عرض/ أحمد التلاوي

يقدم كتاب "مدن المعرفة: المداخل والخبرات والرؤى"، رؤية حول عدد من مدن العالم التي توجهت إلى الأخذ بمعايير الاقتصاد المعرفي، أو التنمية القائمة على أسس معرفية، تعظِّم من شأن رأس المال الحضري والفكري، والتي تعتبر العنوان الأول للثورة الصناعيَّة الثالثة التي تعتمد على الاستخدام المكثف للمعلومات، بعد قرون من الاعتماد على الآلة وطاقة البخار ثم طاقة العمل وساعد الإنسان.
 
وفي حقيقة الأمر، فإنه مع دخول الإنسانية إلى الألفية الميلادية الثالثة، تبلورت فيها قناعة لدى الأمم الساعية إلى أن تجد لنفسها مكانا تحت الشمس، وهي أنه من دون تطوير مجتمع المعرفة، الذي تحدثت عنه كل خطط التنمية التي طرحتها الأمم المتحدة للألفية الجديدة، فإنها لن يمكنها الاستمرار طويلاً في سباق التنمية الذي تحول إلى حرب حقيقية في أنحاء العالم.
 
-الكتاب: مدن المعرفة: المداخل والخبرات والرؤى
-المؤلف: فرانشيسكو خافيير كاريللو (محرر)
-ترجمة: خالد علي يوسف
-مراجعة: عمرو عبد الرحمن طيبة، ومحمد سيد محمد مرسي
-عدد الصفحات: 464
-النَّاشر: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب, الكويت، سلسلة عالم المعرفة (381)،
-الطبعة: الأولى/أكتوبر 2011م
وعند النظر إلى أدبيات الأمم المتحدة، نجد أنها قد حددت مفهومَيْن رئيسيَّيْن لتحقيق النهضة والتقدم في أي مجتمع ولأية دولة أو أمة، الأول هو التنمية المستدامة القائمة على أسس مجتمع المعرفة، والثاني هو الحكم الرشيد الذي يقوم على أساس الشفافية، وإعلاء شأن سيادة القانون، واحترام حقوق الإنسان، وتوزيع السلطة وعوائد الثروة على كل أطياف المجتمع من دون تمييز.
 
والمعرفة هي الناتج العقلي لعمليات الإدراك والتعلم والتفكير، وهي تختلف عن المعلومات، ففي تقرير لليونسكو صدر في عام 2005م، بعنوان: "من مجتمع المعلومات إلى مجتمع المعرفة"، جاء أنه لا يمكن اختزال مجتمعات المعرفة إلى مجتمعات معلومات، وأنه لا ينبغي لبروز مجتمع عالمي للمعلومات، باعتباره ثمرة لثورة التكنولوجيات الجديدة "أن ينسينا أنه لا يصلح إلا وسيلة لتحقيق مجتمع حقيقي للمعرفة".
 
والكتاب مكون من ثلاثة أبواب، جاءت في عشرين فصلاً، وضعها سبعة وعشرون من علماء الاقتصاد والتنمية والمجالات ذات الصلة من جميع أنحاء العالم، وحرره البروفيسور فرانشيسكو خافيير كاريللو، أحد العلماء المتخصصين في مجال التنمية القائمة على المعرفة.
 
والفكرة الرئيسية التي تركز عليها الأوراق العلمية المقدمة في هذا الكتاب هي أن التحول إلى النموذج المعرفي للاقتصاد وفي عملية التنمية، أصبح أمرا ضروريّا من أجل تحقيق التقدم والتطور، وأن هذا الأمر لم يعد خيارا أو ترفا أو أمرا إضافيّا يمكن تحقيق التقدم من دونه.
 
مداخل معرفية
ويتناول الباب الأول من الكتاب -والذي جاء في ستة فصول- تعريف مدن المعرفة والملامح الأساسية للتنمية القائمة على المعرفة، مع إطار مقارن للمدن التي تبنت هذا المفهوم، ومراكز الأبحاث الدولية ذات الصلة، وتصنيف لما يعرف برأس المال الحضري ومبادرات تنمية رأس المال الفكري، وأخيرا تقديم مفهوم النظام الرأسمالي لمدينة المعرفة.
 
إن أول ما يتبادر إلى الذهن عند الحديث عن مدن المعرفة ومجتمعات المعرفة، هو الصناعات الفائقة للتقنية وتقنيات الحاسب والاتصالات والمعلومات، ولكن هذه الرؤية غير سليمة جزئيّا، فمجتمعات المعرفة هي تلك المجتمعات القادرة على توظيف هذه المعلومات المتاحة والتقنيات الموجودة من أجل تحسين مستوى معيشة الإنسان ورفاهيته وتقدمه في مختلف المجالات المادية والمعنوية.
 
"
تعود الأهمية المتزايدة لمجتمع المعرفة، إلى التنامي الحاصل لتقنيات المعلومات والاتصالات، في ظل العولمة، والتي ساعدت على تكوين مجتمع عالمي يتمتع بمعرفة مشتركة حول كل الموضوعات
"
أي إن المعلومات ليست هي المعرفة، فالمعلومات هي مجموعة من الحقائق المجردة، أي سلسلة من البيانات المجاورة لبعضها البعض، وعند توظيفها والاستفادة منها تتحول إلى معارف تقود الإنسان إلى الحكمة.
 
وتتميز مجتمعات المعرفة بأن مختلف الأنشطة ذات الصلة بالاقتصاد والمجتمع والثقافة ومختلف الأنشطة الإنسانية الأخرى، تعتمد على توافر كم أو قدر كبير من المعرفة والمعلومات.
 
ويشير كاريللو في هذا الجانب إلى أن مجتمع المعرفة أو اقتصاد المعرفة يتميز بأن منتجاته ليست من المواد الخام أو المواد المُصنَّعة، وإنما من المعارف غير المادية، والمرتبطة بالتقنيات الحديثة التي سمحت بتجاوز حواجز الزمان والمكان، وتحولت المعرفة فيها لأن تكون من أهم مكونات رأس المال في العصر الحالي، وأصبح تقدم أي مجتمع مرتبطا أساسا بالقدرة على استخدامها.
 
وتعود الأهمية المتزايدة لمجتمع المعرفة، إلى التنامي الحاصل لتقنيات المعلومات والاتصالات، في ظل العولمة، والتي ساعدت على تكوين مجتمع عالمي يتمتع بمعرفة مشتركة حول كل الموضوعات والإمكانيات، والتحول من فكرة الاعتمادية الأساسية على الموارد المادية والصناعات التحويلية التقليدية، إلى ما يمكن أن نطلق عليه مصطلح الموارد الثقافية، والتي وضع البعض من العلماء الموسيقى والفن وامتزاج الثقافات من ضمنها.
 
وهذه الموارد -الموارد الثقافية- هي العوامل التي تدفع لنمو المجتمعات على المستوى الإستراتيجي ككل.
 
والمعرفة المشار إليها هنا -كما يذكر الكتاب- أيضا أوسع من مجرد معرفة التقنية، أو المعرفة بمعناها المرتبط بالرَّقْميات، وإنما هي معنى أوسع وأكثر ارتباطا بممكنات حضارية أخرى، ترتبط بالتوسع القائم في حركة التمدن في العالم، فالمعرفة توجد، كما توجد على الحواسيب في القوانين والتشريعات المكتوبة والقواعد الأخلاقيَّة، وكذلك في آراء الناس ومعتقداتهم، وفي الكلمات التي يستخدمونها.
 
والمجتمعات التي اعتمدت على التنمية بالمعرفة، عالجت الكثير من المشكلات الموجودة مثل سوء توزيع الموارد الاقتصادية، وبالتالي معالجة الكثير من المشكلات الاجتماعية الناجمة عن إحساس مجموعة من الأفراد بالظلم وعدم المساواة داخل المجتمع، وهي بدورها كانت عوائق مهمة أمام التنمية.
 
تجارب وخبرات مدن المعرفة
الباب الثاني -والذي جاء في ثمانية فصول- عرض تجارب وخبرات عملية لعدد من المدن التي أخذت بمفهوم التنمية القائمة على المعرفة، وجنت ثمار هذا التحول نحو النموذج المعرفي للتنمية، وتناول كل فصل من فصول الكتاب الثمانية مدينة من هذه المدن، وهي: سنغافورة، وبلباو الإسبانية، وحولون الإسرائيلية، ومانشستر الكبرى البريطانية، وفينيكس الكبرى بولاية أريزونا الأميركية، ومونتيري المكسيكية، وريجيكا الكرواتية، وأخيرا كريستيانا الفرنسية.
 
"
من السمات المشتركة لمجتمعات مدن المعرفة، أن المعرفة حرة ومجانية، ويجب أن تظل كذلك من أجل صالح المجتمع، وتحقيق المزيد من التطور لهذه المعارف
"
ومن خلال رصد معالم تجارب المراكز والقرى الذكية والمعاهد العلمية العاملة في مجالات الثقافة والمعرفة المختلفة، التي وردت في هذه النماذج التي قدمها الكتاب، فإن هناك مجموعة من السمات المشتركة لمجتمعات مدن المعرفة، ومن بينها أن المعرفة حرة ومجانية، ويجب أن تظل كذلك من أجل صالح المجتمع، وتحقيق المزيد من التطور لهذه المعارف.
 
سمة أخرى مشتركة بين هذه التجارب تتمثل في الاهتمام بالتعليم، وتحسين مستواه بما يخدم مشروع مدينة المعرفة، وذلك ضمن منظومة تراعي مختلف المراحل التعليمية، وأنواع التعليم المختلفة، النظامي وغير النظامي، مع الاستثمار في التقنية الجديدة كجزء من تطوير عملية التعلم، وهو أساس تطوير رأس المال البشري، الذي هو بدوره أساس رأس المال الحضاري كما تناولته الدراسات التي تضمنها الكتاب.
 
وتعتبر سمة الاهتمام بالتعليم الأهم فيما ذكر من تجارب، وركزت عليه الأوراق التي تناولت تجربة مدينة حولون في إسرائيل ومانشيستر في بريطانيا.
 
وكذلك تحسين البنية التحتية للمدن المراد تطويرها لتحمل صبغة نموذج المدن المعرفية، والبنية التحتية هنا لا تقتصر على المفهوم التقليدي، من شبكات الكهرباء والمياه النظيفة والاتصالات، بل تتجاوز ذلك إلى آفاق أخرى، مثل توفير شبكة من المكتبات والمتاحف والمعاهد والمؤسسات الثقافية الأخرى.
 
كما لوحظ في هذا النموذج إعطاء أهمية خاصة للبيئة والعناية بها في هذا المجال، أو ما يعرف بالتنمية المستدامة، أي تلك التي تُعطي البيئة اعتبارها عند التخطيط للأنشطة التنموية المختلفة.
 
رؤى ومقترحات
أما الباب الثالث -وجاء في ستة فصول- فقد قدم عددا من الرؤى والمقترحات التي يمكن أن تساهم في إنجاح تجارب مدن المعرفة، ومن بين ذلك: الاهتمام بالصناعات الفائقة التقنية، والاهتمام الأصيل بمراكز البحث العلمي والمراكز الثقافية والحضارية، مثل المتاحف ومراكز البحوث والمعلومات والمكتبات الكبرى.
 
ولكن، ماذا عن العالم العربي؟
هذا السؤال مهم للغاية، فمع مطلع الألفية الثالثة تغيرت ملامح المدينة العربية، ولكنها وجدت نفسها في مواجهة تحديات كبيرة تتمثل في نقص معرفي متراكم ظهرت ملامحه وبشكل حاد مع انتشار تقنيات الاتصالات والمعلومات الحديثة كالإنترنت.
 
"
رغم قيام تجارب عربية حاولت الاقتراب من النماذج العالمية, إلا أنها تبقى اجتهادات غير كاملة، ولا تعبر عن سياسة عامة لها أبعاد شاملة، كما في باقي دول العالم المتحضر
"
وكان للتطورات السريعة والمتلاحقة في هذا المجال أثر عميق على الطريقة التي يعمل ويتواصل بها الناس في شتى بقاع الأرض، ولكن العالم العربي ظل متأخرا بشكل كبير عن المجتمعات الأخرى المعاصرة.
 
والمؤسف أن كل أقاليم العالم قد مُثِّلت بنموذج في مدن المعرفة التي ذكرها الكتاب، بما في ذلك دول العالم النامي أو الثالث، فهناك سنغافورة في آسيا، ومونتيري في المكسيك، والتي مثلها معهد رأس المال العالمي ومركز تكنولوجيا المعرفة، كما جاءت إسرائيل ضمن القائمة من خلال مدينة حولون الإسرائيلية الواقعة في وسط إسرائيل، والبالغ عدد سكانها 180 ألف نسمة.
 
لكن العالم العربي، رغم قيام تجارب حاولت الاقتراب من هذه النماذج فيه -كما في القرية الذكية ومدينة زويل للعلوم في مصر، ومدينة المعرفة الاقتصادية بالمدينة المنورة، وقرية المعرفة بإمارة دبي- إلا أنها تبقى اجتهادات غير كاملة، ولا تعبر عن سياسة عامة لها أبعاد شاملة، كما في باقي دول العالم المتحضر.

المصدر : الجزيرة

التعليقات