عرض/ الجزيرة.نت
 
ظلت "رواية التاريخ السياسي" للسعودية تشير إلى علامات استفهام عدة، خاصة في علاقة السلطة السياسية بمثقفيها غير الإيجابية بصورة عامة، وهو ما يمكن تلخيصه في عرض الكتاب الحالي، وهو نسخة من صورة مكرورة في الواقع العربي المعاصر، إلا أن الحالة السياسية للسعودية تتمتع بعلاقات معقدة بعض الشيء، خاصة في تفاصيل المحطات والمواقف والتقاطعات والمنعطفات الحيوية السياسية التي ظلت "لسنوات طويلة" حبيسة الأدراج أو المجالس الخاصة، حتى في ظل تطور وسائط الاتصال الجديدة.
 
 
- الكتاب: السجين 32.. أحلام محمد سعيد طيب وهزائمه
- المؤلف: أحمد عدنان
- عدد الصفحات: 472
- الناشر: المركز الثقافي العربي، لبنان
- الطبعة: الأولى 2011
ويمكن القول إن الكتاب الحالي يحاول إيصال رسالة مباشرة، وهي أن التاريخ السياسي السعودي في جانبه الشعبي لم يكتب عنه بالشكل الكافي، وهذا ما دفع الصحافي السعودي أحمد عدنان إلى تدوين الحياة السياسية عبر حوار معمق وطويل مع الناشط القومي الدكتور محمد سعيد طيب، الذي كشف عن خبايا دهاليز الحكم السعودي في أهم فترات تاريخ الدولة السعودية الثالثة.
 
عايش طيب الحركة السياسية في الداخل على ممر نصف قرن (50 عاماً)، من أول نجل لمؤسس المملكة يستلم دفة القيادة وهو الملك سعود، وصولاً إلى العاهل الحالي الملك عبد الله بن عبد العزيز.
 
لفتة أخرى، وهي أن اسم الكتاب مشتق من رقم طيب حينما سجن خمس سنوات (1969-1974)، في عهد الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود، إثر الخلافات القوية بين فيصل وعبد الناصر.
 
حيثيات التدوين السياسي
الصحافي عدنان يضع ملامح عامة مهمة لتدوين الشهادة السياسية للدكتور محمد سعيد طيب، هي أن جيل الرجل ورفاقه تمتعوا بفرصة عمل سياسي حقيقي -على الرغم من الحظر الرسمي في يونيو/حزيران 1965 الذي منع أي مظاهر للعمل السياسي- تمثلت في إقامة التنظيمات السياسية والمشاركات الصحافية اللاذعة.
 
وعلى الصعيد الرسمي كانت أغلب الوظائف القيادية في جهاز الدولة من نصيب جيل الشباب، ولعل تلك التجربة لم يتح لجيل اليوم الاطلاع على تفاصيلها وظروفها لأسباب مفهومة.

الحيثية الأخرى في عملية الت
دوين السياسي التي رغب بها عدنان مع شهادة طيب هي أن تجربة المعارضة السعودية -وإن كانت قليلة المؤلفات- تحدثت عن نفسها، لحماية التاريخ السياسي من تهمة الانقطاع. وأما الحيثية الثالثة وهي أن الصحافة السعودية لم تصل حرية النشر فيها -رغم بعض الهامش- إلى درجة تناول التاريخ المكتوم في صدور بعض الرجال.
  
وفي مفصل مهم آخر يحاول عدنان تسليط الضوء على ملمح مهم -وإن كان بصورة غير مباشرة- من توثيق شهادة الطيب السياسية، إذ يقول: "من المعتاد في رواية التاريخ السياسي السعودي أن تقرأ إنجازات النظام التي حققها، أو المصاعب التي واجهها وتغلب عليها، وهذا مهم وواجب، لكن في المقابل، أعطى هذا المنهج صورة مبتورة للمتلقي عن الحراك السياسي السعودي، وبشكل أدق بدا أن للمملكة تاريخا يروى في ميادين الاقتصاد والثقافة والاجتماع...إلخ، أما السياسة فمحور تاريخها هو النظام وحده، وكأن الشعب لم يشهد حراكا سياسيا يستحق أن يسجله التاريخ أو أن تعرفه الأجيال، خصوصا عندما نتحدث عن مرحلة لم تأخذ حقها من التوثيق والتأمل.
 
كما كان من الصعب أن يروي شهود المرحلة تجربتهم، لكن في زمن اليوم، الذي يفترض أنه زمن الشفافية ومراجعة النفس والحوار لا يمكن أن نتقبل الصمت أو أن نتفهمه.
 
"
كان من الصعب أن يروي شهود الماضي تجربتهم، لكن في زمن اليوم، الذي يفترض أنه زمن الشفافية ومراجعة النفس والحوار، لا يمكن أن نتقبل الصمت أو أن نتفهمه
"
جرأة التفاصيل الدقيقة التي سردها الرجل -خاصة التي لا يزال يحتفظ ببعض مكنون أسرارها لم يروها بعد- في مجال الإصلاح السياسي وتوسيع هامش المشاركة الشعبية في اتخاذ القرار، وقصة العلاقات مع أقطاب القيادة السياسية العليا التي ظلت بين "مد وجزر" إلى أن بلغت إحداها حد الاعتقال السياسي لطيب بأمر مباشر من العاهل السعودي الراحل الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود، استمر 77 ليلة بسجن الحائر بالرياض، إثر رسالة خاصة بعث بها لأحد أعضاء مجلس الشورى (صديقه توفيق إبراهيم توفيق في 2 سبتمبر/أيلول 1993)، وتسربت فيما بعد لتصل إلى البلاط الملكي الذي فهم الرسالة على أنها "استهزاء بالدولة"، منع على إثرها طيب من السفر وأخذ من الطائرة التي كانت ستقله في حينه إلى القاهرة.
 
ويروي طيب أنه في اليوم الثاني توجه إلى مقر وزارة الداخلية في رحلة أمنية إلى الرياض ليقابل الأمير نايف بن عبد العزيز، الذي استاء من تهكم الرسالة وكان الاعتراض على مفردة "..صديقي السيناتور.." التي أغضبت أعضاء المجلس كثيراً من طريقة وصفهم (وهي إشارة إلى أن المجلس ديكور سياسي لا أكثر ولا أقل)، ومن ثم يقول طيب: "فوجئت بالأمير يرفع كلتا يديه إلى أعلى قائلا: أنا بريء ومالي شغل.. واللي يصير يصير".
 
تلك الجرأة في السرد، جعلت الكتاب في طور "الممنوع من التوزيع" في السعودية، إلا أن عدداً من المواقع المحلية قامت برفع نسخة pdf منه لتحميله مجاناً، كموقع الشبكة الليبرالية السعودية الحرة.
 
أول اعتقال سياسي
أول اعتقال سياسي تعرض له طيب يعود إلى ما بين الشهر الثاني والشهر السابع من العام 1964 في عهد الملك فيصل بن عبد العزيز، حين اعتقلت السلطات السعودية قرابة سبعين مواطنا من المدن الرئيسية الثلاث (جدة، الرياض، الدمام) يمثلون مختلف التيارات السياسية، ووزعت الاعتقالات بين الرياض والدمام، فسجن في الرياض أصحاب الانتماءات القومية والناصرية، وهم: محمد سعيد طيب، والأديب عبد الله الجفري، فهد العريفي، صالح العذل، عبد الرحمن أبو عطا، عبد العزيز عطية أبو خيال (مؤلف كتاب مذكرات زوج مغفل)، حامد دردير، ناهض العبد العزيز (وكيل إمارة منطقة الرياض سابقا) ووالد د. منيرة الناهض التي قادت السيارة في التظاهرة الشهيرة أثناء حرب الخليج. بينما سجن في الدمام أصحاب الميول الماركسية والشيوعية، مثل: عابد خزندار، عبد الكريم الجهيمان، السيد علي العوامي، الشاعر عبد الرحمن المنصور (والد المخرجة السعودية هيفاء المنصور)، صالح الزيد، وباقر الشماسي.
 
تهمة الطيب أنه انتمى إلى تنظيم سياسي (كان عمره 25 عاماً) مقره القاهرة يدعى (الجبهة العربية لتحرير الجزيرة العربية) الذي يرأسه أحمد الفاسي، وهو شاعر لامع يعد من طلائع المذيعين في الإذاعة السعودية التي تأسست سنة 1949 في مكة. أسس تنظيمه في سياق ثوري ناصري، حين كان العالم العربي من محيطه إلى خليجه يموج بفكرة القومية العربية ووهج جمال عبد الناصر، وكانت أدبيات التنظيم تتحدث عن العدالة الاجتماعية والوحدة العربية والتحرر من الاستعمار والرجعية والملكية، لكن السلطات السعودية اكتشفت نشاطه فهرب إلى مصر سنة 1961، إلا أنه عاد بعد سنوات إثر عفو شامل من العاهل الراحل الملك خالد بن عبد العزيز.
 
"
اعتقل طيب أكثر من مرة وعذب بشكل قاس في فترات متقطعة، ولم يعلم بوفاة جمال عبد الناصر إلا بعد سنتين من وفاته. وحين خرج من سجنه استدعاه الأمير نايف والأمير سلمان ونصحاه أن يضع الماضي خلفه
"
وأعيد اعتقال طيب مرة أخرى في صيف 1969 إلى أواخر 1974، حيث تم حبسه انفرادياً بعد عودته من دراسته بالولايات المتحدة الأميركية (في إجازة صيفية ليزور والدته في الطائف)، دون أن يعرف التهمة الموجهة له، وفقا لروايته. كما اعتقل معه المئات وعدد كبير من العسكريين (أغلبهم من سلاح الطيران)، بسبب انتماءاتهم الناصرية، والخلاف السعودي المصري الذي بلغ مداه بين الملك فيصل وعبد الناصر، خاصة مع مساندة الأخير لإنهاء حكم الإمامة في اليمن، يشير طيب إلى أنه عُذب بشكل قاس في فترات متقطعة، ولم يعلم بوفاة جمال عبد الناصر إلا بعد سنتين من وفاته، وحين خرج من سجنه استدعاه الأمير نايف (ولي العهد الحالي) ثم الأمير سلمان (وزير الدفاع الحالي) وقالوا إنه يجب أن تضع الماضي خلفك، وأن المثقفين هم أغلى فئة في الوطن، والوطن يحتاجهم. وذكر الأمير سلمان بن عبد العزيز للطيب محاولته التوسط له عند الملك فيصل أكثر من مرة وكان كلما يسمع باسمه يشيح بوجهه.
 
شهادته عن بعض ملوك السعودية
في أجزاء الكتاب يعطي طيب شهادته السياسية الخالصة عن ملوك السعودية، إلا أنه فصّل كثيراً في عهد الملك فيصل، فيقول: "المؤسس الثاني والحقيقي للدولة بلا جدال، كان شخصية قوية ومؤثرة، تميز بالانضباط الشخصي وضبط المال العام، أعطى فسحة لا بأس بها للمرأة في التعليم والإعلام، كما أنه أحسن اختيار رجاله، وتميز عهده بإصدار عدد من الأنظمة وبناء المؤسسات وإن كان بعضها نتيجة ضغط من الإدارة الأميركية كتحرير الرق، ونظام العمل والعمال، ونظام التأمينات الاجتماعية، كما أنه كان يلتزم بالأنظمة وكانت الاستثناءات قليلة ومحدودة جدا في عهده".

أما سلبيات عهده -كما يقول طيب- فتسلط الأجهزة الأمنية وتطاولها على حريات الناس وحقوقهم الأساسية. كانت السجون والمعتقلات كثيرة. أصبح الأخ يشك بأخيه، ولم يكن أحد يستطيع التحدث في المجالس العامة أو الهاتف أو كتابة رسالة خوفا من الاعتقال، كان عهد الخوف العظيم، انحسرت حرية الصحافة والنشر على عكس الحرية التي أعطاها وهو نائب للملك سعود.
 
هندسة العريضة الإصلاحية
أحدث احتلال الكويت في التسعينيات الأولى من القرن الماضي من جانب صدام حسين زلزالاً سياسياَ مدوياً في الساحة المحلية حينما تقرر الاستعانة بالقوات الأميركية لتحرير الكويت، وكان من نتائج ذلك الزلزال بداية تقديم أول عريضة إصلاحية مدنية -كان طيب من مهندسيها- في ديسمبر/كانون الأول 1990 التي ولدت على هامش حرب تحرير الكويت، والتي رفعها إلى الملك فهد بن عبد العزيز مجموعة من رجال الدولة ومثقفيها ووجهائها، وعلى رأسهم الوزراء السابقون أحمد صلاح جمجموم، وعبد الله دباغ، ومحمد عبده يماني، استجابة للتحديات التي فرضتها حرب تحرير الكويت على البلاد.
 
جاءت العريضة في أجواء حرب الخليج وبعد أحداث ساخنة جدا، وأشاروا في خطابهم إلى أهمية المضي قدما في ترسيخ التطبيق الشامل للشريعة من إقامة العدل وتحقيق المساواة وإشاعة الإصلاح، وذلك عن طريق وضع إطار تنظيمي للفتوى، والشروع في تكوين مجلس الشورى، وإحياء المجالس البلدية، ومراجعة أوضاع القضاء، وتنظيم الحرية الإعلامية، والإصلاح الجذري والشامل لقطاعي التعليم وهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتمكين المرأة في الحياة العامة .
 
"
كان من نتائج زلزال احتلال العراق للكويت تقديم أول عريضة إصلاحية مدنية في ديسمبر 1990، التي ولدت على هامش حرب تحرير الكويت
"
ويقول طيب "الأب الروحي لهذه العريضة المدنية بلا منازع هو الشيخ أحمد صلاح جمجوم (وزير التجارة الأسبق ومن رجالات الملك فيصل)، وقدم مداخلة نارية خلال اجتماعهم مع الأمير نايف في (18 أغسطس/آب 1990) ولم تشر لها وكالة الأنباء السعودية الرسمية "واس"، وبدأ بجملته الشهيرة: "يا أمير، من أعان ظالما سلطه الله عليه، أنتم أعنتم صدام في حربه على إيران فسلطه الله عليكم"، مطالبا صناع القرار بانتهاز الفرصة لمراجعة النفس وإطلاق مسيرة الإصلاح، وهذا ما يطالب به الآن المفكرون والدعاة بإجماع.
 
يروي طيب بعض تفاصيل هذه المبادرة التي رفضها الإسلاميون معتبرين أنها "علمانية"، وقاموا بعد أشهر بتقديم عريضة أخرى وقع عليها أهم رموز التيار الإسلامي، عرفت "بمذكرة النصيحة".
 
يبقى أن نشير إلى أن الكتاب احتوى تفاصيل حساسة جداً تتعلق بالمسألة الأمنية وأروقة السياسة الداخلية في السعودية، وربما تحمل إجابات طيب الأخيرة بعض الملامح حينما طلب منه توصيف علاقاته بالساسة السعوديين، فأجاب قائلاً: "لا حوار لا قطيعة.. بين بين".

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك