عرض/ أحمد حسن علي

الدوائر السياسية الغربية ذات الأغراض الاستعمارية، والجمعيات التنصيرية الأوروبية والأميركية، ومعهما الإعلام العالمي المتصهين.. هؤلاء كلهم يحاولون تصوير مشكلة الجنوب على أنها مشكلة دينية، وأنها مشكلة شعب جائع محروم مقهور من جانب العرب السودانيين. ونظرًا لعدم استيعاب المشكلة على أساس موضوعي، أضحى المشهد مضطربًا في الأذهان.

من هنا جاءت أهمية كتاب "جنوب السودان وآفاق المستقبل" الذي يقدم صورة مجملة عما يجري في السودان وخاصة في جنوبه، ويسهم بشكل إيجابي في الوصول إلى حل مشرِّف يقي من وقوع كارثة لا تحل بالسودان فحسب، وإنما بالوطن العربي كله.

- الكتاب: جنوب السودان وآفاق المستقبل
- المؤلف: أحمد أبو سعدة
-
عدد الصفحات: 324
-
الناشر: مكتبة مدبولي، القاهرة
-الطبعة: الأولى 2011

 
 

تعريف السودان
ينقسم الكتاب إلى 12 بابًا رئيسيًا، جاء أولها تحت عنوان "تعريف السودان"، وفيه ذكر المؤلف أن السودان بلد شاسع تبلغ مساحته مليون ميل مربع (2.59 مليون كلم2) وعاصمته الخرطوم، وعدد سكانه -حسب تقديرات عام 2000- يبلغ 3.5079.814 نسمة، واللغة العربية هي اللغة الرسمية والوطنية. أما الدين فيبلغ عدد المسلمين فيه 85%.

وقرر المؤلف أحمد أبو سعدة أن السودان الحديث تم تشكيله أثناء الحكم العثماني والإدارة المصرية، وأشار إلى أن "جنوب السودان" هو الجزء الذي يمتد جنوبًا حتى بحيرة "ألبرت" بأوغندا، ويشتمل على ثلاث مديريات هي بحر الغزال، والاستوائية، وأعالي النيل، وتبلغ مساحتها الإجمالية 250 ألف ميل مربع، أي ربع مساحة البلاد. ويتكون سكان الجنوب من ثلاث قبائل أساسية هي النيليون، النيليون الحميّون، والسودانيون. وتوجد فيه تنظيمات سياسية عديدة تتباين من قبيلة إلى أخرى، ولذلك فإن لجنوب السودان خصائص متعددة سياسيًا وثقافيًا وقوميًا، وهذا ما يفقده صفة الانسجام والوحدة.

جذور التمرد
ويبين المؤلف أن جذور التمرد تعود إلى جملة من الأخطاء والممارسات غير المقصودة من قبل بعض الوطنيين والأحزاب، إضافة إلى جملة من الأخطاء المقصودة التي عمقتها الإرساليات التنصيرية والحكام البريطانيون والتي كانت مبيّتة أصلاً. فالمنصرون الفرنجة -قبل الاستقلال وبعده- أخذوا يوهمون الجنوبيين بأنهم ليسوا إلا أرقاء للعرب المسلمين، ولذلك ينبغي أن ينظروا إلى مصالحهم الجنوبية الخاصة بعين تعلو كثيرًا على المصالح الكبرى لعموم السودان.

وهكذا تضافرت كافة العناصر من منصرين إلى حكام بريطانيين إلى انفصاليين.. هذه الجهود تبلورت في التمرد الذي قامت به الفرقة الاستوائية في أغسطس/آب 1955.

ويؤكد المؤلف أن القوى الغربية المتصهينة تعمل على عدم تمكين الإسلام من التغلغل في الجنوب والمناداة بضرورة إيجاد سودان خالٍ من العروبة بشكل عام والجنوب بشكل خاص، وهذا هو مطلب المتمردين الذين يقف وراءهم الفرنجة.

وهذا هو السبب الرئيسي للغزو والاحتلال الإنجليزي للسودان، وهو بداية التغيير في تاريخ جنوب البلاد. هذا الغزو الذي أقام حكمًا ثنائيًا (إنجليزي مصري) -والحقيقة أنه حكم أحادي إنجليزي ديني- مهّد الطريق أمام الدول الغربية للدخول إلى الجنوب.

"
سعى الحكم الإنجليزي الاستعماري لمحاربة انتشار الثقافة واللغة العربيتين بهدف فصل الجنوب عن الشمال، وذلك عبر إيهام الجنوبيين بأنهم مظلومون ومضطهدون من قبل الشماليين العرب
"

كذلك سعى الحكم الإنجليزي الاستعماري لمحاربة انتشار الثقافة واللغة العربيتين، وكان واضحًا أن هذا العمل يهدف إلى فصل الجنوب عن الشمال، وذلك عبر إيهام الجنوبيين بأنهم مظلومون ومضطهدون من قبل الشماليين العرب.

وقد وضعت سياسات عديدة لبث التفرقة وفصل الجنوب عن الشمال، ومن بينها أنه في عام 1922 صدر قانون بجعل الجنوب منطقة مقفولة، حيث منع قدوم الجنوبيين إلى شمال البلاد خوفا من تعلمهم اللغة العربية واعتناقهم العقيدة الإسلامية. كما أنشأت الإدارة الإنجليزية جيشًا محليًا مكونًا من أبناء الجنوب فقط، يرأسه ويقوده ضباط إنجليز.

والنتيجة الطبيعية لتولي الإنجليز إدارة الجنوب قيام الإرساليات التنصيرية الأوروبية والأميركية بتنصير الجنوبيين بالترغيب والترهيب، مما أدى إلى إضعاف التطور الاقتصادي في الجنوب، وانتشار التخلف وعدم مواكبة التطور الحاصل في شمال البلاد.

الجنوب بين عامي 1930 و1945
وذكر المؤلف أن الإنجليز شجعوا التجار الشماليين على مغادرة مناطق الجنوب، ومن كان يرفض المغادرة طوعاً، يتعرض لأنواع عديدة من المضايقات ليضطر في النهاية إلى المغادرة.

وهكذا فرضت الإدارة الإنجليزية سياسة التباعد بين أبناء الوطن الواحد، مما أدى إلى إيجاد مناطق محايدة تشكل حزامًا يفصل بين قبائل الشمال وقبائل الجنوب، إضافة إلى أعمال الشغب والاعتداء، حيث أحرقت المساجد ودمرت الدكاكين، وامتد التدمير والحرق إلى البيوت وإلى قرى كاملة، كما أجبرت القبائل المسلمة القادمة من غرب أفريقيا والمستوطنة في الجنوب على مغادرته إلى منطقة دارفور، كما مُنع مواطنو كردفان ودارفور من الدخول والتنقل في منطقة بحر الغزال، والعكس أيضا، وكل ذلك تم وفقًا للسياسة البريطانية المرسومة لفصل الجنوب عن الشمال.

السودان بعد 1946
وأوضح المؤلف أن حكومات السودان الوطنية المتعاقبة انشغلت بمشكلة الجنوب التي استنفدت القدر الأكبر من طاقات السودان السياسية والمادية والعسكرية، وكانت أحد أهم الأسباب التي أطاحت بالحكومات الديمقراطية والعسكرية. كما أنشئت عدة تنظيمات سياسية جنوبية في الخارج والداخل، كان أهمها "الاتحاد السوداني الأفريقي للمناطق المغلقة".

وقد اتخذ هذا التنظيم مدينة ليوبولدفيل الكونغولية مقرًا له، ولكن ما لبث أن غيَّر اسمه ليصبح "الاتحاد السوداني الأفريقي القومي" واختصاره "سانو"، ونقل مقره إلى مدينة كمبالا الأوغندية.

استطاع هذا الاتحاد في الداخل والخارج أن يستقطب عددًا لا بأس به من الجنوبيين طلابًا وموظفين وغيرهم، كما اتصل ببقايا المقاتلين المتمردين المختبئين في الأدغال منذ تمرد عام 1955. وبكل هؤلاء تم تكوين قوة عسكرية مقاتلة أطلقوا عليها اسم "الأنانيا" التي أصبحت الجناح العسكري للاتحاد منذ عام 1962.

وقد نشبت الخلافات في داخل "سانو" وأنصاره في الخارج والداخل، ولم تكن هذه الخلافات عقائدية أو سياسية، بل قبلية وشخصية. كما انشقت عناصر عديدة من منظمات مختلفة متنافسة ومتصارعة فيما بينها.

وفي خضم الصراع القبلي السياسي على القيادة خرج متمرد جديد من رحم الانفصال وضباب الجنوب، إنه الضابط السوداني السابق والمتمرد في قوات الأنانيا جوزيف لاغو الذي استطاع أن يقوي مركزه وسط حركة الأنانيا في شرق الاستوائية في الفترة من فبراير/شباط إلى نوفمبر/تشرين الثاني 1969.

وقد وجدت القوى الغربية والكنسية وإسرائيل التي عملت وتعمل على فصل الجنوب عن شقيقه الشمال، ضالتها وشخصها القوي في جوزيف لاغو، فهو الرجل الذي يستطيع فصل الجنوب وإقامة دولة متفرنجة موالية للغرب وإسرائيل، وبدأت تنهال المساعدات العسكرية والمالية من هذه الدول، كما بدأت أعداد كبيرة من المرتزقة الأوروبيين الذين كانوا يعملون في الكونغو وبيافرا، بالعمل معه وتدريب قواته، ومنهم المرتزق الألماني رودلف شتاينر.

"
وجدت القوى الغربية والكنسية وإسرائيل ضالتها في جوزيف لاغو ليكون رجلها القوي الذي يستطيع فصل الجنوب، وإقامة دولة متفرنجة موالية للغرب وإسرائيل
"
اليد الصهيونية
انتقت إسرائيل 26 جنوبيًا متمردًا من قوات لاغو، واستقدمتهم إلى إسرائيل ودربتهم تدريبًا عاليًا، كما أرسلت بعثة عسكرية من المستشارين إلى الجنوب لدعم حركة التمرد. ولكي يثبت لاغو قوته ووجوده كقائد جديد لحركة التمرد، شرع في شن هجمات عسكرية مكثفة على الجيش السوداني بلغت ذروتها في نوفمبر/تشرين الثاني 1969.

ونتيجة لهذا التصعيد، اقتنعت كافة قوات المتمردين -ولا سيما التي لم تقبل لاغو قائدا لها- بأنه يستطيع أن يقود قوات التمرد ويجعل منها قوة عسكرية قوية يمكنها أن تصمد وترد وتواجه العمليات العسكرية التي يقوم بها الجيش السوداني. هذا من جانب، أما من جانب آخر، فهو الضغط على حكومة الرئيس جعفر النميري التي تبذل مجهودات عالية من أجل تسوية مشكلة الجنوب حسب رؤيتها.

استعادة
وفي 14 نوفمبر/تشرين الثاني 1964 أعلنت الحكومة المدنية الانتقالية التي يرأسها سر الختم خليفة عفوًا عامًا عن كل السودانيين الذين هربوا من السودان منذ عام 1955 والمحكومين غيابيًا، ثم ناشدت جميع الجنوبيين في المنفى أن يتركوا الخلافات الدينية والعرقية والسياسية جانبًا ويعودوا إلى وطنهم السودان. وقدم رئيس الوزراء اقتراحًا بمنح الجنوب حكمًا ذاتيًا، وقد عقد مؤتمر في العام 1965 تمثلت فيه معظم الأحزاب السودانية.

ورغم فشل المؤتمر فإنه أعطى فرصة للحكومة والمتمردين أن يلتقيا ويسمع كلاهما وجهة نظر الآخر، وهو ما اعتبر أهم حدث في المؤتمر، إلا أن الشارع السوداني شعر بنكسة جديدة تضاف إلى الأمة وجروحها التي تزداد وتتعمق يومًا بعد.

"
أجرى المؤلف مقارنة بين حركة الأنانيا المتمردة والحركة الشعبية، وأوضح أن الأخيرة أكثر تطورًا من الأولى، وذلك وفقًا لأساليب العمل التي تبنتها وعملت بها من أجل الوصول إلى أهدافها
"
التخبط في السودان
في الباب الثاني من الكتاب، تناول المؤلف العناوين التالية: العودة إلى ما قبل انعقاد مؤتمر المائدة المستديرة، والمحاولة الأولى للوصول للسلام، والحركات المتمردة كافة مدعومة صهيونيًا، وانقلاب جعفر النميري، واتفاقية أديس أبابا، والمؤتمر التداولي.

وأوضح أنه بعد قرار النميري إعفاء المتمرد السابق ورئيس الحكومة الإقليمية جوزيف لاغو، تعاقبت على جنوب السودان أربع حكومات، اثنتان انتقاليتان والباقيتان منتخبتان، ولكن أيا منهما لم تكمل فترتها المقررة وهي أربع سنوات. والملاحظ في هذه الحكومات المذكورة أنها جاءت ضعيفة ومفككة ومهزوزة، مما جعلها تفقد إمكانية السير على الطريق الصحيح.

هذه الحكومات إنما جاءت بمخطط رسمته القوى الانفصالية، باستثناء حكومة عبد الله رصاص التي عيّنها النميري شخصيًا، وبرزت في عهدها كافة أشكال الصراعات التي تطورت فيما بعد، فلعبت دورًا مهمًا في تزايد مدى الانقسام وسط أبناء الجنوب. وتم تكوين عدد من الأحزاب السياسية، علمًا بأن القانون كان يجرم ويعاقب من يتعاطى في هذا الشأن.

وفي الباب العاشر، تحدث المؤلف عن قياديي "الدينكا في الأنانيا"، ودور اليهود في جنوب السودان، وأكد أن التمرد الحاصل في الجنوب إنما هو من صنع المسيحيين المتصهينين، كما تناول البداية الثانية للدعم الإسرائيلي للمتمردين، وقصة تآمر جون قرنق وزملائه، وتقسيم الإقليم الجنوبي إلى ثلاثة أقاليم: الاستوائي وعاصمته جوبا، وأعالي النيل وعاصمته ملكال، وبحر الغزال وعاصمته واو.

كما أجرى مقارنة بين حركة التمرد "الأنانيا" والحركة الشعبية، وأوضح أن الحركة الشعبية أكثر تطورًا من حركة الأنانيا، وذلك وفقًا لأساليب العمل التي تبنتها وعملت بها من أجل الوصول إلى أهدافها، كما استعرض نتائج الدعم الإسرائيلي للمتمردين، وذكر منها تصعيد حركة المقاومة في الجنوب ضد السلطة الشمالية، والمطالبة بالانتفاع بالثروة النفطية في جنوب السودان.

"
ليس هناك دور عربي فعّال وإيجابي، والموجود على ساحة اللعب مصر وليبيا وبقسط متواضع جدًا
"
الدور الأميركي
وعن موقف أميركا من قضية الجنوب، بيّن المؤلف أن من جملة أسباب الغضب الأميركي على السودان، تناقض المواقف السودانية مع سياسة الولايات المتحدة.

وفي عام 1996 تبلورت سياسة جديدة أميركية تجاه أفريقيا تمثلت في إيجاد كتلة أفريقية تمتد من القرن الأفريقي شرقًا إلى السنغال غربًا، وتكون لها السيطرة الكاملة على مصادر المياه "البحيرات العظمى". ولم يعد خافيًا أن هذا التشكيل يرمي إلى إنشاء بنية أساسية لمصلحة شركات النفط والتعدين الأميركية.

وقد أطلق الرئيس الأميركي الأسبق (كلينتون) مبادرة تحاول ربط التطورات التي تجري في السودان بتفاعلات شرق أفريقيا والقرن الأفريقي بعيدًا عن الإطار العربي، وهي تعني خلق هوية جديدة للمنطقة تكون فيها هي السيد المطاع والناهي الآمر. من هنا جاء تسليح الأنظمة وحركات التمرد في المنطقة لتحقيق الهدف الأميركي.

جهود السلام
وعن محادثات السلام بين الحكومة السودانية والمتمردين، أوضح المؤلف أنها بدأت عام 1994 برعاية منظمة "الإيغاد"، ثم توقفت بسبب أمرين مهمين رفضتهما حكومة الإنقاذ وهما: حق تقرير المصير، والعلاقة بين الدين والدولة.  

وعلى ذلك رفضت الحكومة السودانية هذه المفاوضات، وأصدرت الحركة الشعبية بيانًا شرحت فيه موقفها من التفاوض مع الحكومة وقالت إنها مع وحدة السودان، والوحدة في مفهوم الحركة هي حق تقرير المصير للجنوب.

وعن الدور العربي في مشكلة الجنوب السوداني ذكر المؤلف أنه ليس هناك دور عربي فعّال وإيجابي، وأن الموجود على ساحة اللعب مصر وليبيا وبقسط متواضع جدًا.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك