عرض/ محمد تركي الربيعو

تشكل الممارسة الثقافية موقعا استثنائيا للإطلالة على عالم الشباب، فهم من خلال إنتاجاتهم الفنية والأدبية، كما من خلال ما يستهلكون من صور وموسيقى وغيرها من الرسائل والرموز، ومن خلال أنماط العيش والتصرفات التي يختارونها ويروجون لها إنما يعبرون عما يدور في عالمهم، ويبثون تصوراتهم حول العالم الأعم ورؤاهم الخاصة له.

-الكتاب: الممارسات الثقافية للشباب العربي
-المؤلف: تجمع الباحثات اللبنانيات
-عدد الصفحات: 575
-الطبعة : الأولى/ 2011

ويتميز الأفراد في مرحلة الشباب بوصف الأغلبية منهم خارج إطار العمل والزواج، وما زالوا في طور التساؤلات والبحث عن الذات، وذلك قبل أن يعيدوا ترتيب أولوياتهم التي تحددها صعوبات الحياة اليومية.

وبالتالي فإن هذه المرحلة تعد بمنزلة "هدنة" نفس اجتماعية توفرها المجتمعات المعاصرة لأشخاصها، بحيث يسعهم أن "يهمشوا" في رحابها ذواتهم عن تياراتها السائدة، وتعد حيزا زمنيا خاصا بهم يعيشون فيه اختبارات متميزة.

ففي المجتمعات الليبرالية مثلا، يتم تشجيع الشباب على التجريب والمغامرة، بل على الثورة على ما هو شائع، لأن الانخراط في ذلك كله من شأنه تيسير عملية اختيار مسار تخصصي ومهني وعاطفي أكثر صوابا وتلاؤما مع شخصية راشدة فردية ومتكيفة.

ولا تقتصر وظيفة "التهميش الإيجابي" للشباب على إحداث آثار شخصية محبذة لهم، بل تتعداه إلى إطلاق العنان للإبداع الثقافي لديهم، وهو دعوة ضمنية للشباب للإسهام في رسم معالم الثقافة وتجديدها وإلى الإسهام بتعيين ملامح ممارستها المستقبلية استهلاكا وإنتاجا.

وإذا كانت هذه من بعض الوظائف الاجتماعية والثقافية لمرحلة الشباب في المجتمعات الليبرالية ، فان هذا الكتاب يسعى للبحث في ممارسة الشباب الثقافية في مجتمعاتنا العربية بما يعيننا على جلاء الوظيفة المتوخاة من مرحلة الشباب عندنا، وعلى رصد الديناميات التي تحكم تفعيلهم لتلك الوظيفة في مسار بناء هوياتهم الاجتماعية.

كذلك فإن الكثافة النسبية التي تميز الممارسات الثقافية في مرحلة الشباب وتوسع مجالاتها والشحنة العاطفية التي تسبغ عليها. كلها تجعل البحث في تلك الممارسات استشرافا للتحولات الثقافية عندنا، سواء كانت هذه التحولات كامنة في مسار مجتمعاتنا أم جاءت نتيجة التلاقح الثقافي مع المجتمعات الأخرى.

فجيل الخمسينيات والستينيات انخرط في العمل السياسي حاملا مشروعا للتغيير تمثل باندفاعه ثائرا على الأشكال المختلفة للهيمنة الفكرية والسياسية للأجيال السابقة كما للدول الكبرى، وكان تعبيره سياسيا مباشرا انعكس آنذاك على إنتاجه الثقافي الملتزم.

أما اليوم وبعد "موت الأيديولوجيات" فقد أخذ التعبير عن النقد أشكالا مختلفة غير مباشرة لا تدعي تقديم الحلول، إنما ترسم صورا ساخرة أحيانا، قاتمة أحيانا، ومفككة أحيانا لعالم ما بعد الحداثة.

الممارسات الثقافية وتجلياتها

"
في السابق كانت العائلة والمدرسة والمؤسسة الدينية والتشكيلات الاجتماعية الأخرى تتوزع الأدوار الأساسية في تشكيل هوية الفرد الثقافية, إلا أنها اليوم تتعرض لتقلبات هذا العالم المتبدل 
"
تعني الممارسات الثقافية تلقي واستهلاك أشكال التعبير والمنتجات الثقافية المختلفة من المؤلفات الكتابية، الرواية والقصة والشعر، ومنها التشكيلية كالرسومات والمنحوتات، والبصرية والأدائية كالرقص والأفلام والمسلسلات والمسرح والفيديو كليب والموسيقى بأنواعها الحداثية، الراب والهيب هوب.

وكيفية تفاعل الشباب مع هذه التأثيرات الثقافية من خلال إنتاجهم الخاص الذي يتنوع بين الغناء والموسيقى والمرئيات والأداء، إلى إنتاج المسرحيات وكتابة الروايات واستخدام المدونات وسيلة للتعبير عن القضايا التي تهمهم.

ففي السابق كانت العائلة والمدرسة والمؤسسة الدينية والتشكيلات الاجتماعية الأخرى تتوزع تباعا أو معا وحتى أمد قريب الأدوار الأساسية في تشكيل هوية الفرد الثقافية.

فكانت تسهم في بناء ذائقته الفنية وتصوغ أشكال ممارساته الثقافية بأسلوب خاص بها، في حين أن عالمنا المعاصر اليوم يظهر تراجع أثر هذه المؤسسات في تشكيل هوية الفرد، خاصة أنها هي نفسها تتعرض لتقلبات هذا العالم المتبدل في وتيرة متسارعة لم تعد معها على يقين من صواب معارفها، وأولويات خياراتها وملاءمة قيمها لهذا العالم.

من جهة ثانية كان للأقران دائما دور محوري في إعطاء الهوية الثقافية للشباب لونها المتميز، فهؤلاء يتماهى بعضهم مع بعض في التصرفات واللباس والشعارات والألوان، ويتوقون إلى الانخراط في مجموعات تساعدهم على تمييز هوياتهم، لكنهم أيضا وفي التصور السائد فئة قابلة للتأثر.

ففي بلادنا مثلا يكونون الجمهور الذي تستهدفه الجمعيات المدنية والأحزاب السياسية باتجاهات متناقضة. كما أن غالبية الإعلانات والبرامج التلفزيونية تستهدفهم، مروجة لمقاييس جمالية منمطة وفارضة استهلاك الماركات العالمية كرمز نجاح.

في المقابل تتوجه إليهم دعوات للتمسك بتقاليد الأسلاف والترويج لأنماط نقيضه من أجل تمييز هويتهم الثقافية وإقصائها عن التأثيرات الغربية.

هذه تتواجد جنبا إلى جنب مع دعوات متضمنة في الأيديولوجيات المبثوثة في منتجات التقنيات الجديدة (ألعاب إلكتروينة مثلا) التي تروج لرؤية ثنائية مبسطة لعالم يتصارع فيه الخير والشر، الحضارة والبربرية.

هذا مع العلم أن الشباب لا يشكل بمجمله جمهورا سلبيا متلقيا، وإنما يتمتع بعضهم بالقدرة على اختيار ما يريده من أجل تلبية احتياجاته الترفيهية والإجابة عن تساؤلاته المختلفة.

وينتقل بعضهم الآخر بين هذا النموذج وذاك باحثا عن هوية ثقافية تميزه وتساعده على مجابهة عالم، يتهم ثقافته العربية بالشيطانية والإرهابية، ويؤمن له في الوقت نفسه أدوات التفاعل مع هذا العالم نفسه.

ولا ننسى أن أعدادا متزايدة من الشباب العربي، شأنهم في ذلك شأن سائر شباب العالم، قادرون على استخدام الإنترنت وتقنيات الاتصالات، وهو ما يميزهم عن الأجيال السابقة.

"
تشكل الشبكات الاجتماعية وحلقات النقاش المتوفرة عبر الإنترنت مساحة للتعبير الحر والتعارف والتفاعل بعيدا عن أنظار الأهل والسلطات ليكون الشباب بذلك عالما خاصا بهم
"
إذ إن الاستخدام يسمح لهم بتجاوز كل أشكال الرقابة، رسمية كانت أم اجتماعية وعائلية، كما أنه بات بإمكانهم تجاوز عوائق الملكية الفكرية بواسطة تقنيات الاتصال، وهو ما يتيح لهم استهلاك التعابير الثقافية وتبادلها دون قيد أو شرط.

وتشكل الشبكات الاجتماعية وحلقات النقاش المتوفرة عبر الإنترنت مساحة للتعبير الحر والتعارف والتفاعل بعيدا عن أنظار الأهل والسلطات، ليكون الشباب بذلك عالما خاصا بهم. ولفهم هذا العالم فإن الممارسات الثقافية والترفيهية وكذلك الوسائل التعبيرية الخاصة بهم تشكل مجالا ملائما لسبر أغواره.

الهويات المتحولة
يراوغ الشباب اليوم للتعبير عن خطابهم، فيلجؤون إلى التراث الشعبي والأسطورة مستلهمين منها بعض أفكارهم ومستلين منها شخصيات أسطورية ترمز إلى شخصيات في الواقع الاجتماعي والسياسي تجنبا للمواجهات والصدامات.

ولذلك يبدو وكأن مسرح الحياة اليومية للشاب العربي اليوم لم يعد يشغله هم البحث عن الهوية العربية أو القومية، كما كان لدى جيل الستينيات والسبعينيات بل صار الهم لدى هذا الجيل الجديد طرح الأسئلة عن الهوية الفردية، وعن موقف الشباب من الآخر ومن الأسرة، عن الدولة والأقليات وعن معيشهم اليومي.

ففي الضاحية الجنوبية لمدينة بيروت مثلا، ترصد الباحثتان الاجتماعيتان منى حرب ولارا ديب نزوع الشباب والشابات لإعادة تشكيل الحيز المكاني وإعطاء معان متجددة لإيمانهم الديني، وذلك في عملية تفاوض لا تهدأ بين حاجاتهم لاختبار معيشهم الشبابي المغاير لمعيش أهلهم، ورغباتهم المعلنة بالبقاء تحت مظلة الضوابط الدينية.

وهم يسوغون لخياراتهم الهجينة بين الأشكال المستحدثة والاملاءات السلوكية من طائفتهم بالإحالة إلى مراجع من تلك الطائفة نفسها.

وفي تحليله للإنتاج الموسيقي للشباب الفلسطيني في المخيمات الفلسطينية في لبنان يبين الباحث الفرنسي نيكولا بويغ كيف يوفق هؤلاء بين التعابير الوطنية والثورية التي تعبر عن هموم الجماعة، والتي باتت تقليدية بعض الشيء وبين انشغالاتهم اليومية الرومانسية كالغزل مثلا وصعوبات الحياة اليومية للاجئين، مازجين التراث بالحديث في توليفة متناسقة مع الذائقة المحلية والشبابية والكونية في آن معا.

وفي انتقالهم بين الأنغام المختلفة من الشعبية والوطنية والطرب العربي والتعابير الارتجالية الناقدة، إنما يعبرون عن هوية متأرجحة تنتمي إلى واقع المخيمات، كما إلى الفضاء العربي والعالمي اللذين تربطهم بهما علاقتهم بالشتات، وحين تبدو فلسطين حلما بعيدا والبحث عن حلول للحياة اليومية أكثر إلحاحا.

سياسات ثقافية للترويج والدعوة

"
تعد مدارس المصطفى المسرح فنا متكاملا في خدمة قيم الدين والمقاومة، أما مدارس العاملية فالمسرح تسلية تعزز المواطنية، فيما المسرح لمدارس المبرات وسيلة تربوية
"
الممارسات الثقافية تحمل طابع الترفيه والتسلية والتخفيف من العمل والجهد الذهني أو الجسدي، وهي في التصور باعثة على التفريج الانفعالي والعاطفي والخيالي والحماسي، وهو ما يجعل العوامل المحيطة بها والرسائل المبثوثة عبرها ذات تأثير أوفر.

فهي وسيط ثمين يلجأ إليه الدعاة والمروجون على أنواعهم، التجار السياسيون والناشطون الاجتماعيون والمربون، مؤسسات وأفراد يحدوهم إلى ذلك كله إدراكهم المدعم بالأبحاث العلمية، بـ"بالقيمة المضافة" التي تحدثها الممارسات الثقافية عبر ترابطاتها العاطفية والانفعالية في العملية المعرفية وفي الاتجاهات والتفضيلات والسلوك.

من هنا فإن الممارسات الثقافية للشباب ليست شأنهم حصرا، بل هي وسيط يلجأ إليه المعنيون للتواصل معهم وللتأثير عليهم، الهيئات التربوية والسياسية والدينية والاقتصادية، من مؤسسات تعنى ببث الأيديولوجيات والمعارف على أنواعها.

ولعل هذا ما تشير إليه الباحثة الفرنسية كاترين لوما توما في بحثها عن التربية في شبكات المدارس الشيعية في لبنان، حيث تبين دور التنشئة الاجتماعية الذي أوكلته المناهج التربوية للمسرح، الذي يكون فيه الشباب كتابا وممثلين ومخرجين، وبالطبع مشاهدين.

وقد حاولت الباحثة أن تحلل المفاهيم والممارسات المسرحية في ثلاث شبكات تربوية شيعية، مدارس المصطفى المقربة من حزب الله ومدارس العاملية، ومدارس المبرات المرتبطة بالسيد محمد حسين فضل الله.

تعد مدارس المصطفى المسرح فنا متكاملا في خدمة قيم الدين والمقاومة، أما مدارس العاملية فالمسرح تسلية تعزز المواطنية، فيما المسرح لمدارس المبرات وسيلة تربوية متعددة الأوجه ومندمجة في الحياة اليومية.هذه النماذج المتباينة تعكس صورة متعددة الأوجه ومعقدة للطائفة الشيعية، وتتخطى الهيمنة والتسلط اللذين مارسهما حزب الله في السنوات الأخيرة على التعبيرات الثقافية والعامة لدى الطائفة الشيعية.

الشباب والتلفزيون
إن شيوع وكثافة مشاهدة التلفزيون بين الشباب يجعلانها من الممارسات الثقافية الهامة التي لا بد من أن تثار حولها العديد من الدراسات في السنوات القادمة، وقد حاول الباحث الاجتماعي العراقي وعد إبراهيم خليل أن يتقصى جزءا من هذه العلاقة من خلال القيام بإجراء دراسة ميدانية تسعى للكشف عن الآثار الناتجة عن مشاهدة المسلسلات التركية المدبلجة إلى اللغة العربية على عينة من شباب الموصل بالعراق.

ومن النتائج الميدانية لدراسته أن مشاهدة هذه المسلسلات تتمدد على مساحة وقت الشبان والشابات وباتت من نسيج تفضيلاتهم واتجاهاتهم ومعتقداتهم، فأبطالها مادة أحاديثهم التليفونية، وملابسهم موديلات للتقليد، وأماكنهم مواقع للزيارة والسياحة وجمالهم باعث على الانبهار ومحرك للرغبات ومثال للمحاكاة، ومصائرهم مواضيع للانشغال.

لذا فإن التوظيف العاطفي المحيط بهذه المسلسلات مؤثر في حيواتهم على أكثر من صعيد، بسبب ما توفره لهم من فسحة آمنة خارج العنف والتوتر السياسي وخارج التقييدات الاجتماعية التي يرزحون تحت وطأتها.

أجنحة الوسائل الحديثة

"
حين يبخل المحيط الإنساني والسياسي على الشباب فلا يقدم له تلقائية الانتماء ويحرمه المرآة الأولية ليرى فيها ذاته، فإن وسائط الاتصال والنشر والإنتاج تقدم له محيطا بديلا مرحبا
"
يبين الباحث الاجتماعي توماس بوركهالتر كيف يستفيد منتجو الموسيقى من الإمكانات التي تتيحها التكنولوجيا الجديدة لإنتاج أعمالهم وتوزيعها ولتنزيل آخر النتاجات الموسيقية العالمية وتحميلها دون تكلفة مالية.

وغالبا يقيم هؤلاء علاقات مع أقران في أنحاء العالم، فيتقاسمون وإياهم الأنغام ويتشاركون الأذواق والمعارف ما ينمي أوساطا موسيقية جديدة متعددة وبديلة.

وحين يبخل المحيط الإنساني والسياسي على الشباب، فلا يقدم له تلقائية الانتماء ويحرمه المرآة الأولية ليرى فيها ذاته، فإن وسائط الاتصال والنشر والإنتاج التي أصبحت في أيامنا المعاصرة في متناول الجميع تقدم له محيطا بديلا مرحبا.

وهذا ما يتضح لنا عند استعراضنا للإنتاج الموسيقي الشبابي في المخيمات الفلسطينية في لبنان، وفيه قفز الشباب الفلسطيني فوق المعيقات اللبنانية إلى خارج الحدود الجغرافية على أجنحة الإنترنت وشبكاتها ليجذب جمهورا عربيا، بل كونيا.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك