عرض/ مصطفى فؤاد

زعم الفاتيكان أن نصارى الشرق لا يزال وطنهم محتلاً، وهم يبكون ويحزنون، كما أعلن خيانته للقضية الفلسطينية بتسمية الضفة الغربية "يهودا والسامرة"، وأدان المقاومة، وسمى الصهاينة "الإخوة الأعزاء، والكبار"، ودعا إلى تسييس المسيحية وعلمنة الإسلام وتنصير المسلمين، وحرض على التدخل في الشؤون الداخلية للبلاد العربية.

ومن هنا جاء هذا الكتاب ليصد هذه الهجمة الفاتيكانية التي تعتبر جزءًا من الحرب الصليبية المعلنة على الإسلام والمسلمين، وليكشف هذه الأكاذيب، وينعش الذاكرة بحقائق العصر والتاريخ، ويبصر المسيحيين العرب بانتمائهم الحضاري.

التمهيد

-الكتاب: من يحمي المسيحيين العرب.. الإسلام أم الفاتيكان؟
-المؤلف: أ.د. محمد عمارة
-عدد الصفحات: 168
-الناشر: مكتبة وهبة، القاهرة
-الطبعة: الأولى/2010


مهد المؤلف لكتابه بالحديث عن مواقف الفاتيكان المعادية للإسلام، التي كشفت عن مهادنة الفاتيكان وموالاته للصهيونية التي تعتبر العدو الأول للإسلام، وذكر من هذه المواقف ما حدث عندما توفي البابا يوحنا بولس الثاني، وأصبح الكاردينال "راتزنجر" هو البابا "بنديكتوس السادس عشر" في أبريل/نيسان سنة 2005م، حيث كشفت مجلة نيوزويك الأميركية عن أولى أولويات هذا البابا الجديد، وهي مواجهة الإسلام الذي يمثل –في نظر الغرب– خطرًا أكبر من الشيوعية.

وفي ختام سرد هذه المواقف شدد المؤلف على أن تلك المواقف والوقائع يحسن أن نتذكرها وأن نذكِّر بها، ونحن نتقدم إلى حوار الفاتيكان حول موقفه الأحدث من الإسلام والمسلمين، ذلك الذي صاغه في "ورقة العمل"، التي كان سيناقشها "مجمع – سينودس" أساقفة الكاثوليكية الشرقية في حاضرة الفاتيكان في الفترة من 10 إلى 24 أكتوبر/تشرين الأول سنة 2010م –حيث صدر هذا الكتاب قبل انعقاد المؤتمر– وابتغى الدكتور عمارة من وراء ذلك مراجعة المواقف وتصويب التصورات لنصل –نحن المسلمين والفاتيكان– إلى كلمة سواء.

خمس مقدمات
وفي بداية دحضه للوثيقة (ورقة العمل) التي صاغها الفاتيكان، ذكر المؤلف خمس مقدمات أو مآخذ على تلك الوثيقة، أولى هذه المقدمات: هي الطريقة التي صيغت بها هذه "الوثيقة –ورقة العمل، وثانية هذه المقدمات: ما ادعته "ورقة العمل" هذه من ابتعاد هذا "المجمع– السينودس" عن السياسة، وهي دعوى لا ظل لها من الحقيقة على الإطلاق، وثالثة هذه المقدمات: هي طبيعة هوية الأوطان التي تعيش فيها هذه الكنائس، ورابعة هذه المقدمات: حول حديث الوثيقة الفاتيكانية عن العلاقة (الكاثوليكية – اليهودية)، وخامسة هذه المقدمات: حول ما جاء في هذه الوثيقة عن علاقة الكاثوليك مع المسلمين.

الفاتيكان والقضية الفلسطينية

"
وثيقة الفاتيكان عن علاقة الكاثوليك بالمسلمين التي تحدثت كثيرًا عن العدالة والسلام، لا يجد الإنسان فيها أثرًا للعدالة البشرية أو الإلهية، ولا أثرًا لحقوق الإنسان الفلسطيني
"
وقرر المؤلف أن هذه الوثيقة الفاتيكانية التي تحدثت كثيرًا عن العدالة والسلام، لا يجد الإنسان فيها أثرًا للعدالة البشرية أو الإلهية، ولا أثرًا لحقوق الإنسان الفلسطيني الذي اغتصبت أرضه ودنست مقدساته منذ ما يزيد على ستين عامًا، ولم تذكر كلمة واحدة عن القدس ولا عن اللاجئين الفلسطينيين، ولا عن ضرورة إنهاء الاحتلال الصهيوني للأرض التي حددها القرار الأممي 181 لسنة 1947م للدولة العربية الفلسطينية، ولا عن المقدسات الإسلامية المهددة بالهدم في القدس.

ثم تذهب هذه الوثيقة لتكرس ضياع القضية الفلسطينية عندما تدين مقاومة الاحتلال، وتسميها "عنفًا".. وتسوي بين عنف الظالم المحتل، وعنف المظلوم الذي يقاوم الاحتلال.

هجرة المسيحيين الشرقيين
وعن قضية هجرة المسيحيين الشرقيين من بلادهم، وتوطنهم في أوروبا وأميركا وأستراليا ذكر المؤلف أنها تشغل حيزًا كبيرًا في هذه الوثيقة الفاتيكانية، حتى لقد زادت البنود التي تحدثت عن هذه القضية على عشرة بنود.

وأكد أن هذه الوثيقة الفاتيكانية تضلل المسيحيين الشرقيين، عندما تتحدث في البند (44) عن أن "الحالة الاقتصادية هي أحد أسباب الهجرة المسيحية"، متجاهلة أن الأقليات المسيحية في الشرق تمتلك أحيانًا النسبة الكبرى من ثروات القطاع الخاص في كثير من البلاد العربية، وأنها -في الجملة- لا تعاني ما تعانيه جماهير الأغلبيات المسلمة من أزمات ومشكلات الفقر، والبطالة، والأمية، والسكن، والعجز عن الزواج.

حرية الضمير وتغيير الدين
وفي الموقف مما يسمى "حرية الضمير" بمعنى حرية الكفر والزندقة والإلحاد وتغيير الدين تعبر الوثيقة الفاتيكانية عن "العقلية الغربية"، وليس عن "العقلية الشرقية"، ثم تذهب لتفرض هذه العقلية الغربية على الشرقيين مسيحيين ومسلمين.

ورغم أن الفاتيكان الذي صاغ هذه الوثيقة كان غاضبًا كل الغضب من "حرية الضمير" هذه التي أدت وتؤدي إلى انتقال رعيته من الكاثوليكية إلى الإنجيلية في أميركا اللاتينية وأميركا الشمالية، لكنه يريد تسويق هذا الذي سماه "الاقتناص" بين المسلمين تحت عنوان "حرية الضمير"، وهي حرية مرفوضة إسلاميًّا، لأنها تعني حرية التنصير، الذي غدا حربًا عالمية عظمى ضد الإسلام والمسلمين، وليس مجرد اقتناع فردي خاص يمليه العقل والضمير.

الدعوة إلى علمنة الإسلام والمسلمين

"
وثيقة الفاتيكان سعت إلى علمنة الإسلام والمجمعات الإسلامية, وصممت على أن نتجرع كأس العلمانية المسموم الذي أصاب المسيحية الأوروبية بالإعياء
"
وتحدث المؤلف مستغربًا عن سعي الفاتيكان إلى علمنة الإسلام والمجتمعات الإسلامية، قائلاً: بعد كل ما صنعته العلمانية بالمسيحية الأوروبية وبالإنسان الغربي، التي أثمرت "كنائس خانت مسيحيتها"- كما كان يقول شيخنا محمد الغزالي (1335 - 1416هـ/ 1917 - 1996م)- بعد كل هذا الذي حدث وثمراته الكارثية، تأتي الوثيقة الفاتيكانية ساعية وداعية إلى علمنة الإسلام والمجتمعات الإسلامية، ومصممة على أن نتجرع -نحن المسلمين- الكأس المسمومة، كأس العلمانية، التي أصابت المسيحية الأوروبية بالإعياء، وكادت تطوي صفحتها من الوجود.

وتنسى الكنيسة الكاثوليكية -التي صاغت هذه الوثيقة، التي تدعو فيها إلى علمنة الإسلام والمجتمعات الإسلامية- حقائق الفوارق الجوهرية الحاسمة بين الإسلام والمسيحية، وبين فلسفة الحكم في الإسلام وفلسفته في الدولة الكهنوتية الكاثوليكية الأوروبية التي جاءت العلمانية رد فعل لها وثورة عليها.

فالإسلام لم يعرف عبر تاريخه -لا في الفكر ولا في التطبيق- الحكومة الثيوقراطية، التي تحكم بالتفويض الإلهي، ونيابة عن السماء، وإنما عرف نظام الحكم الإسلامي «نظرية الاستخلاف»، فالأمة -وليست الدولة- هي المُسْتَخْلَفَةُ عن الله (سبحانه وتعالى) في إقامة الشريعة وتطبيقها، وهذه الأمة هي مصدر السلطات التي تختار السلطة والدولة بالشورى والاختيار والبيعة، أي بالانتخاب.

فهذه الدولة -السلطة- نائبة عن الأمة، وليس عن الله، وهي مسؤولة أمام الأمة التي تختارها وتراقبها وتحاسبها وتعزلها عند الاقتضاء، فليس في الإسلام لا في الفكر ولا في التطبيق حكم ثيوقراطي على الإطلاق، بل لقد مثل الإسلام ثورة ضد هذه الثيوقراطية في الحكم، وضد وجود الكهانة ومنصب "رجل الدين" أصلاً!

المسيحية والسياسات الغربية
ثم أشار المؤلف إلى أنه في واقعنا المعاصر برزت العلاقات العضوية بين الغزو الغربي المعاصر لبلاد الشرق الإسلامي وبين المسيحية كما تؤمن بها الكنائس المسيحية الغربية الكبرى.

فاليمين الديني الأميركي –الذي قاد الغزو الغربي للعراق في مارس/آذار سنة 2003م– قد أعلن بلسان الرئيس الأميركي بمقاييس القديس "أوغسطين" (354 – 430م) والقديس "توما الإكويني" (1225 – 1274م) و"مارتن لوثر" (1483 – 1546م)، أن هذه الحرب هي للقضاء على صدام حسين -نبوخذنصر بابل– الذي يهدد إسرائيل، ويعرقل عودة المسيح.

وقرر المؤلف أن التنصير زحف على المسلمين في ركاب الجيوش الغربية الغازية لعالم الإسلام، في الواقع المعاصر، كما في الغزوات الغربية لأفريقيا والشرق في العصر الحديث، وهكذا ارتبطت المسيحية بالسياسات الاستعمارية طوال هذا التاريخ.

الاضطهاد والتحريض

"
أخطر ما في وثيقة الفاتيكان أنها صورت المسيحيين بالشرق في صورة من يعيش في ظروف من الاضطهاد الذي يماثل وضعهم في ظل الاحتلال والقهر الروماني القديم
"
ونبه المؤلف إلى أن من أخطر ما في هذه الوثيقة الفاتيكانية الروح التي كتبت بها، والنتائج الخطرة والكارثية التي دعت إليها، فقد كتبت بالروح التي صورت المسيحيين بالشرق في صورة من يعيش في ظروف من الاضطهاد الذي يماثل وضعهم في ظل الاحتلال والقهر الروماني القديم عندما كانت عقائدهم مجرمة ومحظورة، وكنائسهم وأديرتهم مغتصبة، والرومان يلقونهم إلى النيران وإلى أفواه الأسود.

وصورت المسيحيين الشرقيين –في المجتمعات الإسلامية الآن وعبر التاريخ الإسلامي- في صورة الذين يعيشون في ظروف معادية –أي بين أعداء– ولذلك فهم "يبكون ويحزنون".

وردًا على افتراءات الوثيقة الفاتيكانية على أوضاع المسيحيين الشرقيين قدم الدكتور عمارة عددًا من الشهادات المسيحية القديمة والحديثة عن التحرير والإنقاذ الإسلامي للمسيحية الشرقية من القهر الروماني الذي هددها بالزوال.

وكانت هذه الشهادات للأسقف الأرثوذكسي "يوحنا النقيوسي" الذي كان شاهد عيان على الفتح الإسلامي الذي حرر مصر والشرق من القهر الروماني والبيزنطي، والأسقف ميخائيل السرياني بطريرك أنطاكية اليعقوبي، والعلامة الإنجليزي سير توماس أرنولد، والمستشرق الألماني "آدم متز"، والمؤرخ القبطي "يعقوب نخلة روفيلة"، والمؤرخ المسيحي المعاصر "د.جاك تاجر"، والمفكر والمؤرخ المسيحي اللبناني المعاصر "د. جورج قرم".

المصدر : الجزيرة

التعليقات