عرض/ بوعلام رمضاني

تتجسد أهمية كتاب "القصة السرية للبترول الجزائري" للخبير الكبير حسين مالطي، في كشفه عن معلومات غير مسبوقة تتعلق بكيفية تحول أهم ثروة جزائرية من مصدر للرخاء والبحبوحة، إلى سبب لفساد سياسي قضى على كل آمال الشعب وتطلعاته، على حد قول المؤلف.

- الكتاب: القصة السرية للبترول الجزائري
- المؤلف: حسين مالطي
- عدد الصفحات: 349
- الناشر: لاديكوفارت, باريس
- الطبعة: الأولى 2010

 
 
واستطاع الأستاذ مالطي أن يحيط بإشكالية هدر الثروة الحيوية في بلد الثورة المجيدة، بفضل درايته المرجعية والموسوعية بقطاع المحروقات الذي كان من أهم مؤسسيه، باعتباره خبيرا نفطيا عايش تاريخ تأسيس شركة سوناطراك وساهم في إرساء دعائمها في مطلع الاستقلال، إلى جانب وزراء وخبراء آخرين راحوا فريسة صراع سياسي في علاقته بقوى فرنسية وأميركية ما زالت تتسابق من أجل استمرار وصوله إلى أصقاعها الباردة.

الخبير حسين مالطي المهندس في البترول تقلد مناصب نائب رئيس شركة سوناطراك بين عامي 1972 و1975، ومستشار السكرتير العام للمنظمة العربية لتصدير النفط بين عامي 1975 و1977، والمدير العام للشركة العربية للخدمات البترولية حتى غاية العام 1982، ويعمل حاليا مستشارا نفطيا دوليا.

مرض اسمه بلد غني بالنفط
في مقدمة عنوانها "الجزائر بلد مريض بقادته"، أكد مالطي أن اكتشاف النفط في العجيلة وحاسي مسعود جنوب الصحراء عام 1956 لم يكن علامة تفاؤل مستقبلي بسبب مرض سلطة لم توظف الثروة النفطية لصالح الشعب، وحوّلتها إلى ملكية خاصة اشترت بها الضمائر، الأمر الذي أدي إلى فساد كبير على صعيد دواليب الحكم بوجه عام والشرطة السياسية بوجه خاص على حد تعبيره، والديمقراطية الشكلية التي أطلقتها في الأعوام الأخيرة ليست إلا عملية ذر للرماد في عيون شعب بائس لم ينتفع بثروته المنهوبة.

"
تسبب النفط في تأخر موعد الجزائر مع الحرية المفترضة بسبب سعي فرنسا بكل قوتها السياسية والعسكرية إلى تمديد غزوها الاستعماري لضمان نفط المستعمرة
"
وراح المؤلف إلى أبعد من ذلك حين تجرأ قائلا إن "حكام الجزائر المستقلة الذين يدّعون أنهم يمثلون الأسرة الثورية لأنهم حاربوا الاستعمار، قد تحولوا إلى مستعمرين ومكيافيليين جدد يسيطرون على بلد في غاية الترهل والجهنمية".

وتسبب النفط قبل ذلك في تأخر موعد الجزائر مع الحرية المفترضة بسبب سعي فرنسا بكل قوتها السياسية والعسكرية إلى تمديد غزوها الاستعماري لضمان نفط المستعمرة، واستطاعت أن تحقق هدفها الجزئي باستمرار ضخ نفط الجزائر إليها عبر اتفاقيات إيفيان في مارس/آذار 1962.

الشعب الجزائري الذي يقتات -على حد تعبير المؤلف- بنسبة 98% من مدخول المحروقات، لا يزال ضحية سوق عالمية تحدد سياسة البلد الداخلية. وسمحت هذه التبعية الأزلية لسلطة عسكرية في زي مدني أن تؤثر على الساحة الدولية كزعيمة سابقة للعالم الثالث في الستينيات، وكواجهة ديمقراطية حالية مزيفة تقوم على النفاق، وتضمن مصالح قوى غربية تسكت على قهر سلطة القمع والرشوة والشرطة السياسية والذهب الأسود.

فخ ضمان تدفق البترول
في الجزء الأول من الكتاب، يطّلع القارئ على تاريخ اكتشاف البترول في عز الحرب الاستعمارية، ووصول البراميل الأولى إلى فرنسا عام 1957، وسعي السلطة الاستعمارية جاهدة إلى ترويض قادة الثورة على النحو الذي يضمن استمرار تدفق النفط إلى فرنسا.

وتمثلت إستراتيجية الاستعمار في الإسراع بنصب فخ شيطاني من باب استباق الاستقلال الذي بدأ يرتسم في الأفق، إذ بعدما أسست السلطة الاستعمارية المنظمة المشتركة للمناطق الصحراوية (أو.سي.آر.أس) عام 1957 بهدف التقنين لمنطقة صحراوية مستقلة عن شمال البلد المستعمر على طريقة مستعمرتي غويانا وغوادلوب الحاليتين، انتقلت إلى مرحلة نوعية تجسدت في تأسيس قانون البترول الصحراوي (سي.بي.أس) عام 1958 الذي تمت المصادقة عليه في نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه بعد وصول الجنرال ديغول إلى الحكم. وأدى القانون المذكور إلى تكريس المسعى الاستعماري الذي تبلور بشكل جلي في اتفاقيات إيفيان التي نصت على حصة فرنسا من النفط الجزائري بعد الاستقلال.

"
لعب بومدين الورقة السوفياتية لاحتواء مساومة المستعمر القديم رغم تعقد العلاقة مع موسكو على صعيد السياسة النفطية الواجب انتهاجها مع الحليف الطبيعي في تلك المرحلة
"
التوتر الفرنسي الجزائري
بعد توقفه عند السنوات الصعبة التي واجهتها الجزائر المستقلة في تسيير ثروتها الحيوية إثر تعيين سيد أحمد غزالي على رأس شركة سوناطراك للمحروقات وقيادة الوزير "البومديني" الشهير بلعيد عبد السلام عام 1964، اتخذ المؤلف من تاريخ استيلاء "الدكتاتور الوطني" العقيد هواري بومدين على الحكم بعد انقلاب على الرئيس أحمد بن بلة يوم 19 يونيو/حزيران 1965 محطة مرجعية لفهم واستيعاب بوادر التوتر الفرنسي الجزائري. ودار الخلاف حول كيفية استغلال وتسويق النفط في إطار تعاون فرنسي جزائري فرضه سياق افتقار الجزائر إلى "ثقافة" التسيير والاستغلال المطلوبين لثروة مصيرية ومحورية.

الرئيس بومدين الذي حدد التوجه الاشتراكي كمنهج سياسي واقتصادي تحرري كما اعتقد تحت وطأة المرحلة، وفّق بذكاء -حسب المؤلف- في لعب الورقة السوفياتية لاحتواء مساومة المستعمر القديم، رغم تعقد العلاقة مع موسكو على صعيد السياسة النفطية الواجب انتهاجها مع الحليف الطبيعي في تلك المرحلة القائمة على التوازن العالمي بين الشرق والغرب.

وفي الجزء الثاني من الكتاب والذي تضمن أربعة فصول أيضا، عالج مالطي الخلاف الفرنسي الجزائري حول ملف الغاز بين عامي 1966 و1968، وتوقيع اتفاقية مايو/أيار 1968، وتحول شركة سوناطراك إلى واجهة النظام السياسي الاشتراكي الذي فرض احتكار الدولة على التجارة الخارجية، الأمر الذي اعتبره المؤلف كارثة.

وعرّج مالطي مجددا على الحوار الجزائري السوفياتي الصعب في مجال المحروقات، قبل وصوله إلى ما أسماه شهر العسل الجزائري الأميركي عام 1969 عبر زواج سوناطراك وشركة البازو والذي اعتبر ثمرة مجهودات اللوبي البترولي الجزائري في الولايات المتحدة بقيادة رجل الأعمال الراحل مسعود زغار الصديق الشخصي والحميم للرئيس الراحل بومدين.

"
المعركة الفرنسية الجزائرية حول النفط شملت سر الخلاف بين وزير الخارجية آنذاك عبد العزيز بوتفليقة ووزير المحروقات عبد السلام حول طبيعة العلاقة الواجب إقامتها مع فرنسا
"
نصر بترولي وأول نوفمبر اقتصادي
لم يفصل المؤلف بين الوضع الجزائري النفطي الداخلي وبين سنوات الجمر إثر حرب الأيام الستة العربية في يونيو/حزيران 1967 في الجزء الثالث من الكتاب، وعالج الحرب التي دارت بين منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) والشركات الغربية مطلع السبعينيات، وتزامنت مع المعركة الجزائرية الفرنسية النفطية التي كشفت عن تواطؤ بعض المسؤولين الجزائريين كأمثال بلقاسم بن نبي مع عدو الأمس أو مع حزب فرنسا كما يقال في الجزائر، وهو المسؤول الذي أقيل من منصبه كمدير للطاقة والمحروقات نتيجة عدم احترامه تعليمات سيادية أمر بها عبد السلام البومديني. وأقصي بن نبي سياسيا ونفطيا قبل عودته بقوة مع الرئيس الشاذلي بن جديد في سياق تغير موازين القوة وطنيا وعربيا ودوليا.

المعركة الفرنسية الجزائرية حول النفط شملت سر الخلاف بين وزير الخارجية آنذاك عبد العزيز بوتفليقة ووزير المحروقات عبد السلام حول طبيعة العلاقة الواجب إقامتها مع فرنسا.

وحسب المؤلف فإن جوهر الخلاف بين الرجلين يتعلق بسعي الثاني إلى الحد من السيادة المزدوجة على قطاع المحروقات والتي نصت عليها اتفاقيات إيفيان. وهذا الخلاف طال أيضا الرئيس بومدين الذي رغم إقدامه على تأميم المحروقات، بقي غامضا ومتذبذبا حيال السياسة الواجب انتهاجها مع فرنسا بتأثير من الرئيس الجزائري الحالي، بحسب المؤلف الذي زكى طروحات عبد السلام بشكل غير بريء على الصعيد الشخصي.

في نهاية الجزء الثالث من الكتاب المرجعي، بارك مالطي انتصار الجزائر في معركتها مع فرنسا عام 1972 وتقدم سوناطراك السيادي في مجال استغلال النفط في حاسي مسعود، وعبّر عن ذلك بذكره جملة الرئيس بومدين في خطاب الفاتح من نوفمبر/تشرين الثاني 1971 والتي قال فيها إن "معركة البترول مع فرنسا كانت بمثابة أول نوفمبر اقتصادي".

عمّق المؤلف في الجزء الرابع من الكتاب رحلته في أعماق تاريخ القصة البترولية الجزائرية في علاقتها بالأحداث والتحولات العالمية، وتوقف عند عام 1973 المفصلي التاريخي الذي تميز بوطأة حربي فيتنام وأكتوبر/تشرين الأول الإسرائيلية العربية وما انجرّ عنهما من انعكاسات في الساحة البترولية العالمية، وبتأثير رحيل الرئيس بومدين على علاقة الجزائر بالقوى الغربية المهيمنة على المشهد النفطي، وبتراجعها كقائدة للعالم الثالث ومؤمنة بنظام عالمي جديد أكثر عدلا سياسيا واقتصاديا.

وتناول مالطي الفساد الذي بدأ يدب في دواليب السلطة الجزائرية بتحدثه عن إلغاء مشروع بناء مدينة في حاسي مسعود ومشاريع أخرى تنموية يبررها استفادة الجزائر من ارتفاع أسعار النفط، وعن تدخل المخابرات العسكرية في أمور لا تخصها من خلال المسؤول عن المنطقة العسكرية الرابعة العقيد محمد عطايلية رئيس الأركان الراحل الجنرال العربي بلخير في المنطقة الصحراوية الغنية بالنفط، والرئيس بومدين الذي أغمض عيونه على فساد المتنفذين أو الهاربين من الجيش الفرنسي على حد قوله، ولم يتردد في حماية صديقه الملياردير مسعود زغار الذي تلقى رشى خرافية مقابل صفقة مع شركة كميكو الأميركية.

فساد السلطة الجزائرية كان هيّنا أيام الراحل بومدين "الوطني النظيف والنزيه الثوري رغم دكتاتوريته"، وحسب ما فهمنا من الكتاب، فإن السياق الدولي الصعب دفع بالرئيس الراحل عنوة إلى المناورة مع فرنسا التي تركت عساكر يسهرون على مصالحها والتعامل مع الأميركيين في ظل التحالف مع السوفيات من باب تحقيق نوع من التوازن والاستقلالية النسبية انطلاقا من الغيرة الوطنية وليس خدمة لأغراض شخصية وعائلية وجهوية كما حدث لاحقا مع الرئيس الشاذلي بن جديد.

"
أراد المؤلف أن يجعل من الجزء الخامس إعلانا عن دق ساعة الفساد وانتشار الرشوة وتعمّق صراع الأجنحة وتصفية الحسابات في أعلى هرم السلطة للسيطرة على الحكم بعد عودة لوبي حزب فرنسا إلى توجيه ومراقبة ساحة المحروقات
"
الرشوة في قمة السلطة
تاريخ وفاة بومدين عام 1979 واختيار الجنرال بلخير للشاذلي بن جديد رئيسا للجمهورية وسيطرة محمد الشريف مساعدية على حزب جبهة التحرير الوطني، كانت ثلاثة أسماء مرجعية في الجزء الخامس والأخير.

وأراد المؤلف أن يجعل من الجزء الخامس إعلانا عن دق ساعة الفساد وانتشار الرشوة، وتعمق صراع الأجنحة وتصفية الحسابات في أعلى هرم السلطة للسيطرة على الحكم بعد عودة لوبي حزب فرنسا إلى توجيه ومراقبة ساحة المحروقات.

إن التغييب الكامل لسلطة رئيس شكلي اختير لتنفيذ أجندة عسكرية أضحت بادية للعام والخاص، وأجبر على توقيف المسار الانتخابي الذي كاد أن يوصل الجبهة الإسلامية للإنقاذ إلى السلطة عام 1992، علامة ناطقة بسيطرة قوى خفية تدير الحكم من وراء الكواليس بمباركة قوى خارجية بقيت تستفيد من الريع النفطي فرنسية كانت أم أميركية، وتبين ذلك أكثر بعد إزاحة الرئيس اليامين زروال وتعيين الرئيس بوتفليقة لشكيب خليل "الأميركي" على رأس وزارة الطاقة والمناجم، وهو الوزير الذي وقعت في عهده أكبر فضيحة فساد عرفتها شركة سوناطراك أمّ الشركات الوطنية ومفخرة الجزائر أيام الرئيس بومدين، حسب المؤلف مالطي.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك