عرض/ الصادق الفقيه

يقدم هذا الكتاب صورة تقريبية غنية ومفصلة لتاريخ الممارسات التفاوضية للمسؤولين الأميركيين. أثبت معدوه كيفية توظيف الأميركيين لعامل الوقت واللغة والإغراءات وتكتيكات الضغط على طاولة المفاوضات، وكيفية استخدام (أو إهمال) وسائل الإعلام، وقنوات الاتصالات الخلفية، والضيافة خارج الساحة الرسمية للتفاوض.

كما أنهم استكشفوا التنافس الحاد بين الوكالات والأجهزة الأميركية وتخمينات الكونغرس المترددة، التي تحد من حركة المفاوضين الأميركيين وقدرتهم على المناورة. والكتاب في جملته هو عمل جماعي يلقي ضوءا كاشفا على سياسة واشنطن في العالم.

المحتوى والمساهمون

-الكتاب: السلوك التفاوضي الأميركي: (الوسطاء والتجار، النسور القانونية، الفتوات، والدعاة)
-المحرران: ريتشارد هـ. سلومون، ونايجل كوييني
-مقدمتان: بقلم مادلين أولبرايت، وكوندوليزا رايس
-الناشر: معهد السلام الأميركي, أميركا
-عدد الصفحات: 357
-الطبعة: الأولى/أبريل 2010

 

اشتمل الكتاب على تصدير وتوطئة ومقدمة وكشاف وملف صحفي وصفحة محتويات احتلت الجزء الأول فيها مقدمتان كتبتهما وزيرتا الخارجية السابقتين مادلين أولبرايت وكوندوليزا رايس. فيم احتوى الجزء الثاني "صورة المفاوض الأميركي"، وتناول الجزء الثالث "المنظور التاريخي"، وضم الجزء الرابع "وجهات نظر خارجية"، واختص الجزء الخامس والأخير بـ"الاستنتاجات".

وقد اعتمد متن الكتاب على مناقشات ومقابلات مع أكثر من 50 من سفراء الخارجية الأميركية والمفاوضين المخضرمين، بما في ذلك مساهمات من قبل 11 من الخبراء الدوليين، منهم غليز أندرياني، تشنغ شان تشى، وديفيد هاني، وفاروق لوغوغلو، ولاليت مانسينغ، ويوري نزاركين، وروبرت شولزنغر، وكوجي واتانابي، وجون وود، الذين عملوا على تقييم العديد من التأثيرات الثقافية والمؤسسية والتاريخية والسياسية، التي تشكل كيف يعالج واضعو السياسات والدبلوماسيون الأميركيون نهج المفاوضات مع النظراء الأجانب، مع تسليط الضوء على الأنماط السلوكية التي تتجاوز أعمال المفاوضين الفردية والإدارات.

والملاحظ أن فصول الكتاب سطرها مجموعة متميزة من السفراء ووزراء الخارجية، بعضهم من دول حليفة للولايات المتحدة، وبعضهم الآخر من المنافسين أو الخصوم، وجميعهم سجلوا قصصا تستحق أن تروى. وفي الفصل الختامي، اقترح سولمون وكوييني مجموعة من التدابير لتعزيز القدرات التفاوضية لأميركا للتعامل مع التحديات الجديدة والناشئة لدبلوماسية فعالة في القرن الحادي والعشرين.

والكتاب يعرض مجموعة من وجهات النظر الصريحة، من بينها ثماني وجهات نظر خارجية، على جوانب معينة من السلوك الأميركي في المفاوضات.

وهناك فصل كتبه المؤرخ البارز روبرت شولزنغر يوضح العلاقة المتطورة بين رؤساء الولايات المتحدة والمفاوضين الذين مثلوهم.

قول الكبار في الكتاب
وصف جورج شولتز، من معهد هوفر ووزير الخارجية الأسبق، في تقريظه للكتاب، بأنه "منجم ذهب للمعلومات والأفكار المفيدة التي يمكن أن تساعد في جعل المفاوضين الأميركيين - ونظرائهم- أكثر فعالية وتجعل عملية المفاوضات مفهومة بشكل أفضل"، وقال زبيغنيو بريجنسكي، من مركز الدراسات الدولية والإستراتيجية ومستشار الأمن القومي الأسبق، إن "السلوك التفاوضي الأميركي دراسة فريدة حقا عن المفاوض الأميركي، لأنها تستكشف التصور الخارجي حول المفاوضين الأميركيين".

في حين قال يان الياسون، وهو وزير سابق لخارجية السويد ورئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة، إن "هذا الكتاب هو منجم ذهب لكل مهتم بأساليب ومناهج التفاوض الأميركية تم تحليلها من قبل اثنين من الكتاب المدركين، وثمانية خبراء دوليين من ذوي الخبرة الدبلوماسية.

"
واحدة من مزايا كثيرة لهذا الكتاب هو أنه يحدد معالم المستقبل الدبلوماسية، والتكيف مع عالم حيث الحوار والمفاوضات من المؤمل أن تكون الأدوات الأساسية لحل الصراعات والمشاكل العالمية
"
واحدة من مزايا كثيرة لهذا الكتاب هو أنه يحدد معالم المستقبل الدبلوماسية، والتكيف مع عالم حيث الحوار والمفاوضات من المؤمل أن تكون الأدوات الأساسية لحل الصراعات والمشاكل العالمية. كما قال هنري كيسنجر، وزيرة الخارجية الأميركية بين العامين 1973 و1977، إن "السلوك التفاوضي الأميركي قد يصبح المدخل التمهيدي لفن التفاوض الفعال عبر الثقافات.

ويجب أن يكون جزءا هاما من منهج التعليم للدبلوماسي الأميركي، فضلا عن أي شخص يشارك في المعاملات الدولية".

مقدمتان من الوزن الثقيل
لم يكتف الكتاب بالتقريظ الذي ناله من كبار مسؤولي السياسية الخارجية الأميركيين والأجانب، بل عمد إلى استكتاب أشهر وزيرتي خارجية في تاريخ الدبلوماسية الأميركية، تمثلان الحزبين الديمقراطي والجمهوري، هما مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية في عهد الرئيس بيل كلينتون1997-2001، وكوندوليزا رايس، وزيرة الخارجية في عهد الرئيس جورج بوش 2005 - 2009.

ففي تقديمها قالت أولبرايت، إن هذا الكتاب يجيء في الوقت المناسب، إذ يشتمل على العديد من الدروس المفيدة عن المساومة، بما في ذلك قيمة الصبر، وأهمية القوة والحكمة، ولا ينسى أن يذكر بإمكانية إخفاء المفاوض "للسطر الأخير" في أوراقه إذا دعت الضرورة. ومثل الدبلوماسية، فإن التفاوض، الذي يعد عنصرا أساسيا فيها، هو فن. وعلى هذا النحو فإنه يتطلب إعدادا دقيقا وقدرا من المهارة المكتسبة.

وفي سياق السياسة الخارجية الأميركية، قالت أولبرايت إن التفاوض هو من بين الأدوات الأساسية المستخدمة لخدمة مصالح الولايات المتحدة. والغرض منه هو إقناع الحكومات الأجنبية على العمل على نحو مفيد لنا، أو على الأقل مقبولة، وإلى القيام بذلك بطريقة ملزمة وقابلة للتنفيذ.

ولم تنس أولبرايت أن تذكر بأن الرجال والنساء، الذين يتفاوضون بالنيابة عن الولايات المتحدة، يتمتعون بمزايا تفضيلية معينة، بما في ذلك القوة العسكرية لدينا وحجم اقتصادنا والنفوذ السياسي التاريخي لأمتنا.

ومع ذلك، عليهم أيضا اكتساب القدرة للتنقل بين حقول الألغام في نظامنا الديمقراطي، الذي يعرضهم لضغوط مكثفة من الكونغرس وجماعات المصالح الخاصة، فضلا عن التدقيق الذي لا يتوقف من وسائل الإعلام.

فعند كل منعطف، هم مطالبون بشرح إستراتيجيتهم، وكشف وضع المحادثات، والتكهن حول النتائج، وتميز موقف مفاوضيهم. وقد مرت فترة طويلة عندما كانت الاتفاقات الدولية الرئيسية يتم التوصل إليها وراء أبواب مغلقة ثم تبقى سرا لسنوات. وفي التحضير لأي مساومة يجب على الدبلوماسيين الأميركيين التفاوض مع مراكز القوى المتنافسة داخل الحكومة الأميركية.

ومن جانبها، ركزت كوندوليزا رايس على ما أسمته "الدبلوماسية التحولية"، وقدمت عرضا تاريخيا لصراع الشرق والغرب، وما تطلبته الحرب الباردة من مفاوضات. وقالت "جاء في مذكرات وزير الخارجية الأسبق دين أتشيسون صُور العالم وكأنه في مواجهة مع الولايات المتحدة، خاصة في مطلع الحرب الباردة، فهي أقل قليلا من هول تلك الحالة التي وصفت في الفصل الأول من سفر التكوين". ففي العام 1946 وجد أكثر من مليونين من الأوروبيين أنفسهم يتضورون جوعا في أعقاب الحرب العالمية الثانية، فكان القلق ليس حول ما إذا كانت شرق أوروبا ستقع تحت سيطرة الشيوعية، بل هي ما إذا كانت أوروبا الغربية ستخضع لنفوذ الاتحاد السوفياتي.

"
رايس:
أثبتت دبلوماسيتنا أن لدينا دورا فعالا في تحويل البلدان المدمرة إلى ديمقراطيات مزدهرة وحليفة الذين انضموا معنا لعقود من الزمان في النضال من أجل الدفاع عن الحرية من التحدي السوفيتي
"
وقالت رايس "ركزنا إبان الحرب الباردة دبلوماسيتنا في أوروبا وأجزاء من آسيا، نحن استأجرنا أشخاصا جددا. وعلمناهم لغات جديدة، وأعطيناهم تدريبات جديدة، ودخلنا في شراكة مع الأعداء القدامى في ألمانيا واليابان، وساعدناهم لإعادة بناء بلادهم. وأنشأنا مؤسسات جديدة مثل حلف شمال الأطلسي واستعنا بالأدوات الدبلوماسية المبتكرة مثل خطة مارشال لإعادة بناء ديمقراطية أكثر في أوروبا. وأثبتت دبلوماسيتنا أن لدينا دورا فعالا في تحويل البلدان المدمرة إلى ديمقراطيات مزدهرة وحليفة الذين انضموا معنا لعقود من الزمان في النضال من أجل الدفاع عن الحرية من التحدي السوفياتي".

ولم تخذل رايس القارئ في ربط الماضي الذي أسهبت في تفصيل تعقيداته بالحاضر، وكان لا بد لأحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001 أن تجد لها موضعا، ففي أعقاب تلك الأحداث وبعد الهجمات الإرهابية، كانت أميركا مواجهة بتحد من نوع مختلف، حيث وجدت نفسها في مواجهة عنيفة مع المتطرفين، الذين يسعون "إلى تدمير المثل العليا للغاية والمؤسسات التي تشكل أساس الديمقراطية"، حسب زعمها.

إن أولوية السيادة في نظام الدولة الحديثة هو الآن مواجه بتحدي مجموعة متنوعة من الأطراف الفاعلة مثل الشركات عبر الوطنية والشبكات الإرهابية، التي أثبتت قدرة على ممارسة نفوذ كبير كان الاعتقاد دائما أنه حكر على الدول.

ويبدو أن أكبر تهديد للسلام اليوم يخرج من داخل الدول بدلا من الصراع بينها. وصارت الخصيصة الجوهرية للأنظمة تهم الآن أكثر من التوزيع الدولي للقوى. وفي هذا القرن الجديد من المستحيل أن نرسم خطوطا أنيقة واضحة بين مصالح الأمن القومي، "وجهود شركائنا في التنمية، ومثلنا الديمقراطية، غير أن هذا هو بالضبط الهيكل الحالي الذي ينبغي أن تكون عليه مؤسسات سياستنا الخارجية، وهو ما يجب علينا القيام به. الدبلوماسية الأميركية يجب عليها دمج وتعزيز كل هذه الأهداف".

صورة أميركا في العالم
في أكتوبر/تشرين الأول 2002، كتب نايغل كويني، أحد محرري هذا الكتاب، تقريرا خاصا، نشره معهد السلام، قال فيه إن المفاوضين الأميركيين لديهم أسلوب مميز يتسم بالقوة والصراحة والقانونية والعجلة والتركيز على النتائج.

"
كويني:
المفاوضون الأميركيون لديهم أسلوب مميز يتسم بالقوة والصراحة والقانونية والعجلة والتركيز على النتائج
"
ورغم أن هذه الصفات تختلف حتما وفقا للظروف والشخصيات، فإن الأسلوب الأميركي العملي لا يخفى، إذ شكلته العوامل الهيكلية والثقافية القوية والدائمة. ومن أهم التأثيرات الهيكلية موقف الولايات المتحدة كقوة دولية بارزة. والاتساع الهائل لشبكة المصالح الأميركية العالمية وعمق قوة الولايات المتحدة، إلى جانب تزايد الصلات بين الأمن والمخاوف البيئية والاقتصادية وغيرها، يعني أن الولايات المتحدة تلعب في الواقع دورا رائدا وكاسحا في أغلب الأحيان، في العديد من منتديات المفاوضات.

في حين أن الدبلوماسيين الأميركيين يميلون لرؤية أنفسهم مساومين شديدي المراس ولكنهم عادلون، في حين يرى معظم المفاوضين الأجانب الولايات المتحدة بوصفها القوة المهيمنة التي هي أقل الأطراف المعنية استعدادا للتفاوض، وإنما هي نَزاعة للإقناع والوعظ أو ترهيب المفاوضين الآخرين للانضمام إلى المواقف الأميركية.

أثر الثقافة على السلوك التفاوضي
وفي حين أنه من الصعب أن نميز أي نهج وطني أو ثقافي للتفاوض، يتم رسمه بشكل يمكن تعميمه، ولم يحاول الكتاب تعمد فعل ذلك، إلا أن التعميمات قد تبدو مفيدة إلى الحد الذي يمكن القارئ أن يتذكر أنه أدلة فقط وليست وصفات.

إذ إن تقدير أي التعميمات تحمل مقدار صحة أم لا يعتمد على العديد من العوامل الظرفية، بما في ذلك الوقت والوضع والحالة والحصص والتاريخ المشترك بين الطرفين وطبيعة المشكلة والأفضليات الفردية وديناميات العلاقات الشخصية والمزاج.

وأي تعميم سوف ينطبق على بعض أعضاء مجموعة لبعض الوقت، وينظر إلى ذلك على أفضل وجه من خلال النظر في التعميمات عن الجماعات التي تنتمي إليها.

وفي الوقت نفسه يمكن أن يكون مفيدا لدعم ومحاولة أن نرى أنفسنا والآخرين من مسافة بعيدة بحيث إن الأنماط والعادات التي تحدد ما هو "عادي" في المفاوضات يمكن دراستها على حقيقتها، أي ما هو ملزم من الناحية الثقافية ومحددة ثقافيا وفقا للحس السليم.

والمؤكد أن الدبلوماسيين الأميركيين سيحاولون تحديد إستراتيجية كل طرف من الأطراف الأجنبية المشاركة في التفاوض من أجل تمييز الخط الفاصل بين ما هو من المؤكد الذي يمكن أن تطلبه تلك الأطراف وما الذي يمكن عمله وإقناعهم بقبوله.

وعندما تبدأ المناقشات تتضاعف لدينا المسؤولية، إذ على الدبلوماسيين تولي قيادة العملية، وذلك بتحديد الشروط وتلخيص القضايا واقتراح جدول زمني لاتخاذ القرارات.

وبذلك، قد يكون عليهم اعتماد النهج التكتيكي الذي اختاره واحد من السفراء في وقت سابق، هو بنيامين فرانكلين، الذي كان حريصا على عدم تناقض أي شخص، ولكن بدلا من ذلك يطلب بهدوء طرح الأسئلة وإثارة الشكوك، أو أنهم قد يفضلون طريقة أكثر دراماتيكية على غرار الاقتحام والتهديد ودعوة الصحافة لتوجيه اللوم بالفشل.

وفي كلتا الحالتين، سيكونون معدين بنصائح جيدة بالسعي إلى الحصول على نتائج من شأنها أن تمكن جميع المشاركين في المطالبة على الأقل جزئيا النصر.

وسيشتمل ذلك حتما على الاستخدام المبتكر للكلمات، ولكن الاتفاق يجب أن ترحب به جميع الأطراف، وأكثر من ذلك من المرجح أن يستمر التفاوض ويؤدي إلى التسوية التي تتم بشفافية، وألا ينظر إليها باعتبارها انتصارا لأحد وهزيمة للطرف الآخر.

الخاتمة

"
في كثير من الأحيان، تثبت الدبلوماسية أنها أداة قيمة لإحداث تغيير في النظام القائم، سواء من إضفاء الطابع الرسمي على صداقات جديدة، أو إنشاء قواعد لمواكبة اندفاع الأحداث
"
بالنسبة لكثير من الأميركيين، كما ورد في الكتاب، فإن التفاوض هو بطبيعته علامة على الضعف. وحقا فإن القوة حسب الاعتقاد الأميركي السائد لا تحتاج إلى نقاش، بل فقط عليهم إظهار العضلات وفرض إرادتهم. وفي حالات نادرة قد يكون هذا الواقع هو البديل الوحيد لدى المفاوضين، وعلى كل حال فإن كل قضية لها جانبان، وليس كل عدو هو معقول، وليس هو الأفضل التعامل مع كل المشكلات من خلال المناقشة.

وفي كثير من الأحيان، تثبت الدبلوماسية أنها أداة قيمة لإحداث تغيير في النظام القائم، سواء من إضفاء الطابع الرسمي على صداقات جديدة، وخلق توافق في الآراء بشأن المسائل التي كانت موضع النزاع، أو إنشاء قواعد لمواكبة اندفاع الأحداث.

ونظرا لهذا الواقع، فإن في مصلحة أميركا، كما تقول أولبرايت، ضمان أن مفاوضيها لهم الدعم الكامل عندما يجلسون على طاولة المفاوضات، بغض النظر عما إذا كانت القضية المطروحة تنطوي على مسألة الأمن النووي والإنصاف الاقتصادي والطاقة والبيئة أو تعديلات في القانون الدولي.

وقد يحمد الجميع حقيقة أن قضايا السياسة العامة، التي تتم بالتسوية السلمية هي أكثر كثيرا من تلك التي تعالج بقوة السلاح.

المصدر : الجزيرة

التعليقات