عرض/ حسن ابحيص
 
في كتابه الصادر مؤخراً عن مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات في بيروت، بعنوان "القضية الفلسطينية: خلفياتها التاريخية وتطوراتها المعاصرة"، يحاول د. محسن محمد صالح تقديم صورة شاملة عن القضية الفلسطينية، في ستة فصول، من خلال تتبّع مفاصل السياق التاريخي للقضية، بدءاً بخلفيات ظهورها، وصولاً لتطوراتها المعاصرة حتى منتصف عام 2011؛ وذلك بشكل مركّز ومختصر، وبأسلوب علمي موثّق مدعّم بالصور والخرائط التوضيحية، وبلغة سهلة في الوقت نفسه.
 
خلفيات القضية الفلسطينية
يتناول أول فصول الكتاب خلفيات القضية الفلسطينية حتى سنة 1918، مستعرضاً أبرز محطات فلسطين عبر التاريخ. وهو يشير إلى أن الكنعانيين بقدومهم من جزيرة العرب (نحو 2500 ق.م) أصبحوا السكان الأساسيين للبلاد، وفي المقابل فإن حكم مملكة بني إسرائيل لم يَطُل في أرض فلسطين أكثر من أربعة قرون، وكان في غالب الوقت ضعيفاً ومفككاً ولم يشمل كامل أرضها، في حين ظلّ أبناء فلسطين من الكنعانيين وغيرهم في أرضهم ولم يهجروها.
 
-الكتاب: القضية الفلسطينية: خلفياتها التاريخية وتطوراتها المعاصرة
-المؤلف: د. محسن محمد صالح
-عدد الصفحات: 208
-الناشر: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، بيروت
-الطبعة: الأولى/أكتوبر 2011
ويضيف أن أكثر من 80% من يهود العصر الحالي لا يمتّون إلى بني إسرائيل الذين سكنوا فلسطين بأية صلة، بل هم من يهود "الخزر" الذين ترجع أصولهم إلى قبائل تترية تركية قديمة استوطنت منطقة شمال القوقاز وتهوّدت في القرن الثامن الميلادي، ثم انتشروا في روسيا وشرق أوروبا، وهؤلاء هم من يُعرفون الآن باليهود الأشكناز.
 
وحول خلفيات ظهور المشروع الصهيوني في التاريخ الحديث، يتحدث الفصل عن دور ظهور الحركة البروتستانتية وما رافقها من ظهور "الصهيونية غير اليهودية"، ونشوء الدولة الأوروبية الحديثة وانتشار الفكرة القومية وما رافقها من تراجع دور الكنيسة وإنشاء أنظمة علمانية في أوروبا الغربية، سهلت لليهود زيادة نفوذهم في دوائر السياسة والاقتصاد والإعلام بعد تمتعهم بكافة حقوق المواطنة. كما يتحدث عن نشوء "المشكلة اليهودية" إثر الاضطهاد الذي تعرضوا له في روسيا على يد الحكومة القيصرية، إلى جانب ضعف الدولة العثمانية، وتوافق ذلك كله مع فكرة "الدولة الحاجزة" التي تحقق المصالح الاستعمارية للغرب.
 
ويتناول التطور السياسي للقضية الفلسطينية حتى نهاية الحرب العالمية الأولى، مشيراً إلى إنشاء المنظمة الصهيونية العالمية وانعقاد المؤتمر الصهيوني الأول في بال بسويسرا عام 1897، وإلى التطورات التي أثرت على مستقبل فلسطين في أثناء تلك الحرب، بما في ذلك الثورة العربية الكبرى، واتفاقية سايكس بيكو، ووعد بلفور.
 
فلسطين تحت الاحتلال البريطاني
يسلّط الفصل الثاني الضوء على فترة الاحتلال البريطاني لفلسطين، ويتحدث عن دوره في مشروع التهويد المنظم لأرض فلسطين، التي كان السكان العرب يشكّلون نحو 92% من سكانها عند بداية الاحتلال، موضحاً أن عدد اليهود قد زاد من 55 ألفاً عام 1918 إلى 646 ألفاً عام 1948، بحيث ارتفعت نسبتهم من 8% إلى نحو 32% من السكان.
 
ويضيف أنه بالرغم من الجهود الصهيونية البريطانية المضنية للحصول على الأرض، إلا أن اليهود لم يتمكنوا من الحصول سوى على نحو 6% من أراضي فلسطين بحلول 1948، كانت معظمها إما أراضٍ حكومية أو أراضٍ باعها إقطاعيون غير فلسطينيين كانوا يقيمون في لبنان وسورية وغيرها.
 
كما يشير إلى سعي السلطات البريطانية الحثيث لنزع أسلحة الفلسطينيين مقابل تشجيعها تسليح اليهود لأنفسهم، وتشكيلهم قوات عسكرية وتدريبها، بلغ عددها مع اندلاع حرب 1948 نحو 70 ألف مقاتل صهيوني، وهو عدد يفوق عدد الجيوش العربية السبعة التي دخلت الحرب بأكثر من ثلاثة أضعاف.
 
ثم يتناول الفصل كذلك ظهور الحركة الوطنية الفلسطينية، مشيراً إلى تركيزها خلال الفترة 1918-1929 على المقاومة السلمية للمشروع الصهيوني، ومحاولة إقناع بريطانيا بالعدول عن وعد بلفور، ثم تحوّلها للمقاومة الجهادية العنيفة للمشروع الصهيوني والاحتلال البريطاني على حدّ سواء خلال الفترة 1929-1939، والذي كانت ثورة البراق سنة 1929 فاتحة لها، وبلغت ذروتها في الثورة الفلسطينية الكبرى (1936-1939)، والتي شهدت بدايتها إعلان الإضراب العام الذي استمر حوالي ستة أشهر، ليكون أطول إضراب في التاريخ يقوم به شعب بأكمله، وانتهت بإصدار الحكومة البريطانية "الكتاب الأبيض" في أيار/مايو 1939.
 
كما يتناول التطورات اللاحقة، مروراًً بإصدار قرار تقسيم فلسطين عام 1947، الذي اندلعت الحرب فور صدوره وتحمّل أبناء فلسطين أعباءها في الأشهر الستة الأولى، لحين دخول الجيوش العربية التي ربطت دخولها بخروج بريطانيا في 15/5/1948.
 
"
الفلسطينيون تمكنوا من المحافظة على نحو 82% من أرض فلسطين حتى لحظة دخول الجيوش العربية، التي مثّلت قصة مأساة أخرى نتيجة ضعف عددها وعدتها، وقلة خبرتها، وضعف التنسيق بينها
"
ويشير في هذا السياق إلى أن الفلسطينيين تمكنوا من المحافظة على نحو 82% من أرض فلسطين حتى لحظة دخول تلك الجيوش، التي مثّلت قصة مأساة أخرى، نتيجة ضعف عددها وعدتها، وقلة خبرتها، وضعف التنسيق بينها، وجهلها بالأرض، وانشغال بعضها بنزع أسلحة الفلسطينيين بدلاً من تسليحهم.
 
كما يذكر النتائج الكارثية لحرب 1948 على الفلسطينيين، حيث أنشئت "إسرائيل" على 77% من أرض فلسطين، وتم تشريد حوالي 800 ألف فلسطيني، أي  58% من الشعب الفلسطيني، إلى خارج الحدود التي قام عليها الكيان الإسرائيلي، إلى جانب تشريد 30 ألفاً داخل حدود الأرض المحتلة. كما دمّرت القوات الصهيونية 478 قرية من أصل 585 قرية كانت قائمة قبل الحرب، وارتكبت 34 مجزرة خلال الحرب.
 
من "النكبة" إلى "النكسة"
يستعرض الفصل الثالث من الكتاب تطورات القضية في الفترة 1949-1967، مشيراً إلى أن الفلسطينيين علّقوا آمالهم في هذه المرحلة على قومية المعركة. إلا أنه يذكر أنه على الرغم من حالة العداء الرسمي العربي للكيان الصهيوني، فإن الخط البياني للأنظمة العربية اتجه عملياً نحو ترسيخ الواقع وليس إلى تغييره، ويرى في هذا السياق أن تبني المقاومة الفلسطينية تمّ غالباً لأسباب تكتيكية مرحلية وليس ضمن خطط إستراتيجية شاملة.
 
كما يتناول الفصل تطور العمل الوطني الفلسطيني في تلك المرحلة، ونشأة حركة فتح عام 1957 (تذكر المصادر اختلافا واضحا في تاريخ نشأة الحركة) في الكويت برئاسة ياسر عرفات، وتأسيس حركة القوميين العرب، وإنشاء منظمة التحرير الفلسطينية (م.ت.ف) بتأييد رسمي عربي، وخصوصاً من الرئيس المصري جمال عبد الناصر الذي دعم انتخاب أحمد الشقيري رئيساً للمنظمة عقب إعلان إنشائها عام 1964، مرجعاً ذلك إلى رغبة عبد الناصر بأن لا يفلت زمام الساحة الفلسطينية من يده، ووجود اتجاه يريد استيعاب الفلسطينيين في كيان رسمي معتمد يسهل التحكم به.
 
كما يستعرض نتائج حرب يونيو/حزيران 1967، التي تمثّلت في احتلال باقي فلسطين وشبه جزيرة سيناء ومرتفعات الجولان وتشريد 330 ألف فلسطيني آخرين، مشيراً إلى أن أحد أبرز نتائجها المؤسفة كان تركيز الأنظمة العربية و (م.ت.ف) فيما بعد على استعادة الأراضي المحتلة عام 1967، أي 23% من أرض فلسطين، والاستعداد الضمني للتنازل عن الأرض المحتلة عام 1948، التي قامت كل المنظمات والحروب السابقة أساساً لتحريرها.
 
بروز الهوية الوطنية الفلسطينية
يتناول الفصل الرابع تطورات الفترة 1967-1987، مشيراً إلى دور هزيمة 1967 في دفع الأنظمة العربية لإفساح المجال للعمل الفدائي الفلسطيني، الذي استطاع أن يبني قواعد قوية وواسعة في الأردن ولبنان، اللذين كانت حدودهما مفتوحة أمامه في الفترة 1967-1970، والتي كانت الفترة الذهبية للعمل الفدائي.
 
كما استطاعت تنظيماته بقيادة حركة فتح  الوصول إلى قيادة (م.ت.ف) التي ترأسها ياسر عرفات عام 1969، والتي تمكنت عام 1974 من الحصول على اعتراف الدول العربية بها مثلاً شرعياً وحيداً للشعب الفلسطيني.
 
"
اعتراف الدول العربية بمنظمة التحرير الفلسطينية صبّ عملياً في إزاحة أثقال المسؤولية تجاه القضية الفلسطينية عن أكتاف الدول العربية وتحميلها للفلسطينيين وحدهم، وخصوصاً بعد توقيع كامب ديفد
"
ولكنّ الكتاب يشير إلى أن هذا الاعتراف صبّ عملياً في إزاحة أثقال المسؤولية تجاه القضية الفلسطينية عن أكتاف الدول العربية وتحميلها للفلسطينيين وحدهم، وخصوصاً بعد انسحاب مصر من ساحة المواجهة مع "إسرائيل" بعد توقيع اتفاقية كامب ديفد في 1978، إلى جانب مشكلات (م.ت.ف) مع عدد من الأنظمة العربية، والتي جعلتها أعجز عن القيام بمهامها، وأبرزها مشكلاتها مع الأردن ولبنان، والتي أدت، إلى جانب الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، إلى إنهاك المنظمة عسكرياً.
 
وهو ما جعل الفترة التالية تشهد تراجعاً في الأداء النضالي المسلح، وفي التأثير والفاعلية السياسية حتى في الوسط العربي نفسه، وكسب أنصار "الواقعية" دفعات جديدة باتجاه تبني الحلول السلمية؛ ولكنها شهدت في الوقت نفسه استعادة الظاهرة الإسلامية وسط الفلسطينيين حيويتها، بعد أن رأت الجماهير فشل الأيديولوجيات القومية والعلمانية واليسارية في حل القضية الفلسطينية، مستعرضاً بدايات تأسيس الجهاز العسكري للإخوان المسلمين في قطاع غزة ونشأة حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين في مطلع الثمانينيات.
 
ما بين الانتفاضتين: الانتقال للتسوية
يتحدّث الفصل الخامس عن الفترة 1987-2000 مستعرضاً أبرز معالمها، والتي تمثلت في: اندلاع الانتفاضة المباركة عام 1987، وبروز التيار الإسلامي المجاهد، وتوقيع اتفاقيات أوسلو بين (م.ت.ف) و"إسرائيل" عام 1993، والضعف والتفكك والصراع الداخلي العربي العربي إثر الاجتياح العراقي للكويت، وتوقيع الأردن على اتفاق تسوية مع "إسرائيل"، وانهيار الاتحاد السوفييتي وتفككه، وانهيار منظومة الدول الاشتراكية في شرق أوروبا، والهجرة اليهودية الهائلة منها إلى الكيان الإسرائيلي، واستفراد الولايات المتحدة بالسيطرة العالمية.
 
ويشير الكتاب إلى أن الانتفاضة الأولى شهدت خلال ست سنوات سقوط 1540 شهيداً فلسطينياً، و130 ألف جريح، واعتقال 116 ألفاً لمدد مختلفة. ثم يستعرض إنشاء حركة حماس بالتلازم مع بداية الانتفاضة، مشيراً إلى تمكنها من تحقيق شعبية واسعة، وتطوير عملها العسكري وصولاً للقيام بعمليات نوعية هزت الكيان الإسرائيلي، وذلك على الرغم من أن دخول (م.ت.ف) في تسوية مع الإسرائيليين وتوليها الحكم الذاتي في الضفة والقطاع منذ 1994 جعل العمل الجهادي أمراً يكاد يكون مستحيلاً، وفق ما يورده الكتاب.
 
وبخصوص تلك التسوية، يذكر الكتاب أن (م.ت.ف) عدّت اندلاع الانتفاضة الأولى رافعة سياسية لها، بعدما كانت تعاني من تهميش واستضعاف سياسي إثر المحاولات المتوالية لاجتثاثها عسكرياً، وحاولت استثمار تلك الانتفاضة بشكل مبكر، فاشتركت فيها بفعالية، قبل أن تخوض "هجوم السلام الفلسطيني"، ممهدة لذلك بوضع برنامج فلسطيني قائم على الاعتراف بقرار التقسيم، واعترافها لأول مرة بقرار مجلس الأمن 242، وصولاً لتوقيع اتفاق أوسلو عام 1993، الذي يورد الكتاب مجموعة من الملاحظات والانتقادات تجاهه.
 
صعود المقاومة وانسداد أفق التسوية
يستعرض آخر فصول الكتاب التطورات التي جرت في الفترة التي تلت اندلاع انتفاضة الأقصى وحتى اليوم (2000-2011)، متناولاً إياها ضمن ستة عناوين أساسية، تشمل العدوان الإسرائيلي والمقاومة الفلسطينية، والوضع الداخلي الفلسطيني، ومسار مفاوضات التسوية السلمية، ومدينة القدس والوضع الحالي، والجدار العازل، ووضع الكيان الإسرائيلي.
مع الإشارة إلى أن هذا الفصل يولي عناية أكبر بعرض تفاصيل الأحداث، كما أنه غني بالأرقام والإحصاءات المحدّثة.
 
"
الكتاب يعدّ ملائماً جداً للقراء الراغبين في التعرّف بشكل عام على القضية الفلسطينية، وإدراكها بشكل علمي متوازن، بما يُشكّل بعد ذلك مدخلاً لمن يحب الدخول في التخصص والتفصيلات
"
ومن أبرز المحطات التي يأتي الفصل على ذكرها اندلاع انتفاضة الأقصى (2000-2005)، مبيناً ما قدّمه الشعب الفلسطيني من تضحيات خلالها، وموضحاً أبرز ما أفرزته من حقائق. وكذلك التطورات المتعلقة بالسلطة الفلسطينية، وأبرزها الانتخابات التشريعية سنة 2006، التي أسفرت عن فوز حماس بغالبية مقاعد المجلس التشريعي، وما تلاها من انقسام فلسطيني سياسي وجغرافي، مستعرضاً في هذا السياق واقع (م.ت.ف) الحالي ومسار المصالحة الوطنية.
 
كما يتوقف عند أبرز العناوين التي ارتبطت بمسار التسوية في العقد الأخير، ومن ضمنها مبادرة جنيف، والمبادرة العربية، وخريطة الطريق، والفصل أحادي الجانب، والعودة إلى خيار الدولة الفلسطينية من خلال التفاوض، وخيار الدولة الواحدة. ثم يناقش واقع مدينة القدس في ظل حملة التهويد المتصاعدة للمدينة ومقدساتها، والجدار الإسرائيلي العازل في الضفة الغربية، قبل أن يختم بتوصيف المشهد الإسرائيلي الداخلي سياسياً وسكانياً واقتصادياً وعسكرياً.
 
وختاماً تجدر الإشارة إلى أن هذا الكتاب يعدّ ملائماً جداً للقراء الراغبين في التعرّف بشكل عام على القضية الفلسطينية، وإدراكها بشكل علمي متوازن، بما يُشكّل بعد ذلك مدخلاً لمن يحب الدخول في التخصص والتفصيلات.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك