عرض/ عمر كوش
لعل أهم إنجاز حققته الثورة التونسية -التي بدأت في 17 ديسمبر/كانون الأول 2010- هو إسقاط النظام التسلطي التونسي، الأمر الذي قدم مثالاً للشعوب العربية، وصلت إرهاصاته سريعاً إلى مصر التي أسقطت ثورتها نظام حسني مبارك، ثم امتدت إلى ليبيا واليمن والأردن وسوريا ومعظم البلدان العربية الأخرى، وباتت الحركات الاحتجاجية والانتفاضات تطال مختلف الأنظمة البوليسية والتسلطية في البلدان العربية ومن لفّ ودار في فلكها أيضاً.

- الكتاب: سقوط الدولة البوليسية في تونس
- المؤلف: توفيق المديني
- عدد الصفحات: 303
- الناشر: الدار العربية للعلوم، بيروت
- الطبعة: الأولى/ 2011

وفي هذا الكتاب يستعرض مؤلفه توفيق المديني مرتكزات وممارسات الدولة البوليسية التونسية، والكيفية التي تمكنت بواسطتها من السيطرة على المجتمع، والأسس التي نهضت عليها، حيث يبدأ من نهاية ما يسميه "عقلانية" دولة الوصاية البورقيبية، ثم تبيان دور الجيش والأمن في صعود الرئيس الهارب زين العابدين بن علي. ويصل إلى عرض دور الفساد في الدولة البوليسية التونسية، لينتهي عند الثورة التونسية التي أعلنت سقوط الدولة البوليسية التونسية، مستعرضاً الدوافع والأسباب التي أفضت إليها، وتداعيات الثورة التونسية وآفاقها.

دولة الوصاية
يرى المؤلف أن الدولة التونسية -التي قامت بعد الاستقلال- طغت على المجموع الاجتماعي في تونس باسم عقلانية مشروعها السياسي، حيث كان البرنامج الأساس للنخبة الحاكمة بعيد الاستقلال يتكون من أهداف التحديث والعلمنة، مع مبدأ "الجمعنة" السياسية، وتجسد ذلك في الكيان التونسي "القطري" المنفصل عن "الأمة" الإسلامية وعن الأمة العربية كذلك.

وقدمت الدولة التونسية الفتية نفسها على أنها مجموعة من "مؤسسات رسالية" للتحديث، وضعت نصب عينيها، بصورة خاصة إعطاء الشعب التونسي ثلاثة أشياء مهمة: التعليم، وحقوق المرأة، ونشر أنماط جديدة من السلوك، وفرضت نفسها بصفتها مرجعاً لتكريس رأس المال الرمزي، وبالتالي فرض الرقابة على المجتمع.

واعتبـِرت الدولة التونسية -في المنظور السياسي الغربي- من أكثر الدول أهمية في المغرب العربي وشمال أفريقيا، وقد خصها الغرب بعلاقات مميزة، اقتصادية وعسكرية وسياسية، ودخلت تونس إستراتيجية الغرب الأوروبي والأميركي نظراً لانفتاحها المتوسطي ولموقعها الوسط بين الجزائر وليبيا وسياساتها الرسمية الأقرب إلى نهج الالتحاق/الاندماج في حركة الأوربة التي سعى إليها العهد الكولونيالي وسوغها وهلّل لها النظام البورقيبي.

وقد كلفت تونس الممارسات الفوقية التحديثية لحكم بورقيبة سنوات عديدة من القمع والبطش السلطوي، الذي طال مختلف الحركات والقوى السياسية المعارضة والمناهضة لتلك الممارسات الفوقية الأحادية، التي ارتكزت على أحادية في الحكم، وسلطة كاريزمية ألغت أي إمكان للتعددية، ولبست لباس علمانية تحديثية على النمط البورقيبي.

وأفضى التطور المفرط للدولة إلى غياب الفضاء العام في عهد بورقيبة، وكان من المفترض أن تكون نهاية حكم بورقيبة في انقلاب 1987 إيذاناً بنهاية الممارسات الأوتوقراطية لحكم ساد تونس منذ 1956.

"
كلفت تونس الممارسات الفوقية التحديثية لحكم بورقيبة سنوات عديدة من القمع والبطش السلطوي، الذي طال مختلف الحركات والقوى السياسية المعارضة
"
فقد شهد هذا الحكم تنامي معارضة واسعة له، علمانية وإسلامية، بالرغم من البطش الذي طال مختلف القوى والشرائح الحيّة والفاعلة في تونس.

لكن تلك القطيعة لم تحدث بالرغم من الانتخابات الشكلية، الرئاسية والبرلمانية، فكرّر حكم الرئيس "بن علي" ما درج عليه سلفه، رغم ادعائه احترام حقوق الإنسان والتعددية السياسية، وشن حرباً ضد المعارضة، وقدم نفسه بوصفه حامي حمى الوطن والدين. وخلال فترة التسعينيات استمر النظام في الحكم على الطريقة القمعية والتسلطية.

الدولة البوليسية
تحولت الدولة في عهد بن علي إلى دولة بوليسية بامتياز، دشنها اغتصابه السلطة وإعلانه حرباً على المجتمع وانتهاك مجاله السياسي.

ونهضت الدولة التسلطية البوليسية على احتكار مصادر القوة والسلطة في المجتمع، وذلك عبر اختراق المجتمع المدني بمعناه الواسع، إذ تحولت أحزاب ومؤسسات المجتمع المدني إلى امتداد لسلطة الدولة البوليسية، ملحقة بها كتضامنيات مهنية أو قبلية أو مناطقية.

وقامت شرعية السلطة في الدولة البوليسية على قوة البطش العاري، من خلال ممارسة الدولة البوليسية الإرهاب المنظم ضد المواطنين، لا على شرعية المثلث الجدلي أو "الثالوث المقدس": الوطن والقانون والحرية.

ولجأت الدولة البوليسية إلى ممارسة سياسة الاستبعاد والإقصاء للمعارضة التي شملت آثارها المدمرة المجال السياسي، في ظل سيادة دولة المخابرات، بوصفها مخلوقاً استبدادياً بيروقراطياً ضخماً، والتي تستمد استقرارها من الخوف، ولا تعترف بأن السياسة هي مشاركة إيجابية من جانب الشعب في الشأن العام، وهي حق من حقوق الإنسان والمواطن، وإنما تعترف بأن السياسة هي حكر منذئذ فصاعداً على الدولة البوليسية، ولا شيء غيرها.

وجسدت الدولة البوليسية التونسية شكلاً معاصراً من أشكال الاستبداد المحدث، بما يعني نظاماً أمنياً لا يستند إلى القوانين، بل إنه حل محل قوانين الإرهاب المنظم والمؤسس، الذي قاد ويقود إلى إلغاء الحريات البشرية، والقضاء على الحرية من حيث كونها واقعاً سياسياً حياً.

وكانت الدولة البوليسية، التي قامت في تونس لعقود عديدة، وليدة نظام الحزب الواحد المهيمن، حيث السلطة يحتكرها رجل واحد هو الرئيس بن علي، وهي وليدة النسق السياسي المغلق، وتشظي و"تذرر" المجال السياسي.

"
كانت الدولة البوليسية، التي قامت في تونس لعقود عديدة، وليدة نظام الحزب الواحد المهيمن، حيث السلطة يحتكرها رجل واحد هو الرئيس بن علي
"
ويعتبر المؤلف أن الصراع من أجل السيطرة البوليسية التامة على الشعب، وإزالة كل واقع غير بوليسي يكون في موقع المنافسة، يلازمان وجود الدولة البوليسية التونسية، التي هي بحاجة إلى الجماهير المفتتة والمتشظية، لا إلى بنية مجتمعية طبقية متماسكة.

ولقد قام الرئيس بن علي بتصفية النقابات العمالية والطلابية، باعتبارها تؤدي دوراً فاعلاً في المجتمع المدني، وتحول دون جعل سيطرة حزب التجمع الدستوري الديمقراطي الحاكم مُطلقة، كل ذلك بهدف خلق جمهور "متذرر"، وعديم الهوية، متذرعاً بإرهاب الحركة الأصولية، حيناً بعد حين.

وظل على هذا المنوال حتى صُفيت كل مؤسسات المجتمع المدني في تونس، التي كانت في السابق رمز فخر واعتزاز كل الحركة الوطنية والديمقراطية، ثم أضحت تحت رحمة الدكتاتورية البوليسية.

وسمح نظام بن علي خلال فترة حكمه التي استمرت 23 عاماً لعدد من أفراد عائلته وعائلة زوجته وعدد من أصهاره بالتحكم في مفاصل الاقتصاد التونسي، ليمكنهم من مراكمة ثروات مشبوهة ضخمة، قسم منها مستثمر في الداخل، وقسم آخر في الخارج، لاسيما في أوروبا، التي باشرت دول فيها تجميد أرصدة وحسابات تابعة لبن علي وزوجته ومقربين منه.

وكثيراً ما ينطوي الفساد في تونس على تحويل أو تحريف وجهة الموارد المالية أو الخدمية من الاستفادة العامة إلى العائلات الخاصة النهابة، إذ غالباً ما يتطلب هذا التحريف تحويلاً للأموال إلى مصارف وبنوك أجنبية، مما سبب حدوث تسريبات ضارة بالاقتصاد الوطني تعمل على زيادة عرقلة التنمية الاقتصادية.

وارتبط الفساد في تونس بالمتغيرات الاقتصادية والاجتماعية الناجمة عن سياسة الخصخصة، التي بدأ النظام يطبقها منذ مجيء الرئيس بن علي إلى السلطة.

وفي ظل غياب قوانين صارمة ضد الاحتكار؛ تعني الخصخصة استبدال احتكار القطاع العام باحتكار القطاع الخاص. وأفضى ذلك إلى استشراء الفساد بكلفة اقتصادية واجتماعية كبيرة.

وكانت هناك حاجة إلى موازاة التخصيص بقوانين ضد الاحتكار لدرء الفساد، إذ تعدّ علامات أساسية في التطور الاقتصادي في الدول الرأسمالية المتقدمة.

سقوط الدولة البوليسية

"
الثورة التونسية وقعت في بلد كان يتم تقديمه على أنه نموذج اقتصادي ناجح، وقوضت الواجهات الجميلة التي كان يتفاخر النظام التونسي بإبرازها للغرب
"
تمكن الشعب التونسي -عبر حركة احتجاجية ذات طابع اجتماعي، انطلقت من محافظة سيدي بوزيد مسقط رأس محمد بوعزيزي، الشهيد الأول للثورة- من إسقاط الدولة البوليسية التونسية مع هروب زين العابدين بن علي في 14 يناير/كانون الثاني 2011.

ويعتبر المؤلف أن الأمر الذي له دلالته الكبيرة هو أن هذه الثورة وقعت في بلد كان يتم تقديمه على أنه نموذج اقتصادي ناجح، وقوضت الواجهات الجميلة التي كان يتفاخر النظام التونسي بإبرازها للغرب، لاسيما عندما نزلت الطبقة شبه الغنية في تونس والبورجوازيات الصغيرة والطبقة المتوسطة من التجار ورجال الأعمال إلى الشارع، والتحقت بالثورة الشعبية معبرة بذلك عن سخطها الكامن منذ سنوات على المافيا المحيطة ببن علي وزوجته، وأرغمت الدكتاتور على الرحيل.

وكانت القوة التي لعبت دور المحرك الرئيس في هذه الثورة، هي الحركة الشبابية، أي تلك الفئة الاجتماعية المتكونة من طلاب الجامعات والخريجين الجامعيين العاطلين عن العمل، بسبب البطالة الضاغطة التي يعاني منها الآلاف من الشباب ذوي المؤهلات العلمية، وتعاظم الإحساس بالظلم الاجتماعي الناجم من حالة الفساد التي عرفتها تونس، واستئثار حفنة قليلة من المستفيدين من نظام بن علي البوليسي بجزء هام من الاقتصاد الوطني في قطاعات متنوعة مثل البنوك والصناعة والعقارات. فهذه الفئة الاجتماعية وليدة النظام التونسي، ووليدة عجزه في آن معاً.

ويشكل إسقاط الدولة البوليسية التونسية قطيعة معرفية، ومنهجية، وفكرية وسياسية وأخلاقية، مع علم الاستبداد ومنطقه وفكره وسياساته وأخلاقه.

لكن في الوقت ذاته، لا يجوز التوقف عند هذا الإسقاط على الرغم من ضرورته، لأن المطلوب من المعارضة الديمقراطية هو أن تقدم تصوراً حديثاً لعملية الانتقال إلى بناء نظام ديمقراطي جديد في تونس، يمنع العودة إلى دوامة التسلط البوليسي من جديد، ولا يسمح بإعادة إنتاجه، حيث إن الخروج من عالم الاستبداد يقتضي تحولاً جذرياً في الوعي والممارسة.

وكلما كان هذا التصور المنشود إنسانياً وديمقراطياً كان مناوئاً للعنف بجميع صوره وأشكاله ودرجاته.

ويرتكز الإصلاح الديمقراطي في تونس على وحدة قوى المعارضة، ومن ثم الوحدة الجدلية للمعارضة والسلطة، وعلى تحويل الدولة البوليسية إلى دولة وطنية، أي دولة لمجموع مواطنيها، كي تصبح تعبيراً حقوقياً وسياسياً عن هوية المجتمع.

"
يرتكز الإصلاح الديمقراطي في تونس على وحدة قوى المعارضة، وعلى تحويل الدولة البوليسية إلى دولة وطنية، كي تصبح تعبيراً حقوقياً وسياسياً عن هوية المجتمع
"

ولا يتحقق ذلك إلا بإرساء قواعد وأسس ديمقراطية، وإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية في موعد يتم الاتفاق عليه بين السلطة والمعارضة، وبناء نظام انتقالي يحول دون عودة النخب الفاقدة الشرعية، التي تعيد تجميع نفسها من أجل وضع اليد على مقاليد الحكم مجددا، وينهض هذا النظام الانتقالي على سيادة القانون والحرية، وفصل السلطات، واستقلال مؤسسات المجتمع المدني، على قاعدة حرية الفرد وحقوق الإنسان والمواطن.

ومن المهم أن يتم العمل على نمو الحركة الشعبية في مناخ الحرية الفكرية والسياسية. إذ لا يمكن التقدم في مجال الإصلاح الديمقراطي من دون القوى الحية في المجتمع المدني، واحترام حقوق المواطنين بوصفها أهم واجبات الدولة، واحترام حقوق المعارضة بوصفها أهم واجبات السلطة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك