عرض / بوعلام رمضاني

فرنسوا بورجا المحلل السياسي والمدير في معهد أبحاث العالم العربي والإسلامي الواقع في إكس أوبرافنس جنوب فرنسا والتابع للمركز الوطني للأ بحاث العلمية، يصر ويوقع كما يقول الفرنسيون على وفائه لتصور فكري يفرض الإحترام والتقدير على الديمقراطيين الحقيقيين من أمثاله ويسبب الريبة والشبهة في الساحة السياسية والإعلامية والفكرية.

-الكتاب: الإسلام السياسي ساعة القاعدة
-المؤلف: فرنسوا بورجا
-عدد الصفحات:210
-.دار النشر لاديكوفرت، باريس
-الطبعة: الأولى/2010
وخلافا لمثقفين اختاروا الاختفاء وراء الدبابة -على حد تعبير الروائي الكبيرالطاهر وطار، باسم مناهضة التطرف الإسلامي- فإن الرجل لم يفضل رعب أنظمة عربية قمعية على ما يسمى في كل الحالات بتطرف وإرهاب تيارات إسلامية، كما فعل جيل كيبال وأوليفييه روا وألكسندر أدلر وأندري غلوكسمان وبرنار هنري ليفي ومن لف لفهم من المفكرين الإقصائيين المسيطرين على بلاتوهات التلفزيونات الأوروبية، وطالب باقتسام السلطة بين مختلف التيارات التي فرضت نفسها سلميا وديمقراطيا في المشهد السياسي بغرض القضاء على كل أنواع الرعب والإرهاب القائمة باسم الأيديولوجية أو الدين.

بورجا "المارق" الذي يمثل محور "الشر الفكري" إلى جانب فانسان جيسار وعدي الهواري وألان غريش العلمانيين وغير الإسلاميين، تعرض للإقصاء منذ بروزه في بعض الصحف اليسارية القليلة تماما كما تعرض الذين تناولهم في مؤلفه الجديد من الإسلاميين المنتشرين في كافة الدول العربية.

صمم الأنظمة العربية هو السبب
في مقدمة ضرورية منهجيا, عاد بورجا إلى كتابه الأول الذي نشرته عام 2005 دار لاديكوفرت، فأكد أن الإرهاب الذي تعرفه الدول العربية والغربية منذ مطلع الثمانينيات، ليس وليد عنف مستأصل بالضرورة في التيارات السياسية التي توصف بالمتطرفة بقدر ما هو نتيجة صمم الانظمة العربية الحاكمة المتحالفة مع قوى غربية تتقاسمها مصالح سياسية واقتصادية، الأمر الذي يدفعها إلى رفض اقتسام السلطة مع إسلاميين يجتمعون حول مبدأ تحرير الأوطان من ربقة استعمار جديد لا تهمه الديمقراطية كما يدعي، ويفضل أنظمة دكتاتورية عربية على إسلاميين من شأنه إيصال المفكر طارق رمضان السويسري المصري الأصل وحفيد حسن البنا إلى سدة وزارة الثقافة "على حد تعبير بابا المفكرين الاستئصاليين ألكسندر أدلر الذي استشهد به بورجا باعتباره النموذج الفكري الأكثر راديكالية وشهرة في المعسكر العلماني الفرنسي.

"
الإرهاب الذي تعرفه الدول العربية والغربية منذ مطلع الثمانينيات، ليس وليد عنف مستأصل بالضرورة في التيارات السياسية التي توصف بالمتطرفة بقدر ما هو نتيجة صمم الأنظمة العربية الحاكمة المتحالفة مع قوى غربية
"
أهمية كتاب بورجا يبررها الانسداد الدائم للساحة السياسية العربية والإسلامية في معظم الحالات بحكم استمرار أنظمة استبدادية بصدد توريث حكم الأبناء وتحسن الوضع نسبيا في أنظمة قليلة فتحت باب المشاركة السياسية لإسلاميين غير إرهابيين.

وتأتي الإضافة الجديدة في كتاب بورجا في شكل تأكيد معمق لفرضيات ومقاربات كتبه الأولى وذلك من خلال مسح فكري وسوسيولوجي لمختلف ممثلي التيارات والحساسيات الإسلامية سواء كانت زعامات تاريخية دفعت ثمن أنظمة القهر أو تيارات انصهرت أخيرا في بوتقة القاعدة استنادا لخطاب الإنتلجسيا الغربية والعربية العلمانية.

منطق التجريم بدل التحليل
بدل اللجوء إلى منطق تجريم الإسلاميين – أضاف يقول بورجا في مقدمة الكتاب- وإلى الاستنتاج السهل والمغرض، كان على السياسيين الغربيين عدم الاكتفاء بترديد مقولة إرهاب القاعدة ومن طرح الأسئلة العقلانية والجدلية التي تكشف عن أسباب راديكالية القاعدة التي فشلوا في استئصالها رغم كل الإمكانات المسخرة على كافة المستويات وتحليل الظاهرة الإرهابية بعيدا عن الخلط والتمويه.

"
الولايات المتحدة الأميركية تجني اليوم ثمار سياستها الظالمة في العالم الثالث بوجه عام وفي العالم العربي والإسلامي بوجه خاص منذ عدة عقود وهي السياسة التي تسببت في قتل ضحايا أبرياء مثل ضحايا هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول
"
الأمثلة التاريخية التي ساقها بورجا في تسعة فصول، بينت أن الخطاب الإسلامي كان دائما ردا سياسيا وليس دينيا على عنف سياسي سابق، والحرب الشاملة على رعب القاعدة التي يقودها البيت الأبيض بمشاركة العواصم الغربية لم تعد مجدية ووحدها المقاربة السياسية الشاملة كفيلة بوضع حد للظاهرة.

ولا تتحقق هذه المقاربة حسب المؤلف إلا بقلب منطق الغربيين الذين يرون في الإسلاميين عدوا يرفض قيمهم دون التساؤل عن أسباب ما أسماه بالتمرد الإسلامي على قيم غربية مزدوجة المعايير وتستند على المصالح السياسية والاقتصادية تحت وطأة مقاربة استعمارية وإمبريالية، وبذلك يعزز المحلل الفرنسي تحليل ناعوم تشومسكي بقوله إن الولايات المتحدة الأميركية تجني اليوم ثمار سياستها الظالمة في العالم الثالث بوجه عام وفي العالم العربي والإسلامي بوجه خاص منذ عدة عقود وهي السياسة التي تسببت في قتل ضحايا أبرياء مثل ضحايا هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول.

الثلاثية التي لا تقبل الطعن
بعد أن أصدر بورجا كتابي الإسلام السياسي في المغرب العربي، صوت الجنوب عن داري كارتالا وبايو قبل عشرين عاما، والإسلام السياسي في الواجهة قبل عشرة أعوام عن دار لاديكوفرت. يعمق في كتابه الثالث مسار وصيرورة ما يسمى في الغرب بالإسلام السياسي.

وأكد بورجا في كتابه الجديد، على خطورة سياسة الغرب الهروب نحو الأمام حيال مختلف أشكال الاحتجاج الإسلامي مرتكزا على منهجية أكاديمية محكمة وبحث ميداني قاده إلى البلدان العربية والإسلامية واليمن التي أقام فيها خمسة أعوام.

وكتب المؤلف يقول إن كتابه الثالث يواكبه آخر التطورات المستجدة في الأعوام الأخيرة التي برزت فيها القاعدة كمنبر إسلامي لأصوات إسلامية انتشرت في الأقطار العربية والإسلامية وفي الغرب، ويعبر عن درجة متقدمة وغير مسبوقة في مسار المواجهة القائمة بين القاعدة من جهة والأنظمة العربية والإسلامية المستمرة في إقصائها للإسلاميين بدعم وتواطؤ من الدول الغربية بزعامة الولايات المتحدة الأميركية من جهة اخرى.

الفرضيات التي طرحها بورجا في كتابيه الأولين، بقيت صالحة وآنية بحكم ديمومة المعطيات السياسية التي سبق أن عالجها قبل عشرين عاما وهي الفرضيات التي أصبحت ناطقة أكثر من أي وقت مضى بحقيقة إنسداد الوضع السياسي العربي والإسلامي، وجاءت هذه المرة في سياق مواكبة لم يعد فيها تعنت الغرب ناجعا على الرغم من فشل سياسة تدجين إسلاميين مفبركين ومصممين على مقاس بزة الأنظمة في ظل رفض الاعتراف بمعارضات إسلامية شرعية تغطي شرائح واسعة من الشارع الشعبي ومن النخبة.

استرداد الهوية ومحاربة الاستعمار الجديد
في كتابه المضغوط في تسعة فصول والممنهج نظريا وتطبيقيا اعتمادا على رؤية شاملة وتحقيقات ميدانية وحوارات مع رموز إسلامية، أكد المؤلف على حتمية التفريق بين مبدأ اعتبار الظاهرة الإسلامية تعبيرا على هوية مفقودة يجب استردادها وإعادة الاعتبار لها بعيدا عن التعميم الجاهز والمطلق، وبين مختلف أشكال التيارات والأفكار التي عرفها العالم العربي والإسلامي التي برزت في المائة سنة الأخيرة التي وجدت جذورها في تاريخ الإسلام بوجه عام (الفصل الأول).

"
الكفاح الوطني الإسلامي عرف ثلاث حقب، وتمثلت الأولى في فكر الإخوان المسلمين خلال الربع الأول من القرن الماضي، والثانية في مطلع موجة الاستقلال، والثالثة في بداية العام 1990 موازة لانهيار الاتحاد السوفياتي
"
ضمن هذه المقاربة، ألح على ضرورة معالجة الأسباب الرئيسة التي دفعت جيلا كاملا من الممثلين السياسيين إلى التحدث باسم الإسلام كهوية في ظل خطاب متنوع ومتطور يكشف عن مطالب مختلفة وفق خصوصية الواقع السياسي (من الإستعمار الاستيطاني إلى الإمبريالية الأميركية).

وفي هذا السياق، كان لا بد من مواجهة علمانية طمست الهوية الإسلامية التاريخية، وعبرت عن الإنسلاخ الحضاري الخطيرأو الشرخ الثقافي في نظر حسن البنا وسيد قطب ومالك بن نبي، وعليه يمكن تفسير الدعوة الإسلامية داخليا برفض نمط عيش غربي وجد امتداده في الثورة الثقافية الإيرانية التي قادها الإمام الخميني اعتبارا من العام 1979 وخارجيا بمحاربة هيمنة غربية وعدو إسرائيلي دخيل وجد دعما عالميا وشكل إرهابا ما زال قائما إلى اليوم.

إن الكفاح الوطني الإسلامي عرف ثلاث حقب، وتمثلت الأولى في فكر الإخوان المسلمين خلال الربع الأول من القرن الماضي، والثانية في مطلع موجة الاستقلال التي عبرت عن رفض سيطرة النخب الوطنية المستلبة ثقافيا والمهيمنة سياسيا، والثالثة في بداية العام 1990 موازة لانهيار الاتحاد السوفياتي وبروز ما سمي بالنظام العالمي الجديد المبلور على مقاس مصالح الولايات المتحدة الأميركية، والمتقاطع جدليا مع مصالح النخب الوطنية الاستبدادية والفاسدة.(الفصل الثاني والثالث).

القاعدة كحقبة ثالثة لمواجهة الاستعمار
إن هدف التحرير الوطني واستعادة الهوية أدى إلى تعزيز أشكال مواجهة السيطرة الاستعمارية الغربية على الصعيد الوطني (الفصل الرابع)، وإلى تجدد ديناميكية الكفاح واتساع رقعتها وتجاوزها للبعد الوطني في وقت لاحق، واتخاذها طابعا راديكاليا مثلتها القاعدة (الفصل الخامس) التي خرجت من رحم الجزيرة العربية، وعالج بورجا في هذين الفصلين نشأة التيارات الإسلامية في كل من اليمن والعربية السعودية واستشهد على طابعها الراديكالي بقول محمد قحطان "إن تلاميذ البنا أكدوا على إدخال الإسلام في دساتير الأنظمة العربية خلافا لليمن الذي انفرد بإدخال الدستور في الإسلام. واستنتج المؤلف في مواقع لاحقة من الكتاب أن الاخوان المسلمين المصريين الذين أسسوا الإسلام السياسي أو الإسلاموية كما هو منصوص عليه في القاموس الغربي، لم يتنكروا لإرث رموز الإصلاح خلافا لما كتبه البعض، وأن فكرهم لم يكن دينيا وتقليديا محضا كما يدعي الغرب لأنه تضمن ديناميكية سياسية ثورية.

كما أن رد فعل الإسلاميين في اليمن يعد نتيجة لفشل ثورتي عامي 1948 و 1962 باسم تحديث مستنسخ عن الناصرية حسب محمود زبيري الذي استقال من منصبه كوزير وانضم إلى تيار الإصلاح الإخواني رفقة الداعية عبد المجيد الزنداني.

توزع الراديكالية بين عدة جماعات إسلامية رغم القيم الدينية المشتركة في مواجهة عنف وقهر الأنظمة العربية والإسلامية الحاكمة منذ عدة عقود (الفصل السادس)، وانتقال دعوة ما أسماه الكاتب بفقه الحرب من سيد قطب إلى أيمن الظواهري وبن لادن ومحمد عطا مهندس هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول (الفصل السابع).

"
إنهاء المواجهة تكمن في جرأة سياسية وأخلاقية تؤدي إلى اقتسام السلطة مع إسلاميين شرعيين وسلميين يسندهم الشارع والواقع الاجتماعي اليومي ودون هذا الحل، سيبقى الرعب المتبادل سيد الموقف حتى إشعار جديد
"
حقائق أعطت وهجا فكريا وأكاديميا غير مسبوق لتحليل أسدل الستار عليه بالوقوف عند دور المثقفين العرب العلمانيين أو السلبيين حسب تعبير المحلل الاجتماعي الراحل الكبير بيار بورديو الذين كرسوا خطاب الترهيب الإسلامي ("مرض الإسلام" كتاب التونسي عبد الوهاب مؤدب) وسكتوا على ترهيب الحكام العرب (الفصل الثامن).

واختتم بورجا مشواره مع أصول وتطور الإسلام السياسي (الفصل التاسع) بعدم جدوى سياسة الحرب الشاملة بقيادة البيت الأبيض على إرهاب القاعدة باعتبارها أسمى وأحدث مراحل المواجهة بينها وبين غرب ظالم متحالف مع أنظمة عربية طاغية ومتواطئة حتى النخاع داخليا وخارجيا.

إن إنهاء المواجهة حسب بورجا يكمن في جرأة سياسية وأخلاقية تؤدي إلى اقتسام السلطة مع إسلاميين شرعيين وسلميين يسندهم الشارع والواقع الاجتماعي اليومي، ودون هذا الحل سيبقى الرعب المتبادل سيد الموقف حتى إشعار جديد.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك