عرض / وديع عواودة

"الطب النباتي اليوناني-العربي الإسلامي" كتاب جديد يؤكد أن الموروث الطبي العربي الإسلامي شكل أساس الطب الغربي الحديث، وهو من أغنى ما خلفته الشعوب في هذا المجال، لكنه يكابد اليوم الإهمال والضياع والتشويه والتزوير.

الكتاب الذي يشكل مرجعا في الطب العربي الإسلامي، يتناول كل الجوانب المتعلقة بالطب العربي-الإسلامي ويفتح أفقا حول الطاقات الهائلة الكامنة فيه وغير المستغلة بعد.

-الكتاب: الطب النباتي اليوناني - العربي الإسلامي
-المؤلفين: د.عمر سعيد ود. بشار سعد
-عدد الصفحات: 568
-الناشر: دار النشر العالمية "ويلي اند سنز", لندن
-الطبعة: الأولى/ مارس 2011 

كما يتناول الجذور الثقافية التاريخية لتطور الطب العربي، علاقتها بالحضارات القديمة، والنظرية الطبية العربية، وأنظمة تطوير الدواء ومراقبة جودتها في عصرها الذهبي، واستعراض السمية والفعالية الدوائية لأهم النباتات العربية، عرض مقارن لأهم نتائج الأبحاث العلمية بعلاقتها مع الطب الشعبي.

الكتاب يحتوي أيضا أشكال الطب الشعبي السائدة في البلدان العربية والإسلامية، وكيفية استخدام طرق ووسائل بحث حديثة لتطوير الطب العربي، وعرض نتائج لأبحاث سريرية، وطرق التصنيع الحديثة للمكملات الغذائية والكريمات التزيينية، ومشاكل تسجيلها وترخيصها في الأسواق العالمية، وأهم النباتات المستخدمة اليوم في الطب العربي وخواصها الدوائية والكيماوية، وغيرها.

يعرض هذا الكتاب مراجعة منهجية حول الطب العربي، بما في ذلك الخلفيات التاريخية والتجديدات الطبية التي أبدعها أطباء العرب، والجذور المشتركة للطب العربي والطب الغربي، ومناهج وأساليب اكتشاف واختراع الأدوية والعلاجات في الطب العربي الإسلامي، ووصف الواقع المعاش للطب العربي، الأبحاث الحديثة التي تثبت فعالية وجدوى وسلامة الطب العربي الإسلامي.

كما يعرض الكتاب الوسائل والطرق البحثية الحديثة في مجال الصيدلة والبيوكيميا والسمية تم تطبيقها على خلايا مستنبتة وحيوانات مخبرية في سياق الأبحاث المتعلقة في مجال فحص فعالية وجدوى النباتات المعتمدة في الطب العربي الإسلامي على وجه الخصوص.

فضلا عن ذلك كله فإن الكتاب يتناول جوانب متعددة في هذا الحقل، منها نقد النظرة النمطية السلبية حول العرب وإنجازاتهم، ومساهمات أبرز علماء الطب والصيدلة العرب، وأهم النباتات المستخدمة، وطرق تحضير الأدوية النباتية، ومراقبة جودتها، ومشاكل الحصول على تصديق الوزارات المعنية، ونتائج أبحاث سريرية نفذها الباحثان، وكيمياء النبات وأهمية الطب العربي وإمكانياته المتاحة للإنسانية جمعاء.

تلاقح الحضارات
وبين الكم والكيف يوضح الباحثان في مقدمتهما أن كثرة النشر في مجال الطب النباتي اليوم لا تعكس بالضرورة حالة صحية من الإثراء في هذا الحقل، ويقولان إن المتمعن العارف بهذا المجال سيقف على حقيقة أن هذا الكم الهائل هو من أنواع التضخم الفوضوي الذي ينقصه الضبط العلمي والدقة المعرفية في غالبية مستويات هذا الحقل، ابتداء من الوصف النباتي العلمي الصحيح، وطرق استخلاص المواد الفعالة، والأعراض الجانبية للعقاقير النباتية، والفعالية الدوائية، والأبحاث السريرية والصيدلانية، وتطبيق مبادئ النظرية الطبية اليونانية العربية الإسلامية.

وينوهان بأن كل ذلك بحاجة إلى إعادة تنظيم وإعادة إنتاجه بما يعيد الاعتبار لهذا الموروث من جهة، وبما يكفل أيضا تحقيق الإمكانيات والجدوى الفعلية صحيا واقتصاديا وتنمويا.

ويتابعان "إن موروثنا الطبي العربي الإسلامي من أغنى ما خلفته الشعوب في هذا المجال، ولأسباب تاريخية معروفة كان نصيبه من البحث الجدي والاهتمام أقل ما يستحق بكثير".

"
النهضة العلمية التي شهدتها الحضارة العربية الإسلامية اعتمدت بشكل أساسي على ترجمة واستيعاب الثقافة اليونانية الرومانية في كافة حقول المعرفة
"

توضيحا لاسم كتابهما "الطب النباتي اليوناني - العربي الإسلامي" يشير الباحثان إلى أن النهضة العلمية التي شهدتها الحضارة العربية الإسلامية قد اعتمدت بشكل أساسي على ترجمة واستيعاب الثقافة اليونانية الرومانية في جميع حقول المعرفة.

وينوهان بأن الطب الذي أجاد به العرب يعتمد أساسا (فضلا عن تأثير نتاج الحضارات الصينية والهندية والفارسية وغيرها) على ما خلفته الحضارة اليونانية-الرومانية في المنطقة، حيث تبنى العرب النظرية الطبية اليونانية التي تعتمد نظرية الأخلاط الأربعة والتوازن بينها أساسا لكل اشتقاقات الأمراض وعلاجاتها.

ابن سينا
وحسب الكتاب شكلت هذه النظرية أيضا المنهج البحثي لاكتشاف أدوية وعقاقير لعلاج الأمراض وسادت في الطب العربي الإسلامي، وشكلت التيار الرئيسي بداخله، وكان أبرز ممثليها الطبيب الموسوعي الشهير ابن سينا.

ومع ذلك تعايشت هذه النظرية الرئيسية مع مدارس طبية أخرى في التاريخ العربي الإسلامي، مثل المدرسة التجريبية التي مثلها الزهراوي في الأندلس، التي لم تعط أهمية كبيرة لتلك النظرية الطبية اليونانية، وكانت مبنية على التجربة المتحررة من النظرية، فضلا عن وجود المدرسة الطبية الشعبية التي كانت تعتمد على الخبرة المتوارثة حيث إن أدوات تطورها كانت التجربة والخطأ.

تراث منسي
ويقول الباحثان إن التحدي الأساسي هو المحافظة على الموروث الطبي العربي الإسلامي واستعادة ما تساقط منه أو اختفى، ودراسته علميا وإخضاعه للتجربة العلمية البحتة وعصرنته وإعادة إنتاجه بما يتناسب مع احتياجات السوق العالمي المعاصر في سياق تجانس الأصالة مع الحداثة.

وينوهان بأن هذا التحدي يتضمن استخدام كنوز التراث التي لم تدرس ولم يفد منها بواسطة بحوث كان يفترض أن تتم على المستوى العربي الرسمي والأكاديمي، إضافة لتوظيف هذه المعرفة لتطوير منتجات عصرية بحيث يعاد الاعتبار من خلالها للتراث الأصيل المنسي، الذي يظنه كثيرون خاليا من الفائدة".

"
إنجازات العرب في مجال الطب النباتي ما زالت تحتفظ بقيمتها، بل أصبحت بحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى البحث والتطوير
"
وينوه الكتاب إلى أن إنجازات العرب في مجال الطب النباتي ما زالت تحتفظ بقيمتها، بل أصبحت بحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى البحث والتطوير.

ويلفت الباحثان إلى أن مسألة المحافظة على هذا الموروث في فلسطين تكتسب بعدا خاصا وخطيرا، لأن عددا من الباحثين اليهود في الأكاديمية الإسرائيلية يحاولون صهينته ونسبه دون وجه حق، بعد أن جمعوا المعلومات العامة من المعالجين الشعبيين والكتب التراثية بهدف شرعنة الاستيطان ومنحه بعدا حضاريا مزيفا.

محنة الطب العربي
ويشير الباحثان إلى أن كتابهما يعود لبحث ميداني قاما به وشكلت نتائجه حول أوضاع الطب النباتي في التجمعات الفلسطينية على طرفي الخط الأخضر منعطفا نوعيا في أساليب التفكير والتعامل مع الموروث العربي في هذا المضمار.

وأثناء البحث الميداني استطلع أبرز المعالجين الشعبيين (50 معالجا) في فلسطين والجولان السوري المحتل. وعن أبرز وأخطر استخلاصات البحث الميداني يقول الكتاب "إذا ما استثنينا نفرا قليلا ممن ورثوا مهنة التداوي بالأعشاب من آبائهم وتعرف أنجح أساليب تحضير العقاقير منها، فقد كشف عن واقع متدهور لجموع المعالجين الشعبيين في مستوييه المعرفي والعملي، ينذر، في حال استمراره، بانقراض هذا الجانب الحضاري في المنطقة المعنية".

ويشير الكتاب إلى أن غالبية المعالجين الشعبيين لم يتعرفوا إلا عددا ضئيلا من النباتات الطبية وتحديد خصائصها العلاجية منوها إلى أنهم لجؤوا لاستخدام وصفات العطارة التقليدية التي بدورها تعاني من هزال واضح.

"
وصل الأمر ببعض المعالجين الشعبيين حدا جعله يستخدم نبتة واحدة في معالجة كل الأمراض والعلل, وبدلا من توسيع آفاقه ومعرفته "جندوا" الشياطين والجن لتحقيق نتائج علاجية
"
وللتدليل على خطورة الواقع الراهن يوضح الباحثان أن الأمر وصل ببعضهم حدا جعله يستخدم نبتة واحدة في معالجة كل الأمراض والعلل ويتابعان "بدلا من توسيع آفاقه ومعرفته "جندوا" الشياطين والجن لتحقيق نتائج علاجية عالية".

لم يتمكن غالبية المعالجين الشعبيين من التعرف إلا على عدد ضئيل من النباتات الطبية وتحديد خصائصها العلاجية، وتعويضا عن ذلك لجؤوا لاستخدام وصفات عطارة تقليدية هي بدورها تعاني من هزال واضح.

ويتابع المؤلفان بلهجة مريرة "وصل الأمر ببعضهم حدا جعله يستخدم نبتة واحدة في معالجة كل الأمراض والعلل، وبدلا من توسيع آفاقه ومعرفته "جند" الشياطين والجن لتحقيق نتائج علاجية".

طاقات مهدورة
ويسارع الكتاب لتوضيح أن محنة الموروث الطبي الشعبي في فلسطين قد لا تشذ جوهريا عن واقع الطب الشعبي في العالم العربي، الذي انفصل كليا عن النظام الصحي في البلدان العربية وأصبحت له قوانينه وعالمه الخاص وأصبح ملجأ لفقراء الناس على عكس واقعه في الغرب.

ويشير الكتاب إلى أنه حتى عالم العطارة نفسه يعتمد، في غالبيته، على عشرات التوابل والبخور المستوردة بمعظمها من ثقافات ومناطق بعيدة ويحذران من أن التغافل والإهمال المحزن للتراث الطبي الإسلامي يحمل في طياته خطرا ثقافيا بالغ الأذى وإهدارا عبثيا لطاقات اقتصادية هائلة كامنة فيه.

ويشدد الكتاب على تأكيد حقيقة مشحونة وموحية مفادها أن العرب لم يكونوا يوما مجرد ناقل أو وسيط للثقافات السابقة، ولم يكتفوا بترجمة ما خلفته الشعوب من وثائق ومدونات، وإنما ساهموا بشكل نوعي وأساسي في تطوير هذا العلم.

وللتدليل على ذلك يقول الكتاب إنه ليس صدفة أن الفصل بين الصيدلة والطب قد تم بفضل العرب والمسلمين، معتبرا الأمر مؤشرا واضحا على درجة التطور والرقي التي وضعت الأساس لعلم الدواء والعقاقير (الأقرباذين)، منوها لظهور أول صيدلية في التاريخ في بغداد (القرن الثامن).

وينوه الكتاب بأن أسماء كبيرة في عالم الطب والتداوي بالأعشاب آنذاك قد لمعت كان أبرزها أبو بكر الرازي وابن سينا الزهراوي وابن رسول وابن حيان وابن البيطار صاحب "الجامع للأدوية المفردة والمركبة"، الذي تضمن حوالي 1000 نبتة طبية، منها نحو 300 نبتة من اكتشاف وإسهام الثقافة العربية الإسلامية.

النباتات الطبية
ويوضح أن 70% من الأدوية الحديثة مستحدثة من أصل عضوي (الكائنات الدقيقة وحتى عالمي النبات والحيوان)، وأن 40% من مجمل الأدوية مستمدة مباشرة من النباتات الطبية.

ويلفت الكتاب إلى أن علماء النبات يقدرون اليوم أن هناك أكثر 250 ألف صنف نبات على وجه البسيطة، صنف حوالي 90% من مجملها تصنيفا علميا، معنى ذلك أنه ما زال هناك أكثر من 25 ألف صنف لم يتعرفها العلم الحديث بعد.

"
في فلسطين ينمو أكثر 2600 صنف نباتي, وأحصى الباحثان أكثر من 200 نبتة تستخدم طبيا بشكل أو بآخر من عينة شملت حوالي 800 صنف
"
وحسب المؤلف الذي سيترجم قريبا من الإنجليزية للعربية هناك تقدير بأن 2%-5% من مجمل النباتات قد استخدم تراثيا في نطاق العلاج ومقاومة الأمراض. لكن الأمر مختلف في حالة الطب العربي، حيث تصل نسبة النباتات الطبية إلى أكثر من 20% من مجمل النباتات في الوطن العربي.

ويشير إلى أنه في فلسطين على سبيل المثال، وهي صغيرة جدا بمساحتها ، ينمو أكثر 2600 صنف نباتي، حيث أحصى الباحثان أكثر من 200 نبتة تستخدم طبيا بشكل أو بآخر من عينة شملت حوالي 800 صنف.

ويتابعان "من الواضح أن هذا التنوع النباتي ناشئ عن الطبيعة المناخية المميزة لبلادنا بشمالها الأخضر وجنوبها الصحراوي وخاصرتيها الزرقاء (البحرية) والغائرة تحت البحار (الأغوار).

المشاركة العربية
مقابل ذلك كله، ما زالت مشاركة العالم العربي في هذا النشاط الاقتصادي الواسع والمتسع هزيلة للغاية وتعتمد على تصدير المواد النباتية الخام المشتركة مع الثقافة الغربية (المقبولة لديهم)، أي أن النباتات التي تميز الثقافة الإسلامية ما زالت محيدة ولا تطور، لتصل إلى مستحضرات دوائية ولا حتى مكملات غذائية.

وحسب الكتاب فإنه من أصل 814 نبتة طبية مدونة في الثقافة الإسلامية المعاصرة فإن 23 منها فقط يستخدم في مجال التصنيع الدوائي و55 نبتة أخرى في مستحضرات التجميل والعطور، 34 نبتة في صناعة الغذاء و10 نباتات تستخدم في تراكيب المبيدات الطبيعية.

ويشير الكتاب إلى أن عشرات النباتات الطبية المعتمدة تاريخيا في ثقافة العربية-الإسلامية اندثرت أو هي في طريقها إلى الانقراض، وذلك لأسباب متعددة.

الميثاق الأخلاقي

"
الكتاب يتضمن منظومة مبادئ وأخلاقيات تحدد المقبول والممنوع والمستحسن والشروط والمسؤولية التي يحتكم لها الحقل الطبي
"
وهناك فصل لافت في الكتاب يكرس لتبيان منظومة مبادئ وأخلاقيات تحدد المقبول والممنوع والمستحسن والشروط والمسؤولية التي يحتكم لها الحقل الطبي ابتداء من الطبيب والمشفى مرورا بالقوانين والقضاة (منظومة الحسبة، أي محاسبة الصيدلي الذي يهمل أو يغش بالأدوية وهكذا الطبيب..)، وصولا لحقوق المريض نفسه على المعالج والدولة.

هذه المنظومة الأخلاقية (بما فيها قسم الطبيب) تشكلت قبل الإسلام لكنه وسعها وأدخل لصلبها الانضباط الذاتي الديني ورسخ قواعد المراقبة من خلال قوانين المحاسبة ومحاكمة الطبيب المهمل أو من يمارس مهنته من غير تأهيل مناسب (الإجازة في مهنة الطب كانت محددة وعلى كل طبيب أن يمتحن وينجح بجميع موادها أمام لجنة مصادق عليها من الدولة ...).

فضلا عن ذلك، يشير الكتاب إلى أن الدين الإسلامي قدر العلم وأعطى للعلماء قيمة استثنائية وحضهم على البحث والتأمل، لكنه وضع الإنسان في مركز الاعتبار وتعامل مع صحته كأمانة إلهية يجب عدم التفريط بها أو التلاعب بكرامة المريض والعمل على تأمين المشافي والغذاء المناسب قبل العلاج.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك