عرض/ الحسن سرات
 
كاتب هذا الكتاب شاهد ساقه القدر ليكون في قلب قصر الفرعون ويفضح المجرمين والطغاة الحقيقيين الذين يستمتعون بتجويع الشعوب والأمم وإزهاق الأرواح البشرية كل يوم، ليس بالأسلحة التقليدية أو الحديثة، ولكن بسلاح الجوع فقط.
 
-الكتاب: دمار جماعي.. الجغرافيا السياسية للمجاعة
-المؤلف: جان زيغلير
-عدد الصفحات 353
-دار النشر لا سوي, باريس, فرنسا
-الطبعة: الأولى/ أكتوبر 2011
جان زيغيلر، الأستاذ المبرز في علم الاجتماع بجامعة جنيف، مقرر جمعية الأمم المتحدة في منظمة التغذية (الفاو) لمدة ثماني سنوات من عام 2000 إلى عام 2008، يعرف كل صغيرة وكبيرة عن المقتولين جوعا وعطشا، وعن "الذين يأتون إلى هذه الحياة ليموتوا" كما جاء على لسان المناضل المسيحي المؤمن بلاهوت التحرير بالبرازيل القس دوم أنتونيو باتيستا فراغازو، الذي اغتيل أغلب مساعديه وبقي ينتظر الموت في كل لحظة بسبب دفاعه المستميت عن الفقراء والمساكين الذين تنهب أراضيهم ومياههم على أيدي الشركات العملاقة وتواطؤ الحكومات والنخب السياسية والمنتخبين المحليين والبرلمانيين والإعلاميين.
 
ليس هذا الكتاب فريدا بين مؤلفات جان زيغيلر، السويسري الجنسية، العالمي القضية، الذي يشغل حاليا منصب نائب رئيس اللجنة الاستشارية لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، بل له كتب أخرى لا تقل خطورة وأهمية، منها "كراهية الغرب" دار ألبان ميشيل 2008 و"إمبراطورية العار" دار فايارد 2005، و"السادة الجدد للعالم والذين يقاومونهم" دار فايارد 2002،  فضلا عن كتب أخرى وأعمال أدبية.
 
المجزرة
"المجزرة" هو عنوان الفصل الأول من كتاب "دمار شامل: الجغرافيا السياسية للمجاعة"، وفيه يقدم زيغلير أرقاما مذهلة عن المجوعين والمعطشين، في زمن الحداثة والتقدم وحقوق الإنسان: مليار من 6.7 مليارات من الناس يعانون من مجاعة دائمة. الجوع معناه نقصان حاد في الحراريات –الكالوريات- ويحتاج الرضيع إلى 700 وحدة حرارية، والصبي الذي يقل عمره عن عامين إلى 1000 وحدة، وذو الخمس سنوات في حاجة إلى 1600 وحدة، أما البالغ فتتراوح حاجته بين 2000 و2700 وحدة، كل يوم. المنظمة العالمية للصحة تحدد حاجة البالغ بـ2200 وحدة في الحد الأدنى يوميا.
 
كانت الأمم المتحدة قد سطرت عام 2000 أنها ستعمل على تخفيض عدد الجوعى بالعالم إلى النصف في عام 2015، لكن الخبير يخبرنا بيقين أن الهدف لن يتحقق، وعلى العكس ستزداد لائحة الضحايا طولا بسبب النقص في التغذية والحراريات وبسبب "مجرمين عالميين ضد الإنسانية" يحظون بالحماية والسيادة.
 
التوزيع الجغرافي للجوعى غير عادل: في عام 2010 بلغ عددهم في آسيا والمحيط الهادي 578 مليون، وفي أفريقيا جنوب الصحراء 239 مليون، وفي أميركا اللاتينية والكاريبي 53 مليون، وفي الشرق الأوسط وأفريقيا الشمالية 37 مليون، وفي الدول النامية 19 مليون.
 
وهذا دون الحديث عن "الجوع الخفي" مأساة الذين يعانون من سوء التغذية وهم بعشرات الملايين، ودون مجاعة "الأزمات الممتدة" التي تحل بقوم لتفاجئهم كارثة من الكوارث الطبيعية فلا يستطيعون الخروج منها، ويختل التوازن وتصبح حالة الطوارئ هي القاعدة وليس الاستثناء، فيطول عدم الاستقرار الغذائي.
 
"
وراء المنظمة العالمية للتجارة، وصندوق النقد الدولي والبنك العالمي، تتحكم في غذاء سكان الأرض حكومات الولايات المتحدة ومنظماتها والقراصنة والمرتزقة
"
فرسان الخراب
معطيات وأرقام فلكية تصيب المتابع بالدوار، يقدمها زيغيلير عن شركات معدودة تقارب مائتين. فوراء المنظمة العالمية للتجارة، وصندوق النقد الدولي والبنك العالمي، تتحكم في غذاء سكان الأرض حكومات الولايات المتحدة ومنظماتها والقراصنة والمرتزقة.
 
واليوم تتحكم تلك الشركات في ربع الموارد الإنتاجية العالمية وتحقق أرباحا طائلة وموارد مالية هائلة تفوق موارد البلدان التي توجد بها. عشر شركات فقط –منها أفانتيس، وموزانتو، وبيونير سيجينتا- تتحكم في ثلث سوق البذور التي يبلغ رقم معاملاتها حوالي 23 مليار دولار، وتتحكم أيضا في 80% من سوق المبيدات المقدر رقمها بـ28 مليار دولار.
 
عشر شركات أخرى –منها "كارجيل" تتحكم في 57% من مبيعات بائعي التقسيط الثلاثين الأوائل. ست شركات تتحكم في 77% من سوق الأسمدة، مثل بايير وسيجينتا وباسف وكارجيل ودوبونت وموزانتو. ست شركات فقط تتحكم في 85% من تجارة الحبوب والقطاني. ثماني شركات تتقاسم 60% من تجارة البن (القهوة) وثلاث تمتلك 80% من مبيعات الكاكاو، وثلاث أخريات تتقاسم 80% من تجارة الموز.
 
فمن البذور إلى الأسمدة إلى التوزيع النهائي، تفرض الأقلية المترفة قانونها على ملايين المزارعين في هذه الدنيا. إنها باختصار تتحكم في غذاء الناس أجمعين.
 
ويضرب زيغلير ببعض تلك الديناصورات الاقتصادية مثلا، فهذه شركة كارجيل الأميركية. إنها حاضرة في 66 بلدا ولها 1100 فرع وتشغل 131000 عامل. عام 2007 حققت الشركة رقم معاملات بـ88 مليار دولار وربحا صافيا قدره 2.4 مليار دولار. ربح تجاوز ربح عام 2006 بنسبة 55%. أما عام 2008 وهو عام الأزمة العالمية الكبرى، فإن الشركة وصلت إلى رقم معاملات بلغ 120 مليار دولار وربح صافي قدره 3.6 مليارات دولار.
 
الشركة التي تأسست عام 1865 بمينيابوليس هي اليوم أقوى متاجر في البذور بالعالم كله، وتمتلك آلاف المخازن والمحطات وأسطولا ضخما يربط بين الشرق والغرب والشمال والجنوب في أقصر وقت ممكن، وهي الرائد العالمي في الطاقة الخضراء المستخرجة من الذرة والقمح، وتلك كذبة أخرى لا يتسع المجال للتفصيل فيها.
 
هذه الشركة هي المتهم الأول في تهديد حياة الناس والكوكب كما جاء على لسان المنظمة غير الحكومية فود أند ووتر واتش "كارجيل تهديد للتغذية والحياة الريفية".
 
شركات الإجرام والانقلابات
يقدم زيغيلر أمثلة كثيرة للشركات العالمية العملاقة التي تسيطر على كل الأغذية في العالم بدءا من المساحات الصالحة للزراعة ومصادر الري والأدوية والأسمدة والحبوب والبذور والزيوت واللحوم والأسماك وغيرها.
 
ومن مظاهر طغيانها واستبدادها أنها قادرة على تغيير الحكومات بانقلابات عسكرية وانقلابات انتخابية معا. العملاقة "أريفا" توجد بالنيجر منذ أربعين عاما. هذا البلد الأفريقي مثال للمستعمرة الفرنسية الجديدة. ثاني أفقر بلد في العالم، رغم أنه ثاني بلد في معادن اليورانيوم بعد كندا، ورغم مئات الكنوز الكامنة في باطنه. و"أريفا" هي التي تستحوذ على استغلال المعادن وتقدم لحكومة نيامي الفتات فقط، وتبتلع الكعكة كلها وحدها.
 
"
من مظاهر طغيان الشركات العالمية واستبدادها أنها قادرة على تغيير الحكومات بانقلابات عسكرية وانقلابات انتخابية معا
"
ما إن فكرت –مجرد تفكير- حكومة النيجر في مفاوضة شركات صينية للاستثمار في بعض المعادن، حتى وقع انقلاب عسكري أطاح بها كانت "أريفا" من ورائه. وعندما نظمت الانتخابات الرئاسية فاز بها مامادو إسوفو، المهندس اللامع في المعادن وأحد أبرز داعمي شركة "أريفا".
 
وفي بلد أفريقي آخر هو بنين ليس الحاكم هو الرئيس بوني يايي (2006-2011) ولكن الحاكم بأمره هو الشركة الفرنسية بولوريه.  وما إن أعلن يايي فائزا، وهو المقرب من "المستثمرين" الأجانب، حتى قدم الناطق الرسمي باسمه الشكر الجزيل "للدعم الثمين" الذي قدمته وكالة التواصل الفرنسية "أورو-ر س س ج" التي ليست سوى الفرع النيجيري للأصل الفرنسي بولوريه.
 
مقاومون
ومن المسلم به أن الساحة ليست خالية أمام المستبدين والمجرمين، بل هناك مقاومون مختلفون قدموا حياتهم ووقتهم ووسعهم من أجل العدالة على الأقل، أو التخلص من الطغيان على الأكثر. مقاومون من جنسيات مختلفة في شبكات منظمة وغير منظمة. مقاومون سياسيون ودينيون ومدنيون.
 
ومن أبرز المقاومين شخصيات اجتماعية قضت أعمارها في مواجهة الديناصورات الحالية، مثل مامادو سيسوكهو وهومعلم سنغالي تخلى عن مهنته ليقود الفلاحين والمزارعين البسطاء من قلب قريته بامبا تيالين (400 كلم من العاصمة دكار) ويصبح الرئيس الشرفي لتجمع الفلاحين والمزارعين بغرب أفريقيا، وهو الآن على رأس شبكة المنظمات الفلاحية ومنتجي أفريقيا الغربية.
 
قصته أشبه ما تكون بأسطورة سيزيف اليونانية. في مواجهة عجز الحكومات الوطنية الأفريقية والشركات الكبرى والدول الصناعية، يخوض مامادو سيسوكهو (60 عاما) معركة لا هوادة فيها في جنيف وبروكسل ونيويورك ضد عمالقة التغذية الزراعية والحكومات الغربية التي تساندها. يخوضها وقد أصابه التشاؤم، وقد رآه زيغلير منهارا حزينا قلقا. كتابه الوحيد الذي ألفه "الرب ليس فلاحا" يلخص القضية برمتها.
 
وإذا كان مامادو سيسوكهو مقاوما من دول الجنوب والفقر، فإن جيمس ت. موريس، مقاوم ملياردير من الولايات المتحدة، بل صديق للرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الابن، وعضو بارز في الحزب الجمهوري، ومسيحي ملتزم، أراد بوش أن يكافئه لتقديمه الدعم المالي للحزب، فأنزله من السماء ليكون رئيسا لمنظمة التغذية العالمية، وسرعان ما أصيب الملياردير بالدهشة لهول ما رأى من المجاعة وضحاياها وهو يطوف العالم كله زائرا 80 بلدا ينشط فيها برنامج التغذية العالمي.
يتحمل المسؤولية لتصحيح حالة غير مقبولة حسب تعبيره ويغرق في العمل المتواصل.. إلى أن تهده الضغوط، فيتخلى عن رئاسة الفاو بعد تعب ومشقة.
 
في المنتدى الاجتماعي العالمي المنعقد بدكار في فبراير/شباط 2011، ظهر جليا أن أفريقيا تمتلك مجتمعا مدنيا فائق الحيوية، حسب زيغلير،  خاصة بالسنغال حيث يترأس جبريل سال نقابات مزارعي الأرز ومنتجي الخضراوات والفواكه ومربي المواشي، ويضاعفون من الاحتجاجات الشعبية والتدخلات في المنتديات الدولية، وفتح متابعات قضائية في المحاكم السنغالية.
 
لا وقت للانتظار
وإلى جانب الأفارقة ينتظم الآسيويون واللاتينيون وغيرهم في "فيا كامبيسينا" (الحياة الريفية) لمواجهة الأسياد الجدد، وقال قائلهم بالأمم المتحدة في مارس/آذار 2011 "يمثل المزارعون والمزارعات حوالي نصف سكان العالم. وحتى في العالم المصنع والتكنولوجيا المتقدمة، يتناول الناس ما عملته أيدي المزارعين والمزارعات. الزراعة لم تعد نشاطا اقتصاديا فحسب، ولكنها وثيقة الصلة بالحياة والبقاء على هذه الأرض.
 
ولهذا فإن أمن سكان الأرض يعتمد على الحال الجيد للمزارعين والمزارعات وعلى الزراعة الدائمة. ولحماية الحياة البشرية لا بد قبل كل شيء من حماية حقوق المزارعين، وانتهاك حقوق هؤلاء هو في الحقيقة تهديد للحياة الإنسانية وللكرة الأرضية".
 
"
في سنة 2001 كان عدد المليارديرات بالدولار 497 فردا، بلغت ثروتهم 1500 مليار دولار. بعد عشر سنوات أي في عام 2010 صار عددهم 1210 وبلغت ثروتهم 4500 مليار دولار
"
نداء قوي وعاجل ذلك الذي يختم به زيغلير كتابه المثير: لا وقت للانتظار.. الانتظار يجعلنا شركاء في الجريمة.. في سنة 2001 كان عدد المليارديرات بالدولار 497 فردا، بلغت ثروتهم 1500 مليار دولار. عشر سنوات بعد ذلك، في عام 2010 صار عددهم 1210 وبلغت ثروتهم 4500 مليار دولار، ثروة تتجاوز الناتج الوطني الخام لبلد مثل ألمانيا.
 
من هم هؤلاء الأقوياء الذين يتحكمون في الأسواق ويقررون يوميا من سيموتون ومن سيعيشون من البشر. يتحكمون في إنتاج وترويج كل شيء يحتاجه المزارعون ومربو المواشي من بذور وأدوية ومخصبات وأسمدة طبيعية وكيماوية ومياه وأراض شاسعة وطرق تجارية وأساطيل بحرية وجوية وموانئ ومطارات وسيارات وشاحنات.. هم الذين يرفعون الأسعار دون أن يخفضوها.
 
الحل سهل في تقدير المزارعين المقاومين. ألم يقم رؤساء الحكومات المجتمعون في عدة مؤتمرات بحساب الغلاف المالي الذي يكفي لحل الأزمة الخطيرة ووضع حد للمجاعات المنظمة القاتلة: حوالي 80 مليار دولار. فما عليهم إلا أن يقتطعوا من رؤوس أموال الناهبين الكبار ضريبة سنوية بنسبة 2% من 1210 مليارديرات المحصيين سنة 2010.
 
للثوار والإسلاميين
هذا الكتاب يعتبر رسالة مرعبة تستدعي التمهل والتريث لدى حركات الأمل والثورة والتغيير، خاصة ثوار الربيع العربي الذين حملوا الإسلاميين لتحمل المسؤولية في البلدان العربية المزهرة بالحرية والكرامة. رسالة نذير تحثهم على توسيع النظر والأفق لمعرفة الطريق، وتمييز العدو من الصديق. فيا أيها الثوار تبصروا.. ويا أيها الإسلاميون تمهلوا.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك