عرض/ وديع عواودة
 
"إنها مجرّد منفضة" الجزء قبل الأخير من السيرة الذاتية. هذا عنوان ساخر اختاره الشاعر سميح القاسم لكتاب ذكرياته وهو إلى حد بعيد يجسّد سيرة فلسطينيي الداخل الذين بقوا على أرضهم رغم صنوف التنكيل الإسرائيلي وفي نفس الوقت لم ينجوا من ظلم ذوي القربى.
 
سميح القاسم يرى في نفسه شاعرا عربيا أمميا يكتب سيرته على غرار قصائده بلغة السهل الممتنع، يعتمد فيها تارة التصريح وتارة أخرى يكتفي بالتلميح، وفيها يخاطب أناه ويحدثها عما حصل بسرد روائي يزينه بكثير من النوادر و"النهفات".
 
-الكتاب: إنها مجرد منفضة.. سميح القاسم
-المؤلف: سميح القاسم
-عدد الصفحات: 450
-الناشر: دار النشر "راية", حيفا
-الطبعة: الأولى/نوفمبر 2011
رغم المرارة والأسى الملازمة لكثير من فصول السيرة يحافظ الكاتب على روح المرح والنكتة وإن كانت أحيانا سوداء. كيف لا وهو يكتب عن النهايات مسكونا بهاجس الرحيل لحد البوح بأنه قد بادر لتحديد مكان استراحة جسده في موقع ما من محيط بلدته الجليلية الرامة.
 
سميح القاسم المولود عام 1939 في مدينة الزرقا الأردنية حيث كان والدُه ضابطا في قوّة حدود شرق الأردن، يعود في ذكرياته إلى عام 1948، عام النكبة  إلى "الجرح الذي لا يزال نازفًا بعدم التَّصديق والخيبة والمرارة والصّداع".
 
يجري الشاعر في مقدمة سيرته حوارا مع ذاته حول نفسه وعن حقيقة جدوى السيرة الذاتية ومدى دقتها وموضوعيتها وحول أفضل الطرق للبدء فيها ويبرر عدم اعتماده السرد الكرونولوجي الممل والملتزم بالتسلسل الزمني بقوله إنه ليس مؤرخا ولا أكاديميا، مؤثرا الاسترسال العفوي: "... أنتَ لا تُدوِّن تاريخًا ولا تلتزم التدرّج الزمنيّ. هي أخبار سمعتَها وقصاصات قرأتَها وذكريات تتدافع. ولأنَّكَ لا تكتُب وعيناكَ على الرزنامة فخيرٌ لك أن تُسجّل ما يحضرك، لأنّ النسيان لكَ بمرصاد..".
 
طفولته البائسة المصعوقة بالنكبة لا تعني بالضرورة طفولة الحرمان من الثياب والأحذية الجديدة والطعام والحلوى والسرير المريح واللعبة الجميلة والبيئة المحبّة المتعاطفة المتجانسة فهو يتحدث عن حرمانه وجيله من الروح لا المادة، من هيمنة ثقافة المحتلين الذين استماتوا في طمس الهوية الوطنية لشعبه.
 
ويستعرض الشاعر الذي وضع أول قصيدة وهو في الرابعة عشرة كيف سقطت بلدته، الرامة المسكونة بعدة طوائف، في الجليل بعدما داهَمَها اليهود، جمعوا رجالها في ساحتها وهم يطلقون النار في الهواء ويشير إلى رفض سكانها الدروز إبقاءهم وطرد إخوانهم المسيحيين ليفشلوا لاحقا في ممارسات "فرق تسد" الإسرائيلية.
 
وضمن مسلسل ملاحقته يكشف القاسم عن محاولة أفشلها أقاربه في آخر لحظة لمغادرة البلاد بحثا عن أفق جديد في لحظة ضجر وغضب عام 1958 عقب تضييق الخناق عليه عقب تراكم تهديده وعائلته ومنعه من المشاركة في مهرجان شعري وهي لحظة كادت تفضي به إلى طريق سلكها زميله لاحقا محمود درويش.
 
"أيام الحاجة"
ويسرد القاسم ملاحقة السلطات الإسرائيلية له ولرفاقه الشعراء والكتاب في سنوات الستين والسبعين من القرن الماضي باعتقاله عدة مرات وإبعاده عن سلك التدريس وإبعاده عن قريته.
 
ويتوقف مطولا عند مدينته المدللة، حيفا، التي انتقل إليها شابا في مقتبل العمر وتعرف فيها على الشاعر الراحل محمود درويش وغيره وهناك التحق بالحزب الشيوعي وعمل في وسائل إعلامه بعدما اكتوى بنار البطالة.
 
في تلك الفترة واجه سميح القاسم ومحمود درويش ورفاقهما الكثير من الحرمان والضيق بعكس ما جاء في المسلسل الدرامي "في حضرة الغياب".
 
"
واجه سميح القاسم ومحمود درويش ورفاقهما الكثير من الحرمان والضيق بعكس ما جاء في المسلسل الدرامي "في حضرة الغياب"
"
يروي سميح بعض ذكريات أيامه المشتركة مع الراحل محمود درويش في حيفا يوم جمعتهما زمالة القصيدة والعمل في صحف الحزب الشيوعي ويشير إلى شظف حياتهما وإلى "أيام الحاجة" بكثير من الحسرة والدعابة ولا سيما أنهما راحا في شبابهما يوظفان قدرتهما على نحت الشعر من أجل "ابتزاز" ما يسد رمقهما وإسكات عصافير بطنيهما.
 
في واحدة منها يروي:
ذاتَ يوم شكوتَ لمحمود جيوبك الخاوية، فبادلك الشكوى بأختها. وسخر منكما زميلكما علي عاشور: نحنُ بجوار سوق الخضار. عبّئا صحّارةً من البلاستيك أو صندوقًا خشبيًّا بمختارات من شعركما الحديث وانزلا إلى السوق فقد تبيعان شيئًا يوفّر لكما ثمن وجبة الغداء!
لم ترقكما الفكرة. واقترح عليك محمود أن تستدين من محمد خاص.
وَقفتَ بين يدي محمد منشدًا:
يا محمّد
 يا أميرًا. يا ابن مَن كانت وتبقى
 أبَدَ الدّهرِ أَميره
 أعطنا خمسينَ ليره!
نظر إليكما محمد شزرًا وتمتم:
أنا فقير مثلكما فانصرفا عنّي!
 لم تيأس. وهتفت:
  يا محمَّد
  يا فقيرًا وابن مَن كانت وتبقى
  أبَدَ الدّهرِ فقيره
  أعطنا.. عشرين ليره!
 لقد خَفَّضتَ المبلغ من خمسين ليرة إلى عشرين ليرة. غير أنّ هذا "التنازل" لم يهزّ مشاعر محمد خاص الذي صرخ فيكما:
 - أُغربا عن وجهي!
 وعُدتَ إلى مواجهته، باحثًا عن "استعطاف" جديد، لكنّه استبقَ كلامك قائلاً:
 - معي عشر ليرات. خذاها. وأمري لله!
 وحين استفسرتماه عن سرّ تحوّله هذا المفاجئ فقد قالَ بيأس:
 - بعدَ قافية أمير وأميرة، فقير وفقيرة، جاءَ دور الحقير والحقيرة.. فقرّرتُ النجاة بجلدي وبجلد أمي.. خذا الليرات العشر وأجري على الله!
 
وانعكست ذكريات العوز والفقر المرّة بقصيدته "خِطاب مِن سوق البطالة" واشتهرَت لاحقًا باسم "سأُقاوِم". وكانت أيضا قصيدة يقول فيها:
 حَمَلتُ الجوعَ زُوَّاده
 وَرُحْتُ مُبكِّرًا للشُغلِ كالعاده 
 فلَم أعْثُر على عملي
 وَلا وَردي وَلا خُبزي ولا أَمَلي
 أَنا جُنديُّكِ المجهولُ يا أسوار طرواده!
 
بين شقي البرتقالة
وفي الفصل الخاص بعلاقاته مع محمود درويش التي شهدت انعطافات مختلفة يروي قصة الرسائل المتبادلة بينهما وأطلق عليها الكاتب محمد علي طه عنوان "رسائل بين شطري البرتقالة" أيام كانت تنشر في صحيفة، "اليوم السابع" في باريس وفي صحيفة "الاتحاد" الحيفاوية.
 
"
بدأت الرسائل بين القاسم ودرويش لعبةً بين صديقين، لكنّ الإقبال الواسع لدى القرّاء على مُتابعة هذه الرسائل، جعلها ظاهرة "أدبية" استثنائية آنذاك
"
القاسم الذي كان يفاخر ببقائه في الوطن ويأخذ على محمود درويش هجرته له يوضح أنهما لم يبحثا عن فكرة تجديد أدب الرسائل.. وكل ما في الأمر هو أنّ الضرورة دفعتهما إلى هذا الشكل من أشكال التواصل نتيجة البعد والفراق عقب رحيل محمود من البلاد عام 1971.
 
ويضيف" في واقع الأمر فقد بدأ الأمر لعبةً بين صديقين، لكنّ الإقبال الواسع لدى القرّاء على مُتابعة هذه الرسائل، جعلها ظاهرة "أدبية" استثنائية آنذاك".
 
الخدمة الإلزامية
وتتضمن السيرة الذاتية قصة فرض الخدمة العسكرية القسرية عليه وعلى الكثير من الشباب العرب الدروز من قبل الجيش الإسرائيلي بدءا من 1956 تزامنا مع العدوان الثلاثي على مصر ضمن مؤامرة التفرقة الطائفية التي انتهجتها إسرائيل.
 
وهي قصة سبق أن نشرت في الصحف ويستعرض فصول معاناته وملاحقته وسجنه بسببها مرات عديدة.
 
ولاحقا أتيح له مزاولة تعليم الجنود غير العرب وسرعان ما اتهم بدسّ السّم في الدسم والتحريض على الدولة وعلى الجيش حتى عبر دروس قواعد اللغة العربية.
 
وبعدَ اعتقاله مجددا داخل زنزانة أجبره الجيش على اجتياز دورة في التمريض وعاقبه بإرساله للعمل في غرفة الموتى في مستشفى "رمبام" في حيفا.
 
الصحافة الشيوعية
كما يشير إلى تمكنه عام 1958، مع صدور مجموعته الشعرية الأولى "مواكب الشمس"، مِن تأسيس منظمة الشبان الدروز الأحرار، شبه السريّة.. التي استمدَّت اسمَها مِن وَهج "الضباط الأحرار" في مصر، والتألُّق القومي الناصريّ آنذاك.
 
ويوثق القاسم  مشاعر صدمته لسماعه أنباء النكسة وهو داخل السجن وعلى أثرها استجاب لعرض بعض رفاقه بالانضمام رسميا للحزب الشيوعي.
 
وبعد العمل في "الغد" و"الاتحاد" تفرّغ لرئاسة تحرير مجلّة "الجديد"، التي أصبحت بجهودٍ مُشتركة مع صليبا خميس وتوفيق زياد ومحمود درويش وآخرين، المحور الأساسي والمركزي للحركة الثقافية العربية التقدّمية لدى فلسطينيي الداخل المحاصرين طيلة "عقود باهظة".
 
في عام 1968،  شارك القاسم ومحمود درويش  في مهرجان الشباب العالمي في صوفيا وهناك أيضا شعرا بالحرج لمشاركتهما ضمن الحزب الشيوعي الإسرائيلي رغم طابعه العربي ويكشف أنه ذهب برفقة محمود درويش والمحامي محمد ميعاري لمقابلة "سرية" مع الشاعر العراقي الجواهري ظلَّت آثارُها في نفسه إلى اليوم وتحوّلت فيما بعد إلى صداقة "جميلة نبيلة".
 
"
لم تدم عضوية سميح القاسم في الحزب الشيوعي نتيجة خلافات في الرأي وجراء اتهامات متراكمة له بالتزام مواقف قومية متشددة إضافة لمُعالجته التحوّلات الخطيرة في الاتحاد السوفياتي
"
ولم تدم عضوية سميح القاسم في الحزب الشيوعي نتيجة خلافات في الرأي وجراء اتهامات متراكمة له بالتزام مواقف قومية متشددة إضافة لمُعالجته التحوّلات الخطيرة في الاتحاد السوفياتي وسائر الأقطار الاشتراكية نهاية الثمانينيات، التي جوبِهتَ بالرَّفض والمعارضة القاطعة.
 
وقدَّم القاسم استقالته غاضبًا وآسفًا، وجاءَ الرَّد السريع بإنهاء عمله في مجلّة "الجديد" رغم الاتّفاق القديم بأنّ عمله في صحافة الحزب ليسَ مشروطًا بعضويّته فعاد لمواجهة البطالة مجددا.
 
في المقابل يوضح أنه رغم اختلافه مع أفراد من قيادة الحزب الشيوعي رفض جميع الإغراءات لتحويله عدوًّا له وينبه إلى أنه لا يغفل دوره بوصفه أول إطار سياسي بعد النكبة يرفع شعار حق تقرير المصير للشعب العربي الفلسطيني.. وحمى اللغةَ العربية والرّوح العربية مِن دعاوى مَسح الذاكرة وإلغاء الهوية وطَمس الوجود القومي والوطني والإنساني.
 
ومع ذلك يستثني القاسم في مذكراته بعض المواجهات الساخنة بينه وبين بعض قادة الحزب الشيوعي أمثال الراحل إميل حبيبي بعدما جمعتهما خصومة كبيرة. لكنه يشهد على نفسه ويقسم بالله وبكلّ ما هو عزيزٌ عليه على أنه ليس بغاضب أو بحاقد على أحد، وربما أنه عاتب فقط على من أساؤوا له.
 
وضمن مخاطبته العذال والشانئين الذين يدأبون على النبش في سيرته بحثا عما يدينه يتساءل بعد إشارة ثقافية تاريخية لافتة: هبوني خالد بن الوليد، فهل تُحاسبون الرجل على أمور تدّعون أنّها حدثت له في جاهلية العرب؟
 
تجارب السفر
وبالنسبة لسميح القاسم فالسفر ليس تواصلا ومتعة بل تجربة مفيدة فهو يقول جازما إنّ الأماكن الصغيرة تشكّل عقولاً صغيرة، و"هذا نفسه ما أقنعك بأنّ السفر ضروري ليس لمشاهدة الأمكنة والمجتمعات فحسب، بل للتفاهم معها".
 
ويسرد القاسم لقاءاته بزعماء ومثقفين عرب وأجانب خلال سفره المكثف في العالم الذي يشهد بأنه من أجمل هواياته ومن ضمن هؤلاء الزعيم الجزائري أحمد بن بلا وعشرات المثقفين  والساسة العرب والأجانب.
 
ويعرج القاسم على علاقاته الخاصة بالراحل ياسر عرفات الذي حثّه على زيارة القاهرة وعدم الاهتمام بـ"حواديت التطبيع" لكونه مندوبًا عن شعبه ووطن وأمّته وقضيّته.
 
ويتشابه القاسم مع الراحل إدوار سعيد (خارج المكان) في سرد ذكرياته بالتفصيل الشفاف الدقيق وبعدم التردد في الكشف أحيانا عن قضايا شخصية وأسرية بما في ذلك قصة زواجه، مثلما يتقاطع مع مذكرات شفيق الحوت في رواية الكثير من الدعابات و"النهفات".
 
كما يسرد ولادة  طفله الأول واسمه معه.. "محمد" تيمّنًا بالوالد، وكانت كنية "أبو محمد" لصيقة به من قبل الزواج، رغمَ أنّه الأوسط بين أشقائه ولأنّه كان يوقّع بعض مقالاته وتعليقاته الفنية بالاسم المستعار "وطن محمد".
 
وعلى المستوى الأدبي يدافع سميح القاسم عن قصائده وأسلوب كتابتها بعد جدل نشب عقب صدور قصيدته "رسالة إلى غزاة لا يقرؤون" المستلهمة من الانتفاضة الأولى معتبرا أن السهل الممتنع "هو أشد أشكال الفنون صعوبة".
 
هواجس الرحيل
ويختتم القاسم كتابه بما يوحي بهواجس النهاية المتكاثفة على وعيه هذه الأيام فيخاطب نفسه بشطحات فلسفية منها اشتق اسم الكتاب: "ها هو رمادُكَ يتساقط في منفضة العالم، منفضة الحياة الدنيا.. ها هو رمادك يتهاوى في منفضتك. وإلاّ فماذا ظننتَ يا أخي وصديقي؟ ماذا ظننتَ دُنياك أيّها الإنسان الذي أرادَ أن يكونَ شاعرًا وأيّها الشاعر الذي أرادَ أن يكونَ إنسانًا؟. ماذا ظننت؟ هل فاتَكَ أنّ دُنياكَ ليست سوى منفضة؟
 
 
"
ماذا ظننتَ دُنياك أيّها الإنسان الذي أرادَ أن يكونَ شاعرًا وأيّها الشاعر الذي أرادَ أن يكونَ إنسانًا؟. ماذا ظننت؟ هل فاتَكَ أنّ دُنياكَ ليست سوى منفضة؟
"
بَلَى. إنهّا مِنفضة.
إِنّها مُجرَّد مِنفضة..
 
ويتابع بنفس المؤمن "ها أنتَ مُنهمك بضرورة الاستعداد للحياة وضرورة الاستعداد للموت، لكنّك مؤمن بأنّه لا بُدّ من فرجٍ قريب.. بقدر إيمانك بأنّك من حياة إلى موت ومن موت إلى حياة.. ومن رملٍ إلى رمل.. ومن تُرابٍ إلى تُراب. ومن ماءٍ إلى ماء.. ومن رمادٍ إلى رماد.. ومن قمحٍ إلى ورد.. ومن كلّ شيء وأيّ شيء إليها، إلى المنفضة، فما هي إلاّ منفضة.. إنّها منفضة.. مُجرّد منفضة.. إنّها مُجرَّدُ مِنفضة!
 
ولا يستبعد القاسم وضع "الجزء الأخير" من سيرته علها تكون استكمالاً للمنقوص وتوضيحًا للغامض، "بمثل ما قد يكون انتقاصًا من الكامل أو تعتيمًا على الواضح".

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك