عرض/ بدر محمد بدر
 
في كتابه الجديد "يوميات ثورة الفل" يقدم الكاتب والمفكر الدكتور نادر فرجاني رؤيته السياسية وتفاعله الفكري مع مراحل "ثورة التحرير" المصرية وتطور مشاهدها، منذ اندلاعها في يناير/كانون الثاني، وحتى حالة الحيرة والقلق على المستقبل التي تعيشها الآن. هذه الحالة التي أصبحت زادا يوميا للمصريين، ربما خفف من حدتها هذا الإقبال الجماهيري الهائل، على صناديق أول انتخابات برلمانية بعد الثورة، خلال الأيام القليلة الماضية.
 
والكتاب، الذي صدر منذ أيام، يضم أكثر من ثلاثين مقالا نشرها المؤلف عن الثورة في عدة صحف مصرية وعربية ومواقع إلكترونية، شملت الفترة من يناير/كانون الثاني وحتى يونيو/حزيران الماضي، باعتبارها "ثورة الفل"، هذه الزهرة التي تحظى بمكانة في الوجدان المصري، تبدو في التعبير الدارج: "صباح الفل" و"زي الفل".
 
- الكتاب: يوميات ثورة الفل
- المؤلف: نادر فرجاني
- عدد الصفحات: 169
- الناشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة
- الطبعة: الأولى/ نوفمبر 2011
ثورة الياسمين
وقبل أن يكتب المؤلف عن الثورة المصرية، كتب عن ثورة تونس يقول إن الإصلاح الحق، الذي يفي ثورة الياسمين حق دماء شهدائها، يتطلب صوغ دستور جديد، يقنن لمبادئ الحرية والديمقراطية والعدل، عبر جمعية تأسيسية منتخبة انتخابا حرا ونزيها من جميع فئات الشعب.
 
ويشير إلى أن الحكم التسلطي يُبقي مؤسسات سياسية وقانونية وتنفيذية معيبة ومختلة، يظل لها أثرها المدمر على الحرية والعدل، حتى بعد التخلص من المتسلط الأكبر. ومن ثم فإن الانتصار الحقيقي على الحكم الاستبدادي، يتطلب تفكيك بنى التسلط، وتدمير مؤسساته الداعمة لأغراضه الخبيثة.
 
ويتحدث فرجاني عن ضمانات نجاح المرحلة الانتقالية في حماية الثورة المصرية بعد أسبوع من انتصارها، فيقول إن أولها ألا تقتصر مهمة لجنة تصحيح الدستور القائم على شروط الترشح وضمانات حرية الانتخابات ونزاهتها، بل لا بد من أن تقيد السلطات المطلقة الممنوحة لرئيس الجمهورية في الدستور الحالي، وأن تفتح الباب أمام صياغة دستور جديد متكامل، يستطيع أن يحقق غايات الثورة، بعد الانتخابات التشريعية المقبلة.
 
ويضيف أن الغايات النهائية لثورة شعب مصر هي إقامة نهضة إنسانية، تتوخى ضمان الحرية والعدل والكرامة الإنسانية للجميع في ربوع مصر، في سياق من العزة والمنعة للوطن، وإذا كان الشباب هم من قاموا بدور مفجر الثورة وطليعتها، فإن المؤكد أن الأجيال الأكبر سنا قد التحقت بقطار الثورة مبكرا، وناصر الثورة جموع الشعب المصري بأكملها.
 
وفي مقال آخر يقول إن الحرية هي القيمة الإنسانية الأعلى، ولهذا فإن إحدى الجوانب المضيئة في التاريخ البشري هي التوق الدائم للتمتع بالحرية، والنضال من أجل نيل تلك الغاية السامية، ولا يتوقف مفهومنا للحرية عند حرية الفرد، بل الحرية مطلوبة كذلك للوطن، مثل المواطنين جميعا.
 
"
الدولة المصرية تحولت، تحت نظام الحكم التسلطي البائد، إلى تشكيل عصابي يهدف إلى احتكار قلة قليلة للثروة والسلطة في البلد، جورا وإرهابا ونهبا للثروات
"
تشكيل عصابي
ويضيف أن الدولة تحولت، تحت نظام الحكم التسلطي البائد، إلى تشكيل عصابي يهدف إلى احتكار قلة قليلة للثروة والسلطة في البلد، جورا وإرهابا ونهبا للثروات. وتم اختزال السلطة التنفيذية في جهاز للبطش بالحقوق والمواطنين يسمى وزارة الداخلية، وكان هذا التشكيل العصابي يصر على الاستمرار في الحكم، ولو كان الثمن خراب البلاد.
 
وفي مقال آخر نشره في مارس/آذار الماضي، يقول الكاتب إن الحد من الاحتجاج الشعبي يقوم على إقامة العدل، وأوله أن تقوم الحكومة فورا على ضمان حد أدنى من العيش الكريم اللائق لجميع المصريين، ليس فقط في المسكن والمأكل، بل أيضا في توافر الرعاية الصحية اللائقة، والتعليم الجيد، وثانيا: عقد محاكمات عاجلة وحاسمة ونزيهة، لكبار رؤوس الفساد في النظام السابق، من دون استثناء رأس النظام البائد، وقتها سوف يشعر المظلومون في مصر بأن هناك احتراما لكرامتهم، وعدالة ناجزة سوف تصلهم يوما، ووقتها أيضا يمكن أن يمنحوا الرعاة مهلة، حتى يحصلوا على حقوقهم كاملة.
 
وتحت عنوان آخر، يقول المؤلف: نريد التنمية التي تضمن لمصر العزة والمنعة، وتصون الكرامة الإنسانية للمصريين جميعا، وتقيم بنية إنتاجية قوية، وتضمن زيادة الإنتاجية باطراد، مما يفضي إلى قوة الوطن، ولن تقوم هذه التنمية بداية إلا إذا أصبح الاقتصاد خاضعا لمحاسبة فعالة من عموم المصريين، ولن يحدث ذلك إلا في نظام حكم ديمقراطي صالح، تكون المساءلة الفعالة للحكام والمسؤولين أحد أهم مكوناته.
 
وفي مقال آخر، يوجه الكاتب الشكر إلى المجلس العسكري والحكومة على زيارة رئيس الوزراء المصري د. عصام شرف أرضَ سيناء، معتذرا عن معاناة أهلنا في سيناء من الحكم التسلطي، وواعدا بقيام المشروع القومي لتنمية أرض الفيروز، الذي عطله الحكم الساقط طويلا، كما يشكر المجلس والحكومة على تحقيق المصالحة الفلسطينية، التي عُطلت طويلا أيضا، والإعلان عن قرب اتخاذ إجراءات لتخفيف الحصار على أهلنا في قطاع غزة، الذي كان يحاصره نظام الحكم السابق أيضا.
 
لا لتحصين المجلس
وتحت عنوان "كي لا تتحول الأخطاء إلى خطايا" يقول إن تحصين المجلس العسكري من المساءلة، على الرغم من تمتعه بسلطات شبه مطلقة، تجمع بين السلطة التشريعية وترؤس السلطة التنفيذية، بالإضافة إلى جناح قضائي لا يتيح كل ضمانات التقاضي أمام القاضي الطبيعي، ولا يتورع المجلس العسكري عن استعماله، حتى بالمخالفة لإعلانه الدستوري. يُمنح المجلس سلطات الدولة مجتمعة، من دون أن يكون للشعب، صاحب السيادة ومصدر جميع السلطات ومالك القوات المسلحة على وجه الخصوص، أي فرصة لمساءلة المجلس، الذي تحول إلى دولة مطلقة اليد ومحصنة من المساءلة.
 
"
أصل البلاء في خطايا السلطة الانتقالية، هو استنساخ سوءات نظام الطاغية المخلوع، في تقييد المشاركة الشعبية وتهميش المواطنين، ومحاولة الاستخفاف بعقول المصريين
"
وفي مقال أخير يقول الدكتور فرجاني: إن أصل البلاء في خطايا السلطة الانتقالية، هو استنساخ سوءات نظام الطاغية المخلوع، في تقييد المشاركة الشعبية وتهميش المواطنين، ومحاولة الاستخفاف بعقول المصريين، من خلال الحوارات المدارة والإعلام الرسمي المسير، الذي يزيف الوعي من خلال تشجيع التملق والتزلف للسلطة الانتقالية، مع خنق المشاركة الشعبية الواسعة والعميقة.
 
لقد حمل الكتاب زفرات ألم وخوف، ونبضات أمل وشوق إلى مصر المستقبل، من كاتب سياسي وحقوقي بارز، عبر عنها أثناء وبعد ثورة مصر في يناير 2011، أكبر وأهم ثورات الربيع العربي.

المصدر : الجزيرة

التعليقات