عرض/ سكينة بوشلوح

أسئلة ساخنة حاضرة في الذهن الإسلامي المهتم بمستقبل ما يعرف بالإسلام السياسي، لم تر إجاباتها النور في فضاء الفكر الإسلامي، نظرا لنقص الباحثين المتخصصين بين النخب الإسلامية من جهة وإصرار معظمهم على الاحتفاظ بعادة الاعتماد على التحليل الساذج بما يبدو مخالفا للحقيقة أو مشحونا بالأوهام والمغالطات.

ومنه جاء هذا الكتاب للإجابة على أهم الأسئلة المطروحة في أفق الإسلاميين قبل وصولهم إلى السلطة في الجزائر، وقد جعل النذير مصمودي حركة مجتمع السلم المعنية الأولى بهذا الكتاب وأسئلته بحكم قربه من مصادر توجيهها الفكري والسياسي منذ تشكلها الدعوي كجماعة إسلامية ناشئة، ولأنها الأكثر طموحا في الوصول إلى السلطة.

وخلافا لسطحية التناول الإسلامي السائد لمواضيع الدولة والديمقراطية، حاول الكاتب الخوض في عمق هذه المواضيع ورصد إشكالاتها المتجذرة في الفكر الإسلامي المعاصر.

هل يصل الإسلاميون إلى السلطة في الجزائر؟
للإجابة على هذا السؤال فضل الكاتب تقديم نبذة تاريخية عن التغيير الحاصل في الفكر الحركي الإسلامي منذ ظهور جماعة الإخوان المسلمين، وما تلاها من جماعات وتنظيمات إسلامية تمثل في عمقها الفكري امتدادا لجماعة الإخوان وصدى مباشرا لسعيها الإستراتيجي في الإصلاح والتغيير وإنجاز الحل الإسلامي.

-الكتاب: بعد الرصاص الإسلاميون والأسئلة الساخنة
-المؤلف: نذير مصمودي
-
عدد الصفحات:191
-الناشر
: الشروق للإعلام والنشر, الجزائر
-
الطبعة: الأولى/2010

 
غير أن الظروف السياسية والأمنية التي أعقبت اغتيال حسن البنا، وما تلاها من صدامات بين الإخوان والنظام الناصري، أحدثت انعطافا جذريا في فكر الجماعة جعلتها أكثر تشددا بالدعوة إلى الجهاد والعمل المسلح، وهو ما كان له تأثير واسع في الفكر الحركي عبر التنظيمات الراديكالية التي اعتمدت هذا الأسلوب كوسيلة للتغيير وإقامة الدولة الإسلامية، بدءا بالتجربة العنيفة التي خاضتها جماعة الإخوان في سوريا مطلع الثمانينيات، ثم في مصر بعد اغتيال أنور السادات ومهاجمة السياح ومحاولة اغتيال الرئيس حسني مبارك في أديس أبابا، وانتهاء بالصدام الدموي الأعنف بين الجماعات المسلحة في الجزائر والنظام الجزائري إثر إلغاء نتائج انتخابات 1992 التي فازت بها جبهة الإنقاذ الإسلامية.

ويرجع الكاتب انتشار الثقافة الإخوانية في الجزائر المستقلة، إلى عودة الطلبة المتأثرين بالتجربة الإخوانية وكذا البعثات المصرية التي قدمت إلى الجزائر من أجل التدريس، دون إهمال نشاط جمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي تمكنت بعد فترة قصيرة من توسيع نشاطها عبر مساجد العاصمة، متخذة من نادي الترقي مقرا لها، فشكلت بذلك أول نواة لما يمكن تسميته بالمعارضة الإسلامية في الجزائر، وهو ما أدركته السلطة في ذلك الوقت حيث منعها الرئيس بومدين من مزاولة نشاطها سنة 1965 بعد دعوتها إلى إطلاق سراح الإخوان المسلمين المحاكمين في مصر، وعلى رأسهم سيد قطب.

وبتشجيع من المفكر الجزائري مالك بن نبي، بادرت مجموعة من الطلبة بتأسيس أول مسجد للطلبة بجامعة الجزائر، وهو ما اعتبره المحللون بداية التحول في طبيعة الحركة الإسلامية باعتمادها على العنصر الطلابي، فقد لعب المفكر دورا كبيرا في الاستجابة لتطور الحركة الإسلامية، خصوصا وأنه كان مطلعا على التجربة الإخوانية وداعيا إلى تطويرها بما كان يسميه بالفكر المعاصر، فتبلورت أربعة اتجاهات رئيسية:

- الاتجاه الإصلاحي السلفي ممثلا في فكر جمعية العلماء المسلمين.

- الاتجاه الإخواني بشقيه المحلي والعالمي.

- جماعة الدعوة والتبليغ بأصولها الدعوية الباكستانية المعروفة.

- الاتجاه الصوفي الموروث عن الحركات الصوفية في الجزائر.

وهي الاتجاهات التي خرجت بالدعوة من أسوار الجامعة إلى الأوساط الشعبية الواسعة.

ويؤكد الكاتب أن الانفتاح السياسي التعددي الذي حدث في أواخر الثمانينيات، وما تبعه من انفراج الحريات، حال دون توجه الحركة الإسلامية في عمومها إلى استعمال القوة والعنف لإزالة النظام، خصوصا أمام التضييق السياسي والقمع الأمني الذي كانت تتعرض إليه بين الحين والآخر. ولعل الفترة التي قضاها الشيخ محفوظ نحناح في السجن، هي التي وفرت له الوقت الكافي لمراجعة خطه الدعوي وحملته على الاقتناع الطوعي بالعمل السلمي حفاظا على الحركة الإسلامية الناشئة وعدم المجازفة بتوريطها في مواجهة غير متكافئة.

وبالفعل فقد أفاد هذا المنهج حركة مجتمع السلم في مجال الكسب الجماهيري، حيث ساهم في ترشيد الفكر الإصلاحي وتبديد أوهام القنوط من مناهج التغيير بالوسائل السلمية الهادئة، فتجارب العمل المسلح كوسيلة للوصول إلى السلطة، أفضت في الجزائر وغيرها من البلدان العربية إلى نتائج كارثية.

إلا أن الكاتب يستهجن وصول حركة مجتمع السلم إلى السلطة في الجزائر سنة 2012، كما توقع رئيسها الحالي، فالحقيقة تثبت أن التجربة التعددية في الجزائر، لم تصل إلى آليات ثابتة وواضحة لتنظيم التنافس السياسي أو إعادة بناء الدولة ونظامها، بالطريقة التي تحولها إلى أداة لتحقيق التداول السلمي على السلطة بحرية ونزاهة، وكذا عجز الأحزاب السياسية على بناء المؤسسات المدنية القوية للمشاركة في اتخاذ القرار وممارسة الرقابة، بل وعجزها عن بناء ذاتها سياسيا وتنظيميا خارج نموذج النظام الذي تزعم أنها جادت لمعارضته وتغييره، فمن السابق لأوانه، أن يتحدث الإسلاميون عن الوصول إلى السلطة في الجزائر.

"
تقرب النظام الجزائري من الإسلاميين كان محاولة لاستيعابهم كقوى اجتماعية كبيرة لتحقيق هدفين لا علاقة لهما بالإصلاح السياسي، أولهما إضعاف التيارات اليسارية داخل الجماعة الوطنية، وثانيهما اختراق حدود الحزب الواحد السابق
"
ويكشف المؤلف أن هاجس تكريس شرعية النظام ومؤسساته ونخبه، كان مقدما على هامش التصحيح السياسي الحقيقي، فتقربه من الإسلاميين كان محاولة لاستيعابهم كقوى اجتماعية كبيرة لتحقيق هدفين لا علاقة لهما بالإصلاح السياسي، أولهما إضعاف التيارات اليسارية داخل الجماعة الوطنية، وثانيهما اختراق حدود الحزب الواحد السابق واحتواء قواعده بعد التأكد من ترهله التنظيمي وفساده السياسي.

والحقيقة الواضحة التي ينبغي وعيها في هذا السياق، أن كل البلدان العربية ما زالت مصرة على عدم السماح للإسلاميين بالمشاركة المؤثرة في الحكم، وهو ما يعني أن حصاد تجربة الحركة في المشاركة ينبغي أن يبقى ضمن أهداف التمرن على إدارة شأن الدولة، والتخفيف من أوزار الفساد الذي شوه الثوب الحكومي في جل الأقطار العربية.

الإسلاميون وشعار دولتهم
يشير الكاتب إلى أن التنظيم الإسلامي عجز منذ عشرينيات القرن الماضي عن تقديم نموذج معرفي دقيق للدولة الإسلامية التي يتحدث عنها الإسلاميون، والسبب يرجع إلى ارتباط صورة الدولة في أذهانهم بنماذج تاريخية معينة.

والجدل في الوسط الإسلامي الجزائري حول هذا الموضوع، أفضى إلى بروز اتجاه إسلامي جذري سعى عن طريق الثورة، إلى إعادة بناء الدولة والنظام السياسي على أساس استلهام الأفكار والمبادئ الإسلامية من الشريعة والتراث، دون الحاجة إلى اجتهادات بشرية، وهو الاتجاه الذي برز بقوة من خلال شعار "لا ميثاق لا دستور قال الله قال الرسول"، الذي رفعه أنصار جبهة الإنقاذ في حملاتهم الانتخابية.

وفي المقابل اتجاه وسطي معتدل لا يرى في الحزب الإسلامي نفيا للدولة الوطنية القائمة بقدر ما يعبر عن فكرتها الأساسية ومرجعياتها التاريخية لتأسيسه، ومن ثم يعتبر شعار الدولة الإسلامية مجرد ورقة انتخابية أوجدتها جبهة الإنقاذ لاحتضان الصحوة الإسلامية.

إلا أن الكاتب برر رفع حركة مجتمع السلم شعار الدولة الإسلامية في تلك الفترة، لمواجهة الموجات التغريبية المتجهة لفصل الدين عن الدولة، رغم أن مروجي هذا الشعار لم يملكوا تصورا عميقا للدولة التي يتحدثون عنها، مكتفين بإسقاط نموذج الخلافة دون أي اهتمام بالواقع السياسي والاجتماعي ومشكلاته المعقدة.

وصار لزاما على الحركة -بعد انخراطها في العمل السياسي والمشاركة في السلطة- التخلي عن هذا الشعار، ومع ذلك، فإن الخطاب السياسي للحركة ما زال يحتوي على جرعات أخلاقية ودينية عالية بالمقارنة مع الأحزاب الأخرى، وما زال حضورها انطلاقا من مرجعيتها الإسلامية متميزا في معارك الهوية، لذلك يطرح المحللون عدة أسئلة لعل أخطرها في نظر العلمانيين هو: هل تخلي الحركة عن موضوع الدولة الإسلامية يتعلق بالمسار غير المعلن للوصول إلى السلطة، ثم تطبق برنامجها الإسلامي، أم هو خيار مبدئي واعتبار الدولة القائمة دولة مدنية بمرجعية إسلامية؟

"
التنظيم الإسلامي عجز منذ عشرينيات القرن الماضي عن تقديم نموذج معرفي دقيق للدولة الإسلامية التي يتحدث عنها الإسلاميون، والسبب يرجع إلى ارتباط صورة الدولة في أذهانهم بنماذج تاريخية معينة
"
والحقيقة أن هذه التهمة موجهة لأغلب الأحزاب الإسلامية في العالمين العربي والإسلامي، نظرا لتخوف الحكومات من استخدام تلك الجماعات للانتخابات كوسيلة للوصول إلى السلطة ثم الانقلاب عليها، ناهيك عن الموقف الأميركي الرسمي الضاغط باتجاه منع الإسلاميين من الوصول إلى السلطة، رغم بعض الأصوات المنادية بضرورة التفريق بين الإسلام المتطرف والعنف مقابل الإسلام المعتدل، وحاجة الولايات المتحدة إلى دعمه في إطار الفرضية القائلة إن دمقرطة الشرق الأوسط هي الطريق الأمثل لمحاربة الإرهاب.

ورغم ازدواجية موقف الأميركيين وتذبذب نظرتهم الإستراتجية، بدؤوا يميلون شيئا فشيئا إلى تفضيل التمثل بالنموذج التركي، وهو ما يبدو محاولة لعلمنة الإسلام باعتبار الفوارق الجوهرية بين الحالة التركية والحالة العربية، من حيث التفاوتات الكبيرة في السياسة والاقتصاد القائمة لدى الأتراك على الرأسمالية بطبعتها الليبرالية الغربية، والاجتماعية القائمة على الحرية بمعناها الغربي، والعلاقة الجيدة مع الدولة العبرية.

والإسلاميون الجزائريون في نظر الكاتب، لا يملكون الجرأة على التمثل بالنموذج التركي أو محاولة "تعريبه"، ومن هنا يكبر دور الحركة الإسلامية وحركة مجتمع السلم تحديدا، في التنظير والاجتهاد ليس اعتمادا على النموذج المقترح من طرف الغرب، إنما انطلاقا من فكرة المقاصد الشرعية الكبرى، وليس أفضل من القبول بالدولة الوطنية القائمة والعمل من خلالها ومعها على توليد التأمين المطلوب لحقوق المواطنين وحرياتهم، والتنازل ليس عن شعار الدولة الإسلامية فقط إنما أيضا عن صفة "إسلامي" لصالح أن تكون صفة مشتركة بين كل المواطنين.

الرهان الصعب والحقيقة المرة
إن ما يحدث من صراعات وانقسامات داخل الصف الإسلامي بكل فصائله، هو ما ينبغي الاعتراف به كحقيقة عمقت أزمة الإسلاميين وكشفت عن افتقارهم للعمل الجماعي الذي لا بد منه لإنجاز أي مشروع تاريخي كبير.

ولا يمثل النموذج الجزائري بكل أشكاله أي خروج عن هذه الحقيقة. ومن هنا يؤكد المؤلف أن معظم بواعث الصراع القيادي الذي قسم الحركة في نهاية المطاف إلى قسمين، لم تكن في الواقع إفرازا طبيعيا لما يمكن أن ينتج عن حالة الاختلاف الطبيعي في الرأي والفكر، بقدر ما كانت محصلة سنوات كاملة من الصراع الخفي على المصالح واستعمال منطق التحدي المتبادل والنزوع إلى عزل عوامل التلاقي والانخراط في لعبة الإقصاء والتهميش، ولعل رحيل مؤسس الحركة الشيخ نحناح كان السبب الأعظم في تفجير الصراع القيادي من بعده، وهذا يثبت أن الحركات الإسلامية التي تنشأ متمحورة حول رجل واحد غالبا ما تجد نفسها بعد رحيله عاجزة عن ضمان الاطراد والمواصلة.

"
تفاقم الأزمات التي تعيشها الحركات الإسلامية المعاصرة، هو تعبير مباشر ومستمر عن تفاقم أزمة الاجتماع السياسي الشاملة التي تعاني منها الأنظمة والمجتمع معا
"
ومهما اختلفت الأسباب والوقائع، فهي تعكس أزمة المجتمع الجزائري ذاته وأزمة نظامه السياسي، الذي عجزت نخبه عن بناء سلطة (محترمة) يمكن أن تحظى بالإعجاب، وتؤمن استمراريتها بإعادة بناء آليات النظام بعيدا عن نظرية "الشرعية التاريخية"، كما تعكسها حالة الأحزاب الأخرى وعلى رأسها حزب جبهة التحرير الوطني، العاجز عن توخي الانبعاث الموصول في صفوفه بعيدا عن أسر التاريخ، رغم تجدده بالشباب والطاقات الحية.

خلاصة القول، إن تفاقم الأزمات التي تعيشها الحركات الإسلامية المعاصرة، هو تعبير مباشر ومستمر عن تفاقم أزمة الاجتماع السياسي الشاملة التي تعاني منها الأنظمة والمجتمع معا.

أفلا يعني فشل الأنظمة وعجزها عن تقديم بديل منظور، حرمان المجتمع كله من فرصة تغيير وجوده السياسي والاجتماعي والاستفادة من إمكاناته المادية والروحانية التراثية المتوفرة؟ ثم ألا يعني كل ذلك حرمانه من الدخول إلى الدورة الحضارية، التي تشكل الصحوة الإسلامية المعاصرة أحد أهم مقوماتها الأساسية، وحرمانه بالتالي من فرص التقدم والإنتاج؟

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك