"من عرف فضل قوته على الضعفاء، فاغتر بذلك في شأن الأقوياء قياسًا لهم على الضعفاء كانت قوته وبالاً عليه".
 
كانت هناك شجرة بها وكر لألف غراب وقريب منها كهف يسكنه ألف بومة.
 
وفي يوم خرج ملك البوم في إحدى غدواته وفي صدره عداوة لملك الغربان وفي الغربان وملكهم عداوة للبوم.
 
"
من عرف فضل قوته على الضعفاء، فاغتر بذلك في شأن الأقوياء قياسًا لهم على الضعفاء كانت قوته وبالاً عليه
"
فأغار ملك البوم وأصحابه ليلاً على الغربان فقتل وسبى منهم خلقـًا كثيرًا.
 
فاجتمعت الغربان إلى ملكها فشكت إليه جرأة البوم عليها وطلبت منه الرأي والنصح.
 
أسرع الملك إلى أحكم الغربان يشاورهم ويأخذ رأيهم
فمنهم من رأى أن الخير في الهروب من موطنهم خوفًا من قوة البوم الباطشة, ومنهم من رأى أن الخير في الصلح ودفع الفدية للبوم.
 
فأنكر الملك آراءهم وقال:
بل نموت وندافع عن عزنا ولا نترك أوطاننا أو نتذلل لعدوّنا. 
 
وتوجّه إلى غراب آخر فقال له ما رأيك؟
 أصلح أم قتال أم هروب؟ 
 
فقال الغراب أما القتال فلا قوة لنا به.
ثم نصح الملك بحيلة ماكرة فقال له:  انتف ريشي واطردني على الملأ وارحل يا مولاي وقومك إلى مكان آخر.
 
ولما مر البوم على الغراب وجدوه على هذه الحال
فقال الغراب لملك البوم:
طردني ملك الغربان لما نصحته بالهرب
ها أنا قد لجأت إليكم ضعيفًا وحيدًا.
 
فرقَّ قلب الملك ومستشاريه ورأوا أن يضمّوه بينهم ويطعموه إلا واحدًا من مستشاري الملك رأى أن قتله أسلم، وألا يطمئن أحد لعدوّه وإن كان ضعيفـًا.
 
ولكن الملك لم يهتم برأيه وأصر على بقاء الغراب وحمايته، وعاش الغراب بين البوم حتى نبت ريشه وقوي عوده فطار بعيدًا عنهم.
 
وحط عند ملك الغربان يخبره بمكان البوم وبأسرارهم وبخطة محكمة للقضاء عليهم.
 
فهبَّ الغربان على البوم فقضوا عليهم في ساعة واحدة.
وعاد الغراب إلى الملك يقص عليه ما عاناه في مقامه عند البوم فقال له: لقد هلك مَلكهم برأي مستشاريه إلا ذلك الذي ألح عليهم بقتلي, فلا يغرّنك يا مولاي عدوّك وإن كان ضعيفًا.
 
هكذا كان الفيلسوف بيدبا يقص الحكمة والموعظة على لسان الحيوان والطير للملك دبشليم.
 
يخبره عن الدهاء والمكر على لسان الأرنب الذي قهر الفيلة وطردهم من موطنه.
 
ويخبره عن عاقبة التعجل على لسان الناسك النادم الذي قتل حيوانه الأمين بسبب العجلة وعدم التيقن.
 
وكيف يعكر سوء الكلام صفو الضمائر بين المتحابين وعلى هذا النحو وضّح أمور الحكم والسياسة وبيّن أمور الحياة والبشر.
 
وطاف الفيلسوف بالملك على أصناف الحيوان والطير يخرج من أفواههم الحكمة والعظة لمن يعي ويعقل.
 
ونجد في مقدمة الكتاب أن الفيلسوف بيدبا نصح ملكه دبشليم الهندي بالتخلي عن سياسة القهر والظلم والتحلي بأخلاق العدل والرحمة والتواضع كي يكون جديرًا بالمُلك.
 
لكن الملك استعلى واستكبر فأمر بحبس بيدبا لأنه تجرأ في حضرته حتى ذهب الغضب عن الملك فراجع نفسه في أمر بيدبا فأخذ بنصائحه وعيّنه وزيرًا له.
 
وسيرًا على نهج الملوك العظام أمر الملك وزيره الحكيم بتأليف كتاب يشتمل على "الجد والهزل واللهو والحكمة والفلسفة".
 
واستغرق الوزير في التفكير متسائلا كيف أجمع بين هذه المتناقضات حتى هُدي إلى أن يتخذ من الحيوان والطير أبطالا لقصصه تمثل اللهو وتنطق بالحكمة.
 
فكان كتاب كليلة ودمنة الذي يعد موسوعة قصصية ذات أبعاد سياسية وأخلاقية واجتماعية وعقائدية.
 
"
لا ترجع أهمية ابن المقفع إلى كونه كاتبًا فحسب، بل إلى براعته في الترجمة حيث نقل إلى العربية خير ما عرفه في لغته الفارسية سواء كان فارسيًّا خالصًا أم يونانيًّا أم هنديًّا
"
ويعود الفضل في الحفاظ على هذه الموسوعة وانتشارها إلى ابن المقفع الذي ترجمها من الفارسية القديمة إلى العربية.
 
و يقال إنه أضاف إليها بعض القصص التي ألفها.
 
ولا ترجع أهميته إلى كونه كاتبًا فحسب، بل إلى براعته في الترجمة حيث نقل إلى العربية خير ما عرفه في لغته الفارسية سواء كان فارسيًّا خالصًا أم يونانيًّا أم هنديًّا.
 
وقد عرّفه البعض بأنه من البلغاء العشرة الذين قاموا على رأس أدباء العصر العباسي.
 
ومن أقواله المأثورة أنه عندما سُـئل ما البلاغة؟ قال: "التي إذا سمعها الجاهل ظن أنه يحسن مثلها".

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك