عرض/ بدر محمد بدر
على ظهر الغلاف الأخير كتب المؤلف يقول: "ستكون صدمة عميقة للولايات المتحدة الأميركية عند عدم تفردها بالعالم واستئثارها به, لن تعود النزعة الكلية الغربية شمولية بأي معنى مع صعود الصين, وسيتقلص باطراد تأثير قيم الغرب ووجهات نظره, أي أن ظهور الصين كقوة كوكبية, سيعمل واقعياً على إضفاء الصبغة النسبية على كل شيء".

"لقد تعود الغرب على فكرة أن العالم هو عالمه, والمجتمع الدولي مجتمعه, والمؤسسات الدولية مؤسساته, والعملة العالمية (الدولار) عملته, واللغة العالمية (الإنجليزية) لغته, لكن هذا لن يستمر.. سيكتشف الغرب باطراد أن العالم لم يعد غربياً, هذا علاوة على أنه سيجد نفسه في نفس الوضع, الذي كانت عليه بقية دول العالم في عهد هيمنة الغرب".

ومؤلف الكتاب هو الصحفي البريطاني مارتن جاك, الذي عمل في السنوات الأخيرة أستاذاً زائراً في إحدى جامعات الصين, وباحثاً بالمركز الدولي للدراسات الصينية, أي أنه يكتب عن رؤية علمية وواقعية, تبحث التطورات المتسارعة التي تجري في الصين, ومقارنتها بما يجري في الغرب.

نهاية العالم الغربي

- الكتاب: حينما تحكم الصين العالم
-
المؤلف: مارتن جاك
-
المترجم: د. فاطمة نصر
- عدد الصفحات: 476
- الناشر: دار سطور الجديدة, القاهرة 
-
الطبعة: الأولى/ 2010


والكتاب مكون من جزأين؛ الأول يتحدث فيه المؤلف عن نهاية العالم الغربي, بينما يتناول الجزء الثاني صعود الصين وقدرتها على السيطرة الدولية في المستقبل, وخاصة في جانبها الاقتصادي, الذي تستند إليه القوة العسكرية والسياسية والثقافية.

في القسم الأول يتحدث المؤلف عن ملامح عصر النهضة في أوروبا, والصعود الاقتصادي الكبير الذي تحقق بسبب التقدم في المجال الصناعي, وأثر هذا الصعود الغربي في الهيمنة الأوروبية على دول العالم, سياسياً واقتصاديا ومعرفياً, ومن ثم عسكرياً, في الوقت الذي كانت فيه بقية دول العالم, وخاصة في شرق آسيا, تعيش في ظروف مختلفة من حيث التقدم العلمي والتطور الصناعي.

وعلى سبيل المثال كان متوسط دخل الفرد في أوروبا الغربية في بداية القرن التاسع عشر يكاد يصل إلى ضعف نظيره في جنوب شرق آسيا, وفي بداية القرن العشرين زاد هذا المتوسط في أوروبا إلى عشرة أضعاف مثيله في الصين.

لقد شكل الغرب العالم الذي نعيش فيه, بل إنه حتى الآن, ومع دلائل التحدي المتنامي من الصين, يظل الغرب هو القوة الجيوسياسية والثقافية المهيمنة, وبلغ النفوذ الغربي مدى أصبح معه من الصعب التفكير في عالم بدونه, أو تخيل شكل العالم لو لم يحدث ذلك, حتى أصبحنا نأخذ الهيمنة الغربية، كإحدى المسلمات لدى كتاب ومفكري الغرب.

ويتحدث المؤلف عن التجربة اليابانية في التطور الصناعي المبكر, لكن هذه التجربة لا يمكن وصفها تماماً بأنها تجربة غربية, لأن اليابان لديها ارتباط شديد الأهمية بالحضارة الصينية في القرنين الخامس والسادس الميلاديين, في نفس الوقت الذي تأثرت فيه بالحضارة الغربية في القرنين التاسع عشر والعشرين, وكانت اليابان هي البلد الوحيد اللاغربي الذي دخل مرحلة التصنيع في القرن التاسع عشر, وبالتالي أصبحت أكثر دول شرق آسيا تقدما, ومن المشكوك فيه أن النمور الآسيوية كانت ستبدأ بالقفز والانطلاق بدون وجود اليابان.

صعود الصين

"
كانت المرحلة الأولى من الحكم الشيوعي هي بداية التحول الضخم في وضعها الاقتصادي, ونجحت هذه المرحلة (49-1987) في علاج قرن كامل من الفشل الاقتصادي
"
ثم يستعرض الكتاب المراحل التاريخية للصين, وصولاً إلى القرن العشرين الذي شهدت فيه طفرة هائلة في مجال التصنيع, رغم أنه جاء متأخراً عن التصنيع في أوروبا لأكثر من قرنين من الزمان, إلا أن ظروف الصين كانت أفضل حالاً من الوضع في أوروبا, وكانت المرحلة الأولى من الحكم الشيوعي هي بداية التحول الضخم في وضعها الاقتصادي, ونجحت هذه المرحلة (49-1987) في علاج قرن كامل من الفشل الاقتصادي, وأعادت الوحدة والاستقرار إلى البلد, وضمنت نوع الانطلاق الاقتصادي الذي فشلت فيه الأنظمة السابقة, وعلى الرغم من انتهاكات ماو تسي تونغ الكارثية, فإن أسس تحول الصين الاقتصادي وضعت في عهده.

وفي نهاية هذا القسم يشير المؤلف إلى صعود عدة دول في شرق آسيا منذ بداية الخمسينيات من القرن العشرين, فيما اصطلح على تسميته بالنمور الآسيوية، وهي كوريا الجنوبية وتايوان وسنغافورة وهونغ كونغ وماليزيا وإندونيسيا وتايلند، إضافة إلى الصين، وجميعها حقق معدلات نمو اقتصادي عالية, واستطاعت هذه النمور التعلم من تجارب الآخرين, واستخدام أحدث المتاح والتزود من التكنولوجيا الموجودة, والقفز على العتيق منها والوصول إلى أفضل النتائج.

ولم يقتصر إبداع تلك الدول على الجانب الاقتصادي, بل ابتكرت النمور الآسيوية نظم حكم سياسية جديدة, أي نظام الدولة التنموية التي تستند شرعيتها الشعبية, لا على الانتخابات الديمقراطية, بل على قدرة الدولة على تحقيق نمو اقتصادي مستمر.

إن أفضل وصف للعصر الذي ندخل إليه الآن هو أنه عصر الحداثات المتنافسة، وهو لا يتميز بخط سياسي أو أيديولوجي واضح، بل بمنافسة ثقافية مهيمنة، ولا يعني ظهور حداثات جديدة أن الغرب لم يعد يتمتع باحتكار كلي للحداثة, بل يعني أيضاً أن تاريخ وثقافات وقيم تلك المجتمعات الجديدة ستؤكد وجودها بأسلوب جديد.

لقد اتسم العالم حتى الآن بالاستكبار الغربي, أي قناعة الغرب بأن قيمه ومعتقداته ومؤسساته وترتيباته أسمى من الأخريات جميعاً, ولا يجوز التقليل من سطوة هذه العقلية ومثابرتها, ولا تشعر الحكومات الغربية بأي وازع أو قيد وهي تحاضر للبلدان الأخرى عن نسخها من الديمقراطية وحقوق الإنسان وقيمتها المؤكدة وفضائلها الدامغة.

وهناك حس عميق نفسي متأصل بالسمو الغربي, مستمد من التوجهات الاقتصادية والسياسية والأيديولوجية والإثنية القوية, يتحدى ظهور عالم متعدد الحداثات, وتلك العقبة لابد من أن تتآكل وتقوض, ولن يغدو العديد من المفردات مثل "المتقدمة" و"المتحضرة" مرادفا للغرب.

عصر الصين
ويتحدث المؤلف في القسم الثاني من الكتاب عن عصر الصين ومرحلة صعودها الاقتصادي, على الرغم من أن نصف عدد سكانها تقريبا ما زالوا يعيشون في الريف, أي أنها تعد من البلدان النامية, وبالتالي يمكن النظر إلى الحداثة الصينية على أنها ما زالت جارية, وبعض سماتها أصبح واضحا, وما زالت أخرى في مرحلة جنينية, والبقية لم تصبح مرئية بعد.

"
إذا استمر معدل نمو الاقتصاد بنسبة 8% سنوياً, فإن دخل الفرد الصيني سيبلغ في عام 2031 نفس المعدل الراهن لدخل الفرد في الولايات المتحدة
"
لقد أضحى نمو الصين ضاغطا على مواردها إلى الحد الأقصى, وهنا يكمن أكثر مشاكل الصين عمقاً, ولكن إذا استمر معدل نمو الاقتصاد بنسبة 8% سنوياً, فإن دخل الفرد فيها سيبلغ في عام 2031 نفس المعدل الراهن لدخل الفرد في الولايات المتحدة, وحينذاك سوف تستهلك ما يعادل ثلثيْ محصول القمح في العالم, وسيصل معدل طلبها على الورق إلى ضعف إنتاج العالم الحالي منه, وإن كان لها أن تتمتع بنفس معدل ملكية السيارات عن كل فرد، مثل الولايات المتحدة اليوم, فسيكون لديها 1.1 مليار سيارة, مقارنة بمجموع سيارات العالم اليوم (8 مليارات سيارة)، وكذلك سوف تستخدم 99 مليون برميل نفط يومياً, مقارنة بمجموع إنتاج العالم منه حالياً (حوالي 82 مليون برميل).

ومن بين نقاط القوة التي تتمتع بها الصين أن لديها عدداً كبيراً من المهنيين رفيعي التعليم والثقافة, وأيضاً لديهم الإيمان القوي بقيم التعليم, وتخرج الجامعات الصينية الآن 900 ألف من المتخصصين في العلوم والهندسة والإدارة, هذا علاوة على أن عدداً كبيراً من الطلبة الصينيين يدرسون في جامعات القمة الأميركية.

صور الهيمنة
وتحت عنوان "عندما تحكم الصين العالم" يؤكد المؤلف أنه من الطبيعي -في ظل تنامي الاقتصاد الصيني- أن تصبح هذه الدولة الصاعدة، واحدة من قوتين عظميين خلال العشرين عاما على الأقل وخمسين عاماً القادمة على الأكثر, ثم تصبح القوة الوحيدة بعد ذلك, فكيف ستعبر عن تلك السطوة والقوة والهيمنة الكوكبية، وكيف ستتصرف؟، ويرد قائلاً: إن التاريخ يمكن أن يرشدنا بقدر محدود إلى استشراف المستقبل, وبالتالي هناك صعوبة في تخيل تأثير هذه الهيمنة بشكل واضح.

إن الغرب لا يزال يجد صعوبة في تخيل بديل جاد قابل للحياة عن ترتيباته, ويعتقد أن جميع البلدان -مهما اختلف تاريخها أو ثقافتها- ستلتقي في النهاية حول النموذج الغربي, ولا يزال اعتقاد التيار الرئيسي السائد في الغرب أن صعود الصين لن يتسبب سوى في تغير قليل نسبياً للعالم في أساسياته, ويقوم هذا الاعتقاد على ثلاث بدهيات رئيسية:

* أن تحدي الصين سيكون ذا طبيعة اقتصادية بشكل أساسي, وفي ذلك الحين ستصبح بلداً غربياً نمطياً.

* أن النظام الدولي سيظل بعامة كما هو الآن.

* إذعان الصين للوضع القائم بحيث تصبح عضواً طيعاً في المجتمع الدولي.

لكن المؤلف يرى أن هذه البدهيات مخطئة، وأن الغرب لا يرى الصين في سياقها التاريخي، كدولة عريقة موحدة, وفيها هذا التنوع الهائل في كل الاتجاهات, إضافة إلى حجمها القاري الكبير، ويرى أنه عندما تبزغ كقوة كوكبية، سيختلف وجهها السياسي عن نظيره الغربي بالتأكيد.

وفي ختام الكتاب يحدد المؤلف عدة سمات لشخصية الصين, منها:

** أنها ليست في الواقع دولة قومية, بل دولة حضارة, وكثير مما كان يميز الصين في الماضي ما زال مستمراً إلى يومنا هذا, ومن الأرجح أن تقوم العلاقة بينها وبين دول شرق آسيا على أساس نظام الدول التابعة لا الدولة القومية.

** هناك التوجه الصيني الذي تخلص من العرق والإثنية, باعتبار الصين شعباً واحداً، استطاع صهر كل الأعراق في بوتقة واحدة.

"
إذا كانت البلدان المتقدمة هي التي شكلت القرن العشرين, فعلى الأرجح ستكون البلدان النامية -خاصة الصين- هي من ستشكل القرن الحادي والعشرين
"
** تقع الصين على مساحة ضخمة وحجمها قاري، ولذا تختلف عن غالبية دول العالم, فأستراليا على سبيل المثال، التي هي قارة في حد ذاتها، ويبلغ سطحها 80% من مثيله الصيني, لا يتجاوز عدد سكانها 21 مليون نسمة.

** طبيعة نظام الحكم الصيني على قدر كبير من التمايز والخصوصية, وعلى النقيض من التجربة الغربية.

** تتميز الحداثة الصينية كمثيلاتها في شرق آسيا بسرعة تحول البلد, كما أنها تجمع بين الماضي والمستقبل في آن كجزء من الحاضر.

** ظلت الصين منذ عام 1949 تحت حكم النظام الشيوعي, ورغم انهيار الشيوعية الأوروبية ومعها الاتحاد السوفياتي في عام 1989, فإن عام 1979 شهد بداية أكبر تحول اقتصادي في تاريخها، والذي أشرف عليه حزب شيوعي آخر.

** لمدة عقود قادمة ستجمع الصين بين خصائص الدول المتقدمة والنامية, وهذا يعد وضعاً فريداً بالنسبة لقوة كوكبية رئيسية.

وإذا كانت البلدان المتقدمة هي التي شكلت القرن العشرين, فعلى الأرجح ستكون البلدان النامية -خاصة الصين- هي من ستشكل القرن الحادي والعشرين.

المصدر : الجزيرة