عرض/ زياد منى
قبل عرض الكتاب من المفيد التعريف بأن المؤلف -وهو إيرلندي- صحفي متخصص في شؤون السياسة الأوروبية، ويكتب في العديد من الصحف ومنها الغارديان البريطانية ووول ستريت والآريش تايمز ومراسل وكالة الصحافة (إنتربرس) في بروكسل، وغيرها.

عرف عنه قيامه بالعديد من النشاطات الفردية، ومنها على سبيل المثال محاولته اعتقال وزير خارجية إسرائيل أفيغدور ليبرمن خلال اجتماع مجلس الاتحاد الأوروبي، وكذلك محاولته وضع رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير تحت الإقامة المدنية الجبرية بسبب دوره في الحرب على العراق.

الخلفية

- الكتاب: تحالف أوروبا مع إسرائيل: دعم الاحتلال
- المؤلف: دفيد كرُنين
- عدد الصفحات: 200
- الناشر: بلوتو برس، لندن
- الطبعة: الأولى/ 2011
 

ثمة وهم سائد بين متابعين ليوميات الصراع العربي/الصهيوني، بأن أوروبا تمارس دورًا إيجابيًا أو محايدًا إلى حد ما، إلى جانب الحق الفلسطيني والعربي، حيث عادة ما يرمى باللوم في التأييد المطلق لإسرائيل على الإدارات الأميركية المختلفة.

مؤلِّف هذا الكتاب -الذي هو وفق علمي الأول الذي يتعامل مع المادة التي لخصها عنوانه- يثبت بكثير من البحث الموثق والاقتباسات خطأ تلك الفكرة السائدة، ويثبت أن معظم الدول الأوروبية ومؤسساتها في "الاتحاد الأوروبي" منغمسة في دعم إسرائيل في المجالات المدنية والعسكرية، وهو الذي تطور وتوثق بعيد هجمات 11/09، وتمأسس في عام 2005 بتوقيع اتفاق تعاون بين إسرائيل واليوروبول (الشرطة الأوروبية المتحدة).

هنا يشدد المؤلف على عدم قانونية هذا الاتفاق لأنه يخالف قانون تأسيس اليوروبول عام 1995 الذي يمنعها من استخدام معلومات تم تحصيلها عبر انتهاك حقوق الإنسان. فرغم أن المحكمة العليا في إسرائيل "منعت" ممارسة التعذيب 1999، فإنها تركت بابًا خلفيًا مفتوحًا على مصراعيه لعدم ملاحقة الجلادين.

الإعلام المتخصص هو المسؤول الأول عن فقدان وعي كهذا للدور الأوروبي المساند لإسرائيل وسياساتها، وربما تساهم مراجعتنا هذه في تسليط الضوء على الحقائق كما هي بدلاً من نشر عكسها وكثير من الأوهام.

الكتاب
نظرًا للكم الكبير من المعلومات والاقتباسات التي يحويها الكتاب -رغم محدودية عدد صفحاته- سوف نركز في عرضنا هذا على أهم محطات التعاون والدعم، التي تناولها الكاتب في مؤلفه، والتي نرى أنها تثبت صحة وجهة نظره، وبالتالي تشجيع المهتم على قراءته.

في الفصل الأول، الذي يلي المقدمة، "تأسيس التحالف غير المقدس"، يستعرض المؤلف مواقف دول الاتحاد الأوروبي المؤيدة، في أغلب الأحيان، والمسوغة في أحيان أقل، للعدوان الإسرائيلي المستمر على الشعب الفلسطيني، حيث ركز على نحو خاص على عدوان عام 2009 المسمى "الرصاص المصهور" الذي استمر 22 يومًا وأسفر عن مقتل 1417 فلسطينيًا، منهم 926 مدنيًا (116 امرأة و313 طفلاً)، مقابل 13 إسرائيليًا معظمهم من العسكريين المشاركين في العدوان، إضافة إلى الدمار المادي الهائل.

"
ثمة تواطؤ من زعماء الاتحاد الأوروبي -وفي مقدمتهم مستشارة ألمانيا والرئيس الفرنسي ورئيس الوزراء الإيطالي- بدعمهم للعدوان الإسرائيلي على غزة عام 2009
"
المؤلف يشير هنا إلى مدى تواطؤ زعماء الاتحاد الأوروبي -وفي مقدمتهم مستشارة ألمانيا أنجيلا ميركل، ورئيس فرنسا ساركوزي ورئيس وزراء إيطاليا برلسكوني- ودعمهم لذلك العدوان في حقيقة تدافع قادة بريطانيا وإيطاليا وألمانيا وفرنسا وإسبانيا وجمهورية تشيك لزيارة إسرائيل وتهنئتها على "نجاح" العملية فور انتهاء العدوان وحضور مأدبة أقامها إيهود أولمرت وقتها على شرفهم.

المؤلف لا يكتفي بذكر هذا التهالك لدعم العدوان الإسرائيلي حيث يورد كما كبيرا من تصريحات قادة الدول الأوروبية وقادة الاتحاد الأوروبي، وفي مقدمتهم خافيير سولانا، المؤيدة لإسرائيل بلا تحفظ، إضافة إلى "اكتشاف" نيكولا ساركوزي الانتماء اليهودي لجده لأمه بنيكو ملاح، اليوناني المولد، لكن فقط بعد وفاته عام 1972!!

لا ندري إن كان هذا يمارس أي دور في سياسات الدول حيث تتحكم المؤسسات فيها ولا يؤدي "قادتها" سوى دورًا تمثيليًا. فمستشار النمسا الراحل برونو كرايسكي كان "يهوديًا"، لكنه كان من أكثر منتقدي سياسات إسرائيل تجاه الفلسطينيين حدة.

من الدعم المعنوي إلى التأييد المادي
بغض النظر عن الدعم المادي غير المباشر الذي تقدمه دول أوروبية لإسرائيل، ثمة تعاون مباشر تستفيد منه الأخيرة، وهو ما يسهم في تثبيت هيمنتها في فلسطين.

المجال الأهم هو مجال "البحث والتطوير"، وهي محاولة فاشلة من جانب أوروبا لمنافسة الولايات المتحدة في مجال التكنولوجيا، حيث سمح لإسرائيل بالمشاركة في هذا المجال الأوروبي الذي رصدت له ميزانية مقدارها 53 مليار يورو بين عاميْ 2007 و2013.

ومع أن البحوث التي ينجزها هذا المجال مدنية، فإن النشاط البحثي الإسرائيلي ضمن إطار التعاون مع الاتحاد الأوروبي تحت مظلة "رئاسة البحث والتطوير- أوروبا/إسرائيل" من غير الممكن وصفه بأنه مدني، ذلك أن التقانة الحديثة تشكل عماد القطاع العسكري في البلدان المتقدمة صناعيًا.

بل إن الاتحاد الأوروبي نفسه حسم الأمر بعد التقانة "الأمنية" مدنية الطابع، ثم ضم إليها التقانة المزدوجة الطابع.

هذا التعاون أدى إلى دخول الصناعة الإسرائيلية في أكثر من خمسين مشروعا، منها تطوير طائرة بلا طيار للاستخدام المدني!

"
القادة الأوروبيون يتحدثون أمام وسائل الإعلام عن التزامهم بحقوق الإنسان، لكنهم لا يترددون لحظة في إقامة أوثق العلاقات الاقتصادية مع إسرائيل
"
ويضاف إلى استفادة إسرائيل من مشاريع البحث والتطوير الأوروبية في مجال الفضاء، حيث تلقت مساعدات مستمرة من رديفها الأوروبي المسمى "مشروع السماء النقية (من الغازات الضارة)" وشاركت فيه، مع أن المؤسسة الإسرائيلية هي التي تمد الصناعة العسكرية الإسرائيلية بتقانات متطورة لطيرانها العسكري الذي يستخدم في اعتداءاتها المستمرة.

عدا ما ذكر آنفًا، فإن الاتحاد الأوروبي -رغم عدم اعترافه بشرعية احتلال إسرائيل أراضي "الضفة الغربية" وعد المستوطنات فيها غير قانونية- يقدم مساعدات لشركات ومؤسسات ومنظمات إسرائيلية تتخذ من "الأراضي المحتلة" مقرًا لها.

ويخص الكتاب الرئيس الفرنسي ساركوزي وبلاده بالذكر في مجال التعاون في الأراضي المحتلة (عام 1967)، حيث يشير إلى انخراط شركات فرنسية في إقامة خطط سكة حديد تربط المستوطنات اليهودية في القدس المحتلة برديفتها في بقية أراضي الضفة الغربية.

ويعلق الكتاب على هذا بقوله إن القادة الأوروبيين يتحدثون أمام وسائل الإعلام عن التزامهم بحقوق الإنسان، لكنهم لا يترددون لحظة في إقامة أوثق العلاقات الاقتصادية مع إسرائيل ومدها بما أمكنهم من مساعدة، على حساب آلام الشعب الفلسطيني.

ويخصص الكاتب الفصل السادس "اللوبي الإسرائيلي يأتي إلى أوروبا" للحديث عن دور المنظمات اليهودية/الصهيونية في تضليل الرأي العام، وإخماد أي صوت ينتقد إسرائيل وسياساتها تجاه الشعب الفلسطيني، وهو ما تعامل معه كتاب "اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية للولايات المتحدة" الشهير، والذي أثار موجة نقاشات حامية لم تنته.

الكاتب يلاحظ عدم ارتقاء تنظيم المؤسسات اليهودية/الصهيونية الأوروبية إلى المستوى التي هي عليه في الولايات المتحدة، إلا أنه يسجل تصاعد قوتها وأعداد المنتمين إليها.

كما يسجل المؤلف قيام تلك المنظمات وفي مقدمتها "أصدقاء إسرائيل الأوروبيون/ EFI" الممثلة في مؤسسات الاتحاد الأوروبي، وفي الوقت نفسه في برلمانات الدول الأوروبية كل على حد، بشن حملات على كل الأفراد والأشخاص الذين يوجهون حتى الحد الأدنى من النقد لإسرائيل.

بل إنها تهاجم كل من يتحدث عن لوبي إسرائيلي أو صهيوني، وتتهمه بمعاداة السامية وبنشر الكراهية تجاه اليهود.

خلاصة
لقد نقل الكاتب أمثلة كثيرة تبين انحياز الدول الأوروبية والاتحاد الأوروبي وقادتهم إلى جانب إسرائيل عمليًا، رغم انتقاداتهم الخجولة لبعض سياساتها. لكن الأهم من هذا كله ما كشفه من تعاون مادي بين الطرفين لا يمكن أبدًا حسبانه تطبيقًا عمليًا للثرثرة والطنطنة التي يطلقونها بين الحين والآخر.

"
موضوع الدعم الأوروبي لإسرائيل أعمق بكثير مما أورده الكتاب، حيث افتقدت فيه الخلفية التاريخية/الفكرية لتلك المواقف
"
مع ذلك، في ظننا أن موضوع الدعم الأوروبي لإسرائيل أعمق بكثير مما أورده الكتاب، حيث افتقدت فيه الخلفية التاريخية/الفكرية لتلك المواقف.

في مطلع بدايات القرن الماضي صرح أحد القادة البريطانيين، تعليقًا على "وعد بلفور" بقوله: إن اليهودية "الصهيونية" تكمن في أعماقنا وفي وجداننا ومثلنا، وهي وحاجات اليهود تشكل في نظرنا مرجعية أزلية وسرمدية أهم بما لا يقاس من طموحات العرب الذين يقطنون ذلك البلد العتيق في هذه الأيام.

في ظني أن هذا هو جوهر الصراع العربي/الصهيوني على فلسطين، والصهيونية لم تكن أبدًا يهودية محضة، وولادتها كانت في الكنيسة البروتستانتية قبل ميلاد هرتزل بفترة طويلة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك