عرض / ياسر باعامر

في أكثر من سبعمائة صفحة رصد الأكاديمي السعودي الدكتور عبد العزيز بن أحمد البداح حركة تغريب المرأة السعودية، من خلال رسالة دكتوراه علمية (دراسة نقدية تحليلية) تقدم بها لجامعة الأزهر الشريف، إلا أن الكتاب الذي لم يدخل بعد السوق السعودي، أثار جدلاً واسعاً في الوسط المحلي، ما بين القبول والرفض للمحتويات التي تضمنها، وتأتي أهمية الكتاب مع تزايد الجدل بما يتعلق بملف المرأة، وتداعيات ذلك على المجتمع السعودي.

المؤلف رصد في الكتاب بشكل جريء، حركة التغريب –كما يقول– منذ العام 1991، حيث ظل متابعاً للحركة ورموزها ونشاطها، ويشير البداح إلى أن هذه الحركة نشطت خلال الفترة الحالية بشكل كبير، وأصبحت تجهر بمطالبها وأطروحاتها، وتقوم بتنفيذ برامج عملية تسعى من خلالها إلى تغريب المرأة، وظهور رموزها من النساء والرجال في وسائل الإعلام المختلفة مجاهرين بدعوتهم ومطالبهم، وفق أجندة سياسية معينة، تهدف إلى خلع الحجاب، والمناداة بالاختلاط بين الجنسين في المحافل العامة والخاصة، ورفع قوامة الرجل على المرأة، ثم عمل المرأة في المجالات كافة، ثم حدَّدوا السبل، وكان من أهمها دور الإعلام بوسائله المختلفة (القنوات الفضائية، والمجلات التغريبية،…) في نشر التغريب والترويج لثقافته.

-الكتاب: حركة التغريب في السعودية.. تغريب المرأة نموذجا
-نوع الدراسة : رسالة جامعية
-عدد الصفحات: 705
-الطبعة: الأولى/ أكتوبر 2010
-الناشر: المركز العربي للدراسات الإنسانية, القاهرة, مصر

رموز التيار التغريبي
في جانب آخر وبتناول جريء أيضاً يستعرض المؤلف أسماء أو رموز التيار التغريبي -بحسب الأسماء الواردة- وهم عشرون اسماً أشهرهم: الأمير الوليد بن طلال، والمرحوم غازي القصيبي، وتركي الحمد، وعبد الرحمن الراشد، ولبنى العليان، وثريا العريض، وناهد باشطح، ونادين البدير.

ويبدو أن القاسم المشترك بين هذه الأسماء جميعاً هو الكتابة الصحفية ومناصب تجارية وإعلامية رفيعة المستوى، ليضع بعدها الملامح العامة للنخب المستغربة من حيث نشأتها وتفكيرها ضمن الأطر التالية: (النشأة الأجنبية، والتبرم من حال المجتمع، والتخبط الفكري، والانحلال الأخلاقي، ومعاداة الإسلاميين، ومساندة الاحتلال. والتركيز على ثلاث قضايا: "نزع الحجاب، والاختلاط بين الجنسين، والحرية المطلقة للمرأة".

وبحسب نتائج الدراسة التي توصل إليها المؤلف البداح، فإن حركة التغريب بالسعودية مرت بمراحل متعددة وأطوار مختلفة تميز كل طور منها بخصائص وسمات تختلف عن الآخر، والنتيجة الثانية التي توصل لها مفادها أن حركة التغريب تسعى إلى تحقيق أربعة أهداف: خلع الحجاب، والاختلاط، ورفع قوامة الرجل عن المرأة، وعمل المرأة في المجالات كافة.

الارتباط الدولي الأميركي
يحاول المؤلف الربط بين عدة عوامل ساهمت في دفع الحركة التغريبية بالسعودية متعلقة بالمجال الدولي والتي عنونها تحت "الأسباب الخارجية للتغريب"، والتي أشار فيها إلى هيمنة القطب الواحد -الولايات المتحدة الأميركية- بعد سقوط الاتحاد السوفياتي 1989 على العالم، والتي أشار لها تحت نقطتين، الأولى أن حركة التغريب لم تنشط ولم تعاود العمل في المجتمع، وترتب صفوفها من جديد إلا بعد التسعينيات الميلادية، أي بعد هيمنة القطب الواحد، النقطة الثانية ازدادت حركة التغريب وقويت جرأتها بعد دخولها المنطقة باحتلال العراق في عام 2003.

ويمضي المؤلف في استعراض الأسباب الخارجية التي دعمت تيار التغريب بالسعودية (حسب وصفه)، توقيع الرياض على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة في العام 2000، والذي كان له تأثير كبير في قيام حركة التغريب.

"
المرأة السعودية ما زالت تعاني التمييز في القوانين والممارسة الفعلية، والضغوط الدولية التي تواجهها الحكومة السعودية تأتي لصالح التيار التغريبي الذي تخدم أهدافه ومصالحه
"
ويعرج البداح –أثناء استعراضه للأسباب الخارجية- على أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001، والتي قال عنها "إنها سبب من أسباب قوة حركة التغريب في السعودية"، ويمضي إلى القول "إن التيار الليبرالي في الداخل استغل أحداث سبتمبر/أيلول لتحقيق أهدافه من خلال تبني الرؤية الأميركية بالنسبة للمتورطين في الحادث، ويصر على أنهم سعوديون".

ويختتم في جزئية تلك الأسباب بالضغوط الدولية التي تواجه السعودية بسبب نظامها الاجتماعي المتعلق بالمرأة، ضغوط شديدة، سواء أكانت من الدول أو الهيئات من المنظمات الدولية، واستند على تقارير منظمة العفو الدولية في الأعوام 2006 حتى 2008، والتي أوضحت أن المرأة السعودية ما زالت تعاني التمييز في القوانين والممارسة الفعلية، وأكد البداح أن الضغوط الدولية التي تواجهها الحكومة تأتي لصالح التيار التغريبي الذي تخدم أهدافه ومصالحه.

تفصيل مجالات العمل النسوية
لعل هذا الجزء من الكتاب يعد الأكثر سخونة فيه، حيث يفصل المؤلف المطالب لدعاة التغريب –كما يسميهم- في مجالات العمل كافة، ففي مجال السياسة تدعو الحركة التغريبية إلى تولي المرأة رئاسة الدولة، ورئاسة الوزراء، وأن تكون وزيرة، كما تدعو إلى عمل المرأة في المجال الدبلوماسي، وفي مجال التعليم تدعو الحركة إلى التعليم المختلط بين الجنسين، وإلى فتح مجالات دراسة الهندسة والإعلام والموسيقى للمرأة، كما تدعو إلى إلغاء المناهج التعليمة الحالية خاصة التربية الإسلامية.

وفي مجال العمل تعددت –وفقاً للكتاب- المطالب ما بين عمل المرأة السعودية مضيفة طيران، ومندوبة مبيعات، وعاملة فندقية، وإلى إدخالها في مجال الجندية والشرطة، وإلى فتح مجالات العمل لها في مهن أخرى كالسباكة والنجارة.

وفي مجال الفن تدعو الحركة التغريبية إلى أن تكون المرأة السعودية، ممثلة ومغنية ومذيعة، وعارضة أزياء، أما في فيما يتعلق بمجال الرياضة فدعت الحركة إلى فتح المراكز الرياضية، ومشاركتها في الألعاب والفرق الرياضية، وإلى السماح لها بحضور المسابقات الرياضية.

"
نجح التيار التغريبي في استصدار قرار بإلغاء الرئاسة العامة لتعليم البنات ودمجها مع تعليم البنين, وفتح تخصص لتدريس الفتيات الإعلام، وأدخلوا الرياضة في كليات البنات الخاصة، وفتح باب الابتعاث الخارجي للبنات
"
ويضيف في جزء آخر من كتابه ما أسماه أساليب دعاة التغريب في الدعوة إلى عمل المرأة السعودية، وهي على النحو التالي: الإصرار وكثرة طرق الموضوع، والمبالغة في الطرح، وطرح القضية بكل جرأة، واستخدام العلماء ورموزهم، وتجاهل بطالة الشباب، والمغالطة في الطرح، والاستخدام المسيس للشعارات الإسلامية في عمل المرأة، وتجاهل الآثار السلبية لخروج المرأة للعمل.

وفي سياق متصل، ركز الكاتب على ثلاثة نجاحات حققها التيار التغريبي من المطالب السابقة وتحققت على أرض الواقع وهي (مجال الإعلام، ومجال التعليم، ومجال العمل)، فعلى سبيل المثال في التعليم، تمكنوا بعد أربعين سنة من استصدار قرار بإلغاء الرئاسة العامة لتعليم البنات ودمجها مع تعليم البنين, وفتح تخصص لتدريس الفتيات الإعلام، وأدخلوا الرياضة في كليات البنات الخاصة، وفتح باب الابتعاث الخارجي للبنات (خريجات الثانوية العامة) للولايات المتحدة الأميركية وأوروبا, بالإضافة إلى حصول الاختلاط في الكليات الخاصة في سابقة لم تعرف من قبل في قطاع التعليم.

الأسباب الداخلية لحركة التغريب
تحت هذا العنوان عدّد البداح الأسباب الداخلية التي دعت إلى قيام حركة التغريب في المجتمع السعودي ونشاطها، منها المظالم الواقعة على المرأة، حيث يقول "من الإنصاف القول بأن هناك مظالم تقع على المرأة نتيجة بعض الأعراف والتقاليد، أو تسلط الأولياء وضعف الوازع لديهم ومن تلك المظالم: المنع من الميراث، والعضل، والحجر، والاستيلاء على المهر، ومعاناة المطلقات والأرامل، والعنف الأسري، والتحرش والابتزاز الجنسي.

ووضع المؤلف تراجع العمل الدعوي في السعودية من ضمن أسباب انتشار حركة التغريب، وتحت أكثر من تسعة مبررات فسر ذلك الضعف وربطه بالانتشار التغريبي من ضمنها: إغلاق مؤسسة الحرمين الخيرية، وتوجس المحسنين من العمل الدعوي، وتقليدية الأساليب الدعوية، وتشرذم الصف الإسلامي الداخلي، وحزبية المؤسسات الدعوية، وعدم نضج بعض القيادات الدعوية، وندرة القيادات الإدارية الناجحة، وضعف القيادات الدينية.

عوائق أمام التغريبيين

"
التحالف بين المؤسستين الدينية والسياسية التي قامت عليها الرياض، يعد "من أشد العقبات التي تواجه حركة التغريب في المجتمع ويقطع الطريق عليها في هذا التحالف
"
يركز المؤلف أن المكانة الدينية للسعودية تقف عائقاً أمام حركة التغريب وأهدافها، وحول العائق الثاني يشير إلى أن بقاء التحالف بين المؤسستين الدينية والسياسية التي قامت عليها الرياض، يعد "من أشد العقبات التي تواجه حركة التغريب في المجتمع ويقطع الطريق عليها في هذا التحالف.

ويستند المؤلف إلى تدين المجتمع المحلي ويعتبره قوة أمام التغريبيين –بحد وصفه- مستشهداً بالانتخابات البلدية التي عقدت في 2004، حيث كانت الغلبة للمنتمين للتيار الديني، ولم يحظ التغريبيون بكرسي واحد في مناطق السعودية.

توصيات للمواجهة
أدرج البداح عدة توصيات -في دراسته المطولة (حركة التغريب في السعودية .. تغريب المرأة نموذجاً)- لمواجهة التيار التغريبي منها: دعوة العلماء والدعاة والمفكرين إلى أهمية استغلال وسائل الإعلام وتوجيهها إيجابياً، وكذلك تشجيع المحاضن النسائية الدعوية ودعمها مالياً ومعنوياً، ومواجهة حركة تغريب المرأة وفق خطة علمية ومدروسة تشتمل على وسائل وأهداف، تستهدف حركة التغريب في مراحلها القادمة وبشكل أكبر جهازي التعليم والقضاء، مع ضرورة التنبه إلى خطوة التحالف الليبرالي الشيعي ضد المنهج السلفي ورموزه.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك