عـرض/ أحمد حسن علي
الأمن المائي والحفاظ على حقوق مصر التاريخية في مياه نهر النيل -التي تمثل الحياة والوجود وأساس التنمية للشعب المصري- والعلاقات المتأزمة بين مصر ودول حوض النيل، والجهود الحثيثة لاستطلاع المخارج الممكنة من هذا المأزق.

انطلاقًا من حقيقة جغرافية وقدرية لمصر، والتي يوجد قلبها المائي وشرايينه الموصلة خارج حدودها.

كل هذه القضايا وغيرها ناقشها المؤلف على مدار فصول الكتاب ومحطاته التي نقف أمام بعضها في هذه السطور.

النيل.. النشأة والأساطير

- الكتاب: ميـاه النيـل.. القـدر والبشـر
- المؤلف: أحمد السيد النجار
- عدد الصفحات: 245
- الناشر: دار الشروق، مصر
الطبعة: الأولى/ 2010
لقد ظهرت عدة نظريات حول أصل نهر النيل، تضمنت أصل مجراه وعمره وتطور عملية تشكله حتى وصوله إلى صورته الحياتية، ومن أهمها:

- نيل الصحراء الغربية كأصل سابق للنيل.
- النيل الحديث التكوين.
- الأصل الالتوائي.
- الأصل الانكساري.

وإلى منابع النهر الخالد وإيراداته، والأسس المحركة لمشروعات الري في حوض نهر النيل، والبداية من قلب أفريقيا، وفي سلسلة جبال "موفمبيرو" تنحدر السيول الجامعة للأمطار، والتي تشكل ثلاثة روافد، هي: نهر "كاجيرا" الذي يصب في بحيرة "فيكتوريا"، ويبلغ مسطحه (67) ألف كم2، ويفقد 94 مليار م3 من الأمطار بالبخر والتسرب، ولا يتبقى له سوى 18 مليار م3، وهو ما نسبته 8% من إيراداتها!

وامتحان النيل الأكبر في منطقة السدود والمستنقعات، التي يفقد فيها 15 مليار م3 من إيراده السابق، وما يلبث أن يستعيد عافيته في النيل السوداني، ويدخل بعدها لاهثًا متقطع الأنفاس عند أسوان برصيد مائي يبلغ 48 مليار م3.

وعلى الرغم من أن نهر النيل هو أطول أنهار العالم، فإن معدل تصريف المياه هزيل بالقياس إلى طوله، حيث يبدو قزمًا في إيراده المائي إذا قورن بأنداده في العالم.

ويبلغ تصريف النيل (3000) م3 في الثانية بإيراد مائي يبلغ 94.5 مليار م3 سنويًا، أما مثيله الأفريقي نهر الكونغو، فإن طوله (4370) كم، ومساحة حوضه 3.82 ملايين كم2، أما معدل تصريف مياهه فيبلغ نحو (41) ألف م3 في الثانية، بإيراد سنوي (1293) يصل مليار م3.

"
على الرغم من أن نهر النيل هو أطول أنهار العالم، فإن معدل تصريف المياه هزيل بالقياس إلى طوله، حيث يبدو قزمًا في إيراده المائي إذا قورن بأنهار العالم
"
وألقت نقاط ضعفه الجيولوجية بظلالها من فقد كثير من إيراده المائي بالبخر والتسرب، وأمام تلك الحالة المشوبة بالأخطار، ارتأت دول الحوض الأدنى والمتوسط (مصر والسودان) القيام بمشاريع لضبط إيقاع النهر، ومن أهمها: قناطر الدلتا (1861م)، خزان أسوان (1902م)، وقناطر أسيوط وزفتى وإسنا (1902–1906م)، والحي الجنوبي من مصر خزان سنار 21.25، وجبل الأولياء 1937م، ونتيجة لعجز أسلوب التخزين السنوي في ظل تزايد الاحتياجات المائية المصرية، بدأ التفكير في التخزين المستمر، أو ما اصطلح عليه "التخزين القرني"، وهذه هي المحطة الثانية للكتاب.

السد العالي والتحول الإستراتيجي لمصر
وجدت ثورة يوليو 1952م أن فكرة إقامة سد عالٍ في أسوان هي أفضل الخيارات لمصر فيما يتعلق بمشروعات ضبط النيل وتخزين مياهه وتنظيم استخدامها، فقد أشار البنك الدولي في تقريره إلى أن تكاليف المشروع تبلغ 460 مليون جنيه مصري، أو ما يوازي 1320 مليون دولار.

وأبدى البنك الدولي استعداده لإقراضه لمصر وبعد مراوغات انتهت إلى سحب عرض التمويل في 19/8/1956م، ولم يتأخر الرد المصري كثيرًا، إذ أمّم الزعيم عبد الناصر القناة في خطابه الشهير في 23/7/1956م، وجوبهت مصر بعدوان ثلاثي من: إنجلترا، وفرنسا، وإسرائيل؛ لثنيها عن تأميم القناة، إلا أن العدوان انكسر أمام إرادة الشعب المصري، الذي بدأ بعدها في ملحمته الأسطورية لبناء السد العالي، الذي يأتي في المرتبة الأولى من حيث سعة التخزين التي تبلغ 182.5 مليار م3 عند مستوى 185م2 عن مستوى البحر، ويبلغ حجم الموارد المستخدمة في البناء نحو 43.5 مليون م3 من مختلف المواد، وقدرة المحطة الكهرومائية 2.1 ميغاوات.

ويأتي في مقدمة النتائج الإيجابية للسد توفير 22 مليار م3 من المياه، وزيادة الرقعة المنزرعة بنحو 1.989 مليون فدان، وتحويل ري الحياض في مساحة (670) ألف فدان إلى نظام الري المستديم، وتكفل السد العالي بحماية مصر من خطر الجفاف والفيضانات العالية أعوام 1981/1988م، وبالطبع كان هناك بعض الآثار الجانبية مثل تراكم الطمي في البحيرة وحرمان الأراضي الزراعية منه، وزيادة النحر في جسور النهر والمنشآت المقامة عليه، وغرق بلاد النوبة وتهجير أبنائها في صحراء كوم أمبو، وبعد استصلاح أراضي "توشكى"، كان من الأولى تمليكهم ومنحهم تلك الأراضي تعويضًا عما فقدوه من أرض أجدادهم ونخيلهم الغارق تحت بحيرة السد العالي، ولكن تم منح تلك الأراضي لمستثمرين عرب ذوي نفوذ سياسي بسعر 50 جنيهًا للفدان، في صفقات يحيطها الكثير من علامات الاستفهام.

توشكى بين سوء القرار وآليات صناعته

"
العقد الذي أبرم بين الأمير السعودي الوليد بن طلال والحكومة المصرية هو عقد إذعان وإهدار لكرامة مصر وللموارد الطبيعية المملوكة لأبنائها بأبخس الأثمان
"
عندما كان الرئيس مبارك يفتتح مفيض الطوارئ عند توشكى رأى ضرورة استخدام هذه المياه الفائضة بدلاً من تبديدها، ورغم أن ذلك كان مجرد رأي فإنه تحول من خلال البيروقراطية السياسية إلى مشروع متكامل على الورق!

وعند البدء المفاجئ للمشروع لم تستمع الحكومة إلى وجهات النظر المعارضة من أحزاب كالوفد وعلماء في قامة الدكتور رشدي سعيد، بل إن دراسة للبنك الدولي حول المشروع أكدت أن عائد المشروع يبلغ 8% سنويًا، في حين أن فوائد أذون الخزانة تبلغ 8.5% سنويًا، ومن ثم فإن العائد من المشروع إذا أعاد فوائد قروض تمويله فلن يعيد القرض أبدًا، وقدرت التكاليف النهائية للمشروع بـ(305) مليارات جنيه مصري، وأبدى العديد من المؤسسات المالية الدولية استعدادها لتقديم قروض ميسرة، وكذلك تم إنشاء شركة كويتية لاستصلاح (250) ألف فدان، وتأسيس شركة المملكة للتنمية الزراعية برأسمال مليار جنيه مصري يملكها الأمير السعودي الوليد بن طلال، وتستهدف استصلاح (430) ألف فدان.

وتم تخصيص نحو (100) ألف فدان بسعر (50) جنيهًا للفدان! في المرحلة الأولى للمشروع، ورغم تحمل الميزانية المصرية تكاليف البنية الأساسية، التي بلغت (12) ألف جنيه مصري للفدان الواحد، وبعد 13 عامًا من حصول الوليد بن طلال على الأرض، لم يقم المذكور بزراعة سوى ألف فدان فقط، أي نحو 1% من المساحة التي حصل عليها!

ورغم وجود شرط في العقد يقتضي سحب الأرض منه في حالة عدم زراعتها في الوقت المنصوص عليه في العقد، فإنه -وللغرابة- لم يتم المساس بأراضي المستثمر المذكور، وقد يبدو الأمر مخالفة صارخة للقانون، ولكن الأمر في حقيقته أخطر بكثير؛ لأن العقد الذي أبرم بين المذكور والحكومة المصرية هو بمنزلة عقد إذعان وإهدار لكرامة مصر وللموارد الطبيعية المملوكة لأبنائها بأبخس الأثمان.

الإستراتيجية المائية المصرية
في ندوة عقدها وزير الموارد المائية والري السابق، أشار إلى أن الاستهلاك المائي المصري لأغراض الزراعة سوف يرتفع من (52.13) مليار م3 عام 1997م إلى (67.13) مليار م3 عام 2017م بنسبة زيادة 28.8%، كما سيرتفع الفاقد المائي الناتج عن البخر من النيل الذي يقع بين (2.1) مليار م3 و(2.3) م3 بنسبة زيادة قدرها 9.5%، كما سيرتفع الاستهلاك المائي للأغراض المنزلية من (4.54) مليارات م3 إلى (6.60) مليارات م3 بزيادة 45.1%، أما في الأغراض الصناعية فإنه سيرتفع من (7.42) مليارات م3 إلى (10.56) م3 بنسبة زيادة 42.3%، أما الاحتياطات المائية لمصر فسترتفع من (66.34) مليار م3 إلى (86.74) مليار م3 بزيادة قدرها (20.4) مليار م3 بنسبة 30.8% خلال الفترة من 1997 إلى 2017م.

وبناء على ذلك، فإن وزارة الري إما أن تخفض المساحات المستهدف استصلاحها في ضوء القيود المائية، وإما أن تعلن بصراحة أن الزيادة في الاستهلاك المائي لن تقف عند حدود (15) مليار م3، بل ستصل إلى (27) مليار م3، لاستصلاح (3.54) ملايين فدان المنصوص على استصلاحها في الخطة الزراعية.

وإذا كانت المساحة المحصولية في مصر قد بلغت 13 مليون فدان في العام الزراعي 2007/2008م، باستهلاك مائي بلغ (4518) م3 للفدان، ولو طابقناه بالمساحة الفعلية البالغة (6.5) ملايين فدان، فإن المستهلك من المياه سيمثل كمية هائلة تبلغ (9000) م3 يضيع قسم كبير منها في النقل المكشوف، وهذا يعني أن كفاءة نقل المياه المخصصة للزراعة من أسوان إلى بر مصر جميعها تبلغ 51%، وبإحصاء الفارق بين موارد المياه واستخداماتها في مصر نجد الآتي:

الموارد المائية المستقبلية المتاحة لمصر عام 2017م تبلغ (86.74) مليار م3، ويمكن أن تزيد إلى (98.74) مليار م3 في حالة تنفيذ برامج التوسع الزراعي الأفقي، أي أن الفجوة المائية المطلوب سدادها تبلغ نحو (15) مليار م3.

العلاقات المائية بين مصر ودول حوض النيل
ترتبط مصر بالعديد من الاتفاقات السابقة مع دول حوض النيل، وهي اتفاقات قائمة وسارية طبقًا للقانون الدولي، كاتفاقية 1929م، التي حددت حق مصر المكتسب من مياه النيل بمقدار (48) مليار م3، واتفاقية السودان 1959م، التي أكدت الحقوق السابقة وحق مصر في إقامة السد العالي وإقامة السودان لمشروعات لاحتجاز حصته من المياه.

"
مع زوال الدور التحرري لمصر بعد توقيعها معاهدة كامب ديفد وصلت العلاقات المائية بين مصر ودول حوض النيل إلى أدنى مستوى لها
"
ومع زوال الدور التحرري لمصر بعد توقيعها معاهدة كامب ديفد وصلت العلاقات المائية بين مصر ودول حوض النيل إلى أدنى مستوى لها.

ففي مايو/أيار 2009م، أصر وزراء دول حوض النيل على توقيع الاتفاقية الإطارية، ويرى المؤلف أن الاتفاقية الإطارية لدول المنبع تعد مخالفة للقواعد الإجرائية التي اتفق عليها، ولا تعفي هذه الدول من التزاماتها نحو الاتفاقات السابقة مع مصر والموجودة منذ مدة طويلة، وهي اتفاقات قائمة وسارية طبقًا للقانون الدولي!

والنقطة الثانية محل التعثر هي (شرط الإخطار المسبق) عند القيام بمشروعات مائية قطرية أو جماعية، أو فردية على مجرى الحوض، حيث ترى دول المنبع عدم التقيد بالإخطار المسبق كأساس سابق مع أي مشروعات مائية تعتزم إنشاءها؛ لأن ذلك يعوق مشروعاتها التنموية.

وفيما يتعلق بالنقطة الثالثة: وهي شرط الإجماع، حيث تسعى دول المنبع لتمرير اتفاق إطاري تعاوني جديد بغية إنشاء مفوضية دائمة لدول حوض النيل بغض النظر عن مشاركة دولتيْ المصب (مصر والسودان) عوضًا عن الاتفاقيات السابقة لتوزيع مياه النيل مع فتح الباب لانضمامهما في المستقبل، بحيث تستطيع الحصول من الدول المانحة على تمويل لمشروعاتها النيلية والزراعية، فيما أعلنت مصر والسودان ضرورة التزام كل دول حوض النيل باحترام قاعدة التصويت بالإجماع عند نظر أي تعديل.

"
بعد تقسيم السودان إلى شمال وجنوب، فإنه من الواجب أن تتعامل مصر مع هذا الوضع المؤلم على أنه أمر واقع، فتقوم بتأسيس إستراتيجية مائية مشتركة مع الجانبين
"
أما السودان -وبعد عقود من الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب، وتوقيع المفاوضات والاتفاقيات، ثم تقسيم السودان إلى شمال وجنوب- فإنه من الواجب أن تتعامل مصر مع وضعه المؤلم على أنه أمر واقع، فتقوم بتأسيس إستراتيجية مائية مشتركة مع الجنوب والشمال السوداني، في عدد من التوجهات أبرزها المؤلف في:

- إقامة علاقات قوية مع الجهات الرسمية والشعبية في شمال السودان وجنوبه على حد سواء في مجالات المياه والزراعة والثقافة.

- تطوير بنية أساسية تربط بين الجميع كأساس لتطوير حركة النقل السريع البري وإقامة موانئ بحرية ونهرية.

- منح كل الميزات في مجالات التعليم والعمل والإقامة والدخول للجنوب والشمال، على أن تكون هذه الميزات متبادلة بين كليهما ومصر، فما ربطه النيل برباط لا ينفصم، لا يقطعه شيء آخر!

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك