتيجية الردع الأميركية. ولكنهم أدركوا أن هذا القرار إذا أعلن للجمهور فإنه سيثير الكثير من الجدل في بلد مناهض للأسلحة النووية، بحيث أنه قد يتعين عليهم التراجع عنه.

وهكذا، وعلى مدى نصف قرن فإنهم ظلوا ينفون الاتفاق. وفي 11 مارس/آذار 2010 فقط، استطاعت الحكومة أن تقر نهائيا أن الإدارات السابقة قد كذبت على الجمهور الياباني لعقود بشأن وجود أسلحة ذرية على أرضهم.

"
أكدت الحكومة اليابانية لأول مرة على وجود اتفاقات سرية منذ حقبة الحرب الباردة تم فيها السماح لأميركا بجلب أسلحة نووية للبلاد، في انتهاك فاضح لسياسات اليابان غير النووية
"
وأكدت الحكومة اليابانية لأول مرة على وجود اتفاقات سرية منذ حقبة الحرب الباردة تم فيها السماح للولايات المتحدة بجلب أسلحة نووية للبلاد، في انتهاك فاضح لسياسات اليابان غير النووية.

إن إستراتيجية التستر واحدة فقط من فئات الأكاذيب، التي جرى تصنيفها في هذا الكتاب. ومثل تعلق الفراشات بالرغوة، ظل ميرشايمر يجمع ويصنف الأنواع المختلفة من الأكاذيب في السياسة الدولية، ويقوم باختراع هذه التصنيفات بنفسه.

فوجد أن البلدان تكذب على بعضها بعضا للمبالغة في قدراتها العسكرية الخاصة. فقد هدد هتلر بإرسال ست شعب إضافية في منطقة الراين والحقيقة أنه لم يكن لديه سوى أربعة ألوية، أو أن تقلل منها كما فعلت بريطانيا خلال الحرب العالمية الأولى عندما ادعت أن المقصود من عمل دباباتها هو فقط نقل المياه بدلا من قتل المشاة.

كانوا يكذبون حفاظا على عنصر المفاجأة قبل مهاجمة عدو، كما فعل الاتحاد السوفياتي في 1945 عندما قال إنه ليست لديه نية لغزو اليابان، أو لخلق انطباع زائف عن هجوم وشيك كما فعلت إدارة الرئيس ريغان عندما كانت تضغط على معمر القذافي قائلة إن القاذفات الأميركية كانت على وشك مهاجمة ليبيا.

دبلوماسية الرياء
لقد أبانت وثائق ويكيليكس بجلاء ما حاول ميرشايمر أن يثبته في كتابه الجديد، إذ أخبرنا عن صور الأكاذيب بين الأمم. وكيف يمكن لـ"إستراتيجية التستر" أو "دبلوماسية الرياء" أن تعمل، فمثال الحكومة اليمنية وحده يكفي.

فعندما دمرت صواريخ كروز الأميركية معسكر تدريب لتنظيم القاعدة يوم 17 ديسمبر/كانون الأول 2009، أسرع الرئيس علي عبد الله صالح لتحمل المسؤولية عن الضربات، التي زعم أن حكومته وحدها قد "خططت ونفذت".

بل زاد صالح بأن قال: "سنواصل القول إن القنابل لنا، وليس لك" مخاطبا الجنرال ديفد بترايوس. وكانت هذه كذبة، لأن الهجمات قد أمر بها الرئيس باراك أوباما، ونفذتها الولايات المتحدة. ولكن "التستر" صار هو السياسة الرسمية، ويهدف إلى إخفاء حقيقة أن اليمن قد أطلق لواشنطن العنان لقتل "الإرهابيين" داخل الحدود اليمنية.

الخاتمة

"
رغم استنتاج الكتاب أن الكذب بين الدول حالة نادرة، فإنه أقر بأنه أكثر شيوعا داخل البلدان، حيث تستسهل الحكومات الكذب على شعبها
"
جاء هذا الكتاب بميزة أنه أول عمل عن مسألة أساسية في العلاقات الدولية، هي الكذب. إذ لم يجد العالم تحليلا جادا حول كذب القادة من قبل. ولكن الآن وفّر لنا خبير بارز عملا بالغ الغنى، واحتج بأسلوب من شأنه أن يغير فهمنا حول لماذا يكذب هؤلاء القادة.

ورغم استنتاج الكتاب أن الكذب بين الدول حالة نادرة، فإنه أقر بأنه أكثر شيوعا داخل البلدان، حيث تستسهل الحكومات الكذب على شعبها، خاصة وأن الشعب يميل إلى الثقة في حكومته أكثر من ثقة الحكومات في بعضها بعضا.

فمن كان منا يفترض أن الكذب بين الأمم أمر نادر الحدوث، في حين أن الكذب من جانب الحكومات الديمقراطية لشعوبها هو أكثر شيوعا من خلال المقارنة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك